على هامش زيارة بوش السرية إلى أرض الرافدين: والآن ماذا نفعل بالزهور والرياحين و«القلابالغ»؟

بقلم: علاء اللامي

العارف بخبايا التاريخ سيضحك الليلة ملء شدقيه لزيارة جورج بوش الابن، الإمبراطور الذي رفعه تجار السلاح والنفط إلى عرش الإمبراطورية العدمية والملطخة بدماء الشعوب، الإمبراطورية التي يقودها قطيع من "المحافظين الجدد" والذين هم وبالمعنى الحرفي للكلمة "طالبان الإمبريالية" مع احترامنا لإيمانات الناس.
نعم، سيضحك العارف، ونصف العارف، وربع العارف، بحقائق التاريخ لأنها المرة الأولى التي يزور فيها سرا وفي ليلة ظلماء إمبراطور منتصر في حرب ضارية ومهيمن على الكرة الأرضية جمعاء بقوته المسلحة والمالية والإعلامية إحدى مستعمراته!
إن للتاريخ أماليحه الظريفة، ونوادره العميقة، فهاهو جورج المنتصر يتساوى بصدام المهزوم!
الأول يقوم بزيارة سرية لمدة ساعتين ونصف إلى ميدان انتصاره، وقبل أن يهضم شرائح الديك الرومي، الحبشي، التركي، باختصار "الفسيفس" كما يسميه العراقيون، يمتطي طائرته ويعود من حيث أتى. وصدام المبتهج بأن العراقيين انتخبوه بنسبة تفوق نسبة الكحول الأثيلي المصفى يمضي أيامه متنقلا من كهف إلى آخر، محاولا القيام بآخر عملية تخريب وتدمير في حياته ألا وهي تدمير المقاومة العراقية الباسلة بعنعناته النرجسية محاولا فرض نفسه زعيما وقائدا لشعب دفن خيرة رجاله ونساءه في المقابر الجماعية. وحين يتساويان ستشرق حتما الشمس الرائعة في وعي الناس الذين مازالوا متمسكين بكرامتهم الإنسانية وتقترب أيام المحنة العراقية من نهايتها رويدا وريدا.
ومن نافلة القول أن اتباع بوش "العراقيين" وأسوأهم أولئك المثقفون الذين يعتقدون بأننا إذا وضعنا روايةً في سطل معدني تحول السطل إلى روائي، يتساوون مع أتباع صدام واسوأهم أولئك الذين يحاولون ركوب ظهر المقاومة فالسوء يتوالد كما يتوالد نقيضه بقوة الحق ومريديه .. وكما خاب فأل الأولين سيخيب فأل الآخرين.
وزيارة بوش السرية إلى أرض الحسين بن علي وعبد القادر الكيلاني، واجتماعه في عيد الشكر إلى "شعبه العراقي" ممثلا بأفراد الفرقة المدرعة الرابعة والأربعين من جيشه وفي قاعدة لا يتجاوز محيطها العشرين مترا تحت الأرض (على الأرجح) فإن هذه الزيارة تصلح لتكون كاشفا عما تحمله الأيام القادمة، فلا الجلبي ولا الطالباني اللذين حضرا عرس الزيارة على عجل وربما دون أن يعرفا بموضوع العرس لن ينقذا الغزوة الأمريكية من مصيرها المحتوم، فما بالك في ان ينقذا نفسيهما منه خصوصا وإن كردستان الشماء بدأت تتململ وتستعيد وعيها الذي غيبه السماسرة وأمراء الحروب.
لقد ذهب بعض المحللين السياسيين إلى أن زيارة الإمبراطور الصغير جورج تستهدف - أول ما تستهدف - رفع أسهمه الانتخابية بعد أن تدنت كثيرا، ورفع معنويات جنده المكسورين بعد أن شارف جيشه على الانهيار، وهذه الفكرة لها ما يبررها ولكنها لا تنفي فكرة أخرى تذهب إلى أن الإمبراطور حاول أن يصلح قليلا من هيبته التي مرغها أحرار لندن من أعداء الحروب في الوحل قبل يومين من خلال تدنيسه لثرى الرافدين لمدة ساعتين ونصف وتلك ذروة المهزلة والشعور بالفشل والصغار والجبن لم يقدم عليها ملك أو إمبراطور أو رئيس أو زعيم عصابة حتى اليوم.
لقد شكر الإمبراطور جورج ربه "الأمريكي طبعا" على ما مَنَّ به عليه وعلى دولته من النعمة العراقية، ولقد التمعت عيناه بدموع براقة كنفط البصرة، وسجل في صفحات التاريخ إنه أول إمبراطور يعلن عن هزيمته في ساحة نصره!
وأول جلاد يتسلل سرا إلى زنزانة أسيره ليقبل الجدار والخواء والحذاء..
وأول رئيس أمريكي يعلن رسميا أنه لا يحترم شعبه ولا شعوب العالم..
جاء وراح...
كعاصفة في فنجان...
كسهوة في ذهن مخمور..
كلثغة في فم رضيع...
وماذا عن المثقفين والكتبة الذين لا يفرقون بين السطل ودوستوفسكي وبين الطبل وجواد سليم؟
هل سيكفون عن الردح والشتم ويرحمون الناس بسكوتهم؟
وماذا عن "الزنيم الموسيقي" الذي بشر سيده الإمبراطور بأن العراقيين سيستقبلونه بالزهور والرياحين؟
ترى ماذا سيفعل " العور.. آقيون " الآن بأكوام الزهور وباقات الرياحين وقد هرب الإمبراطور قبل أذان المغرب؟
والآن وقد هرب إمبراطور البرابرة،
ماذا يجب أن تفعل النساء العراقيات يا سعدي يوسف ويا كافافي؟
أيزغردنَ أم يلطمنَ على قتلى الغد بصواريخ الديموقراطية الأمريكية؟ * علاء اللامي، كاتب عراقي يقيم في جنيف