قصة قصيرة: وجه مألوف تتجاهله العيون

بقلم: محمد العشري

نظر الزميل في مرآة العربة الأمامية فلاحظ أن وجه السائق حزيناً وعينيه نائمتين على أمر ما لم يتطلع عليه أحد.. حاول الزميل مداعبته فازداد وجهه انزعاجاً وتوارى خلف النظر في امتداد الطريق.. تجاهل تصرف السائق وعاد الى حديثه مع زملائه في العربة، اندمج معهم في حديث طويل عن تلك المباني العتيقة المتبقية من القاهرة القديمة.. المباني التي تمر من بينها العربة صباحاً ومساءً في طريق عملهم.. ومن حين لآخر يرمى الزميل نظرة خاطفة على وجه السائق في المرآة فلا يرى تغييراً في ملامحه..
بدا السائق للجميع كتمثال من الشمع لا يتجاوب مع من حوله.. راح الزميل يتساءل في نفسه عما يكون فيه السائق فمنذ أن قاد لهم العربة منذ شهور مضت وهو على تلك الحالة.
مرت العربة بمحاذاة سور القلعة، وما زال يحدث من معه عن القائد صلاح الدين الأيوبي في الزمن القديم، حين كان ينـزل الى الناس، مجرداً من سلاحه وحرسه، مجرداً من سلطانه وهيبته، ومتخفياً في ملابس عامة الناس، يمشى بينهم فيستمع الى شكاياتهم ومظالمهم، ومنصتاً الى ما يراودهم من أحلام، وبمجرد صحيانهم من نومهم يجدون مطالبهم قد لبيت وأحلامهم قد تحققت.
*****
رأى الزملاء صلاح الدين وهو واقف التل، ينظر الى القاهرة في كل اتجاهاتها، بعدما أخبره أحد الكيميائيين في عصره، بأن ذلك التل هو أفضل مكان في المدينة من الناحية الصحية.. وكان الكيميائي حين أبلغه صلاح الدين برغبته في معرفة أفضل مكان في المدينة قد وزع الذبائح في كل موضع، وأمر مساعديه أن يرابطوا جانب تلك الذبائح حتى تتعفن وتتحلل لحومها، وبعدها يعودون إليه ويخبرونه بذلك.
*****
توافد على الكيميائي كل مساعديه في أوقات متتالية إلا المساعد الذي رابط في موقع القلعة الحالي.. فلما استطال غيبته، ذهب إليه، فوجده يتحسس اللحم الذي احتفظ طزاجته، ولم يصبه عفن مدة أطول من أي موضع آخر في القاهرة.. وهنا وضع صلاح الدين أوتاد قلعته وشرع في البناء بما في رأسه من خطط ومشاريع.. وبعدما أتم البناء أحاطه بسور عظيم، أراد له صلاح الدين أن يمتد بادئاً من القلعة، ومتدرجاً الى بداية الدلتا، على بعد سبعة أميال من القاهرة حيث وضع اللبنة الأولى لمشروع السد العظيم في القناطر.. لكنهما لم يتما بسبب كثرة أسفار صلاح الدين ورغبته التي تحققت.. وتحققت معها عزة أمة حين هزم الصليبين وحرر بيت المقدس من أيديهم.
*****
كرر النظر في مرآة العربة الأمامية، فشاهد السائق حزيناً وهو يضغط على أسنانه، وقد احمرت وجنتاه.. شعر الجميع بضغطه على أسنانه حين انتقلت عصبيته الى دواسة البنزين، فاندفعت العربة بقوة في طريق " الأوتوستراد".. حينئذ استقر الزملاء على مقاعدهم حين اكتسبوا سرعة العربة في أجسامهم.. نظروا من زجاج العربة على الجانبين.. كانوا مندهشين، ومتأسين، وهم يرون أطفالاً تخرج من بين القبور في زيهم المدرسي، وحقائبهم معلقة في أكتافهم.
من أين يأتي هؤلاء الأطفال؟!
سؤال طبع الأسى على الوجوه.. فالكل يعرف أن تلك المقابر المتراصة على جانبي الطريق أصبحت بيوتاً يