رسائل الثراء السريع تنهال على بريد المصريين

القاهرة - من إيهاب سلطان
نوع مبتكر من الاحتيال

تكاثرت رسائل الثراء السريع التي تستهدف المصريين عبر البريد الإلكتروني، معنونة من وزير نفط سابق انتابه اليأس أو محامي قرر خيانة الأمانة والتصرف في ثروة سرية لأحد موكليه الذي لاقى حتفه دون علم أحد سر ثروته ويكون غالبا أصحابها إما أحد الأثرياء أو رئيس من الرؤساء الأفارقة.
وتداعب الرسالة أحلام البسطاء في الثراء السريع، إذ تطلب من المرسل له المساعدة في خروج الثروة الكبيرة من مخبأها في أحد شركات الأمن في مقابل منحه نسبة من هذه الثروة تتراوح من 5 إلى 10%.
وكان نصيبي من الرسائل التي تتكاثر بشكل عشوائي في بريد المصريين رسالة معنونة باسم مرسى كابيلا الزوجة الثانية لرئيس جمهورية الكنغو السابق (الذي لاقى حتفه على يد حارسه)، تستغيث وتطلب المساعدة من بطش ابن زوجها الأكبر يوسف كابيلا رئيس الكنغو، والذي راح منذ توليه السلطة خلفا لأبيه يطاردها هي وابنها كلاب ليفتك بهما ويتخلص من شركائه في الميراث.
ولم تنس مرسى كابيلا أن تقول في رسالتها "أن هناك ثروة تقدر بــ26 مليون دولار وضعها زوجها الراحل بصندوق ودائع في شركة أمن بغانا- دون علم أحد - لصالحها وابنها، وتأتمنني عليها، وتريد أن تحولها للقاهرة باسمي في مقابل نسبة من الثروة، كما أوصتني أن احتفظ بهذا السر بيننا".
وقررت التواصل معها لأتعرف على زيفهما بعد أن كثر الحديث بين المصريين عن رسائل أفريقيا الحالمة بالثراء الفاحش، فكان ردي سريع جدا طالبا مزيد من التوضيح ومراسلتي على عنوان بريد آخر لعلني أنضم إلى قائمة ضحاياهم الجدد.
وفي صباح اليوم التالي بدأت رحلتي مع آل كابيلا نتحاور عن خطتهم في كيفية خروج الثروة الطائلة من شركة الأمن، وكثيرا ما نختلف ثم سرعان ما نتفق، وقد اتفقنا بعد جدل طويل على منحي نسبة تقدر بــ 25% خالية من مصروفات شحن الثروة إلى القاهرة. وانتهت مراسلاتنا بحتمية الذهاب إلى غانا لاستلام الثروة الكبيرة.
الطريف أن مرسى وابنها خاطبتا عقلي ليحكما نصبهما، وأكون فريسة سهلة لهما، بداية من اتصالهما الهاتفي بي عدة مرات، ثم اتصال المحامي الخاص بهما وهو أفريقي يتحدث العربية بطلاقة، ثم مدير شركة الأمن وهو عربي أيضا، كما لم تنس مرسى وابنها أن يتلعثما في الكلام باللغة الإنجليزية، وان يتعمدا احتواء رسائلهما على بعض الأخطاء الإملائية لتأكيد عدم إجادتهما للغة الإنجليزية.
كما أرسلت صورتهما الشخصية، وأصل شهادة إيداع أموالهما في شركة الأمن، وأنهما سيوفران لي تأشيرة الذهاب إلى غانا على أن ينتظرني محاميهما في غانا لتسهيل إجراءات خروج الكنز منها إلى القاهرة.
كما علي أن أرسل حوالة بريدية لصالح شركة الأمن بمبلغ عشرة آلاف دولار تسديدا لمصروفات إيداع الوديعة في الشركة منذ اغتيال وأيضا لتسهيل خروج الوديعة من الشركة بدون علم أحد من موظفيها بما تحتويه، علي أن تضاف لنصيبي عند تقسيم الثروة، وذلك لأن هروبهما من بطش يوسف كابيلا أوقعتهما في ظروف مالية ومعيشية صعبة للغاية.
