البادية السورية ما زالت تطرب لسماع الربابة

دمشق - من طلال الكايد
عازفة الربابة: لوحة للفنانة الكويتية سمر البدر

تعتبر الة الربابة الموسيقية وشقيقتها الارغول من ‏اقدم وارق الالات الموسيقية التي ما زال لهما حضور قوي في مجالس مضافات سكان ‏البادية والارياف وفي المهرجانات التراثية في المحافظات السورية وفي المهرجانات ‏السياحية التي تقيمها الوزارات على مدار السنة بهدف الجذب السياحي.
كانت الربابة وما زالت هي الالة الموسيقية الوحيدة اضافة الى الارغول او ‏الشبابة المعتمدة لاحياء الافراح والاعراس عند اهل البادية بالرغم من انتشار الات ‏موسيقية اخرى في حين تتزعم التا العود والقانون افراح سكان العاصمة وخاصة في ‏احياء دمشق القديمة.
وما زال العديد من الحرفيين المهرة يشتغلون في تصنيع الربابة والارغول بشكلهما ‏الاصلي ومنهم من توارث هذه المهنة عن الاباء والاجداد حيث تجد منتجاتهم طريقها ‏الى الاسواق العريقة كالحميدية والمرجة ومحلات بيع التحف الشرقية.
ويلاحظ الزائر انتشار بيوت الشعر البدوية المنسوجة من شعر الماعز او القطن في ‏الاماكن السياحية في الصحراء السورية وبخاصة في تدمر الاثرية يحيي فيها عازفو ‏الربابة امسيات موسيقية مترافقة مع الغناء البدوي للسائحين واقامة عرس بدوي تكون ‏الته الوحيدة هي الربابة.
وقد حرص في الاونة الاخيرة بعض من اقام حفلات عرس في العاصمة على تواجد الة ‏الربابة الى جانب الات موسيقية شرقية وغربية للرجوع الى فلكلور الاباء والاجداد.
ويقول الباحث السوري ابراهيم فاضل انها الة موسيقية شرقية عجوز- ترافق ‏غناء القصيد الشروقي والهجيني والعتابا الشرقية.
وفي القديم لا يخلو بيت شعر او خيمة بدوية من الربابة وتراها معلقة على واسط ‏الخيمة او بيت الشعر ويكثر استخدامها في السهرات اليومية في خيمة احد الوجهاء ‏ويقوم احد البارعين في العزف على الربابة بامتاع الحاضرين وينشد مع العزف قصائد ‏الشروقي وهي عادة ما تتحدث عن الكرم والمرؤة والفخر بالعشيرة وافعالها وحماية ‏الجار ولهفة الملهوف ورد الظلم والعدوان والدعوة الى التسامح والصفاء بين القبائل ‏والعشائر.
ويقول الباحث ان الربابة عبارة عن جلد غزال او جدي او ذئب مدبوغ ومبشور يرطب ‏ثم يلف على هيكل خشبي مستطيل الشكل يمر بمنتصف قاعدته في السطح المقابل لها محور ‏طويل ينتهي بقبضة مدرجة مثقوبة ويقوم على هذا الثقب مقبض اخر ادق منه له ثقب ادق ‏وفي هذا الثقب الاخير يعقد طرف الوتر.
ويقول ان وتر الربابة هو عبارة عن مجموعة من شعر الحصان ويمتد هذا الوتر من ‏فوق الجلد الملفوف الى نهاية المحمر السفلي ويتصل بها بواسطة ماسك من الجلد ‏بالتداخل والربط ويرفع الوتر عن سطح الجلد بجسم من الخشب او العظم على شكل هرم ‏مقطوع مرقق من الجانبين محفور القمة ليسهل ارتكاز الوتر عليه.
وهناك القوس وهو عود من الخيزران او ما يشابهه محني على شكل قوس ليشد بين ‏سمتيه او نهايتيه مجموعة من شعر ذيل الحصان مثبتة في ادناه ربطا مباشرا وفي اعلاه ‏بواسطة امتداد من الجلد ليسهل ضغطه باليد.
اما طريقة العزف على الة الربابة فيكون بجر القوس على شعرها المشدود مع تلاعب ‏اصابع اليد القابضة على اعلاها بتواتر الشعر ويقابل الابهام الاصابع الاربع ‏بالضغط والتنغيم. ولكل نوع من انواع القصيد او القول جرته وكذلك حركة ‏الاصابع وليس للربابة نوته موسيقية والعزف سماعي.
اما عن مراحل تصنيع الربابة والمراحل التي تمر بها فيقول الحاج ابو ‏محمد الاغا احد مصنعي الربابة ان انجاز صنع ربابة واحدة اصلية يستغرق مدة اسبوع ‏كامل وذلك بعد تحضير المواد الاولية وتجهيزها يدويا.
ويضيف ان اول مرحلة في تصنيع الربابة هي تحضير الهيكل الخشبي عن طريق شراء دف ‏زان من المنشرة بطول 55 سنتيمترا وبنشره يدويا ومن ثم "نضع على طرفيه حجرين ‏وننقعه في برميل ماء لمدة يوم كامل حتى يترطب ويصبح قابلا للتقوس بعد وضع حجر ‏ثالث في وسطه".
ويتابع "وبعد ذلك نعمل على اذينات على اطراف الهيكل على قياسات سنتيمتر واحد ‏من كل طرف وفي الوسط نقوم بالقدح بوضع العوارض الخشبية مع نشر الزوائد بعدها يصبح ‏شكل القفص الخشبي جاهزا لاستقبال الجلد".‏
وفي المرحلة الثانية يقول الاغا "نأتي بجلد جدي وسابقا كنا نستخدم جلد الغزال ‏عندما كانت الغزلان متوفرة بكثرة ونبدا مرحلة تطويع الجلد وتمويته فنضعه بوعاء ‏حنى يحمى ثم نقوم بملسه حتى يصبح املسا ونبشره بعد ذلك بواسطة الماء ونزيل كل ‏المخلفات من الجلد فيصبح شكله كالبلور نقوم بعد ذلك بتعليقه على شجرة حتى ييبس ‏وتغادره الروح".‏
وتابع "بعد ذلك نعيد وضعه في الماء حتى يطرى من جديد ونقوم بشده على الهيكل ‏الخشبي الجاهز بحيث نثبته على العوارض من الجهتين تأتي بعد ذلك المرحلة الثالثة ‏بتهيئة الشعر الماخوذ من ذنب الخيل فبعد تركيب الرقبة ناتي بقطعة جلد ونشقها من ‏الطرفين ونضعها بسيخ ونفتح بها الشعر ونعقدها من طرفي الربابة بشكل فني لتعطي ‏الصوت المطلوب".
اما المرحلة الرابعة فهي تحضير القوس وهو من خشب الزان او الجوز ونربطه من ‏طرفيه بشعر الخيل الذي حضرناه وتصبح الربابة بعد ذلك جاهزة للعزف عليها عن طريق ‏امرار القوس على شعر الربابة فيرد جلدها الالحان والعزف.
ويقول الاغا ان صناعته تلقى بعض الرواج في الاسواق القديمة ويقبل على ‏شرائها السياح العرب وخاصة من دول الخليج العربي والاردن حيث ما زالت هذه الالة ‏تستخدم هناك وكذلك من بعض الدول العربية الاخرى بشكل عام وفي البادية السورية ‏والريف.
ويضيف ان العديد من السياح العرب ياتون الى محله ويقومون بتوصيته على صنع ‏ربابة تدخل فيها بغض النقوش التزيينية وهناك من يشتري الة الربابة لوضعها في ‏الصالون كالة فلكلورية شرقية اضافة الى اقبال السياح الاجانب على شراء هذه الالة ‏العجيبة بنغمها.
اما الالة الثانية وهي الشبابة او الارغول التي برع بالعزف عليها اهل البادية ‏ايضا فهي تصنع من القصب وهي الة موسيقية شرقية تتالف من يراعتين مثقبتين تركت في ‏كل منها يراعة وقد تسمى البنية ويدخل في كل من البنيتين يراعة ادق ايضا تسمى ‏الزمر والزمر مجروح طولانيا باتجاه الاعلى ويربط اعلى جرحه بخيط ويجمع رتلي ‏اليراعات خيط قوي يغمد بالشمع ويغلق ما بين اليراعتين الغليظتين بالشمع ايضا وقد ‏يصل الشمع الى اليراعتين التاليتين.
اما الزمران فيظلا حرين متحررين عند اللزوم من مركزيهما ويجمع بينهما خيط ‏ويحفظان في علبة صغيرة عند الفروغ من العرف ويدخل العازغ شعرة من راسه في كل من ‏جرحيهما ليطيب العزف ويصفو الصوت او ليتسع جمال التردد وهذه الالة تعمل بالنفخ من ‏فم العازف الذي يمتاز بطول النفس ما زالت ترافق فرق العزف العربية الحديثة وقد رافقت هذه الالة كبار ‏المطربين العرب وما زالت. (كونا)