ولأن التواصل خرج من إطار المراسلة البريدية ليصبح مرهون بضرورة الطيران إلى غانا، فكان لابد أن أسطر لهما نهاية قصتهما المزيفة، حيث عرضت عليهما التعاون في مشروع جديد (متجاهلا الاستمرار في مشروع استخراج كنزيهما والطيران إلى غانا) لأنني أضع يدي على كنز آخر، سيكون نصيبهما فيه أكبر من ثروة كابيلا، حيث ادعيت أن ملك مصر الراحل فاروق الأول الذي خلع من العرش بثورة يوليو عام 1952م، قد وضع ثروة كبيرة في صورة وديعة ذهبية تقدر قيمتها الآن بــ100مليون دولار قبل طرده من مصر في أحد البنوك المصرية وتحت مسئولية موظف في البنك ورئيسه المباشر اللذان اكتشفا الثروة أثناء الجرد السنوي لميزانية البنك، ويريدان إخراج الوديعة من مصر دون علم السلطات.
وقد كشفا لي سرهما، ووقع اختيارنا على شخص أجنبي، يؤتمن على الوديعة، لتصرف باسمه على أن يسلمها بعد ذلك في مقابل نسبة كبيرة قد تصل إلى 25%، ولأنكما ائتمنتموني على كنزكم فلا أجد أفضل منكما ائتمنه على كنزنا.
واختتمت العرض بأنهما لن يتحملا أي مصروفات إدارية، وأن الأمر مضمون للغاية دون أي مخاطر، ويمكنهما توفير قيمة تذاكر السفر إلى القاهرة من محاميهما على أن يعودا بعد ذلك غانمين من حصتهما في ثروة الملك فاروق الأول، ويستخرجا كنزهما في غانا، وتنتهي مأساتهما للأبد.
وما زلت أنتظر حتى اليوم جواب من آل كابيلا لنستخرج معا كنز ملك مصر الراحل فاروق الأول، ولكن يبدو أنهما وجدا ضالتهما مع ضحية أخرى.
وأذكر أثناء تواصلي البريدي مع كلاب ومرسى، بحث عبر الشبكة عن رسائل مشابهة لرسالتهما، لأتعرف على مزيد من أساليب الغش الإلكتروني وقد تناولت صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية في أحد تقاريرها موضوع الرسائل البريدية المزيفة التي تستهدف البسطاء في كل بقاع العالم الحالمين بالثراء السريع.
وذكر التقرير أن الرسائل المزيفة لم تقتصر على بلد بعينها، ولكنها تستهدف ضحاياها حول العالم، ولها ضحايا كثيرة فمنهم من قتل ومنهم من أسر حتى دفعت أسرته فدية، ومنهم من فقد ماله.
وقال إدوارد جي. ناسياتكا المشرف السابق على الجهاز السري للمخابرات الأمريكية "أن نيجيريا تعد بلد المنشأ لتلك الرسائل التي تستهدف عشرات الآلاف من الناس بشكل عشوائي،ويرسلون هذه الرسائل ويتمنون أي تعليق من أي شخص في أي مكان بالعالم لتبدأ رحلة النصب عليه."
ووصف ناسياتكا هذه الرسائل بجريمة الطمع، حيث يكون غالبية ضحاياها من الجشعين الحالمين بالثراء السريع، ومنهم السذج، كما أن غالبية الضحايا لا تريد كشف أحداث الجريمة خوفا من فضح خيبتهم وإظهار سذاجتهم وطمعهم أمام المقربين لهم.
واعترف ناسياتكا بأنه فشل في معرفة المحتالين أثناء عمله في نيجيريا، حيث قام بالعديد من المحاولات والتحقيقات للكشف عن هوية المحتالين وأماكنهم من خلال التعاون مع السلطات النيجيرية، ولكن كل محاولاتي بائت بالفشل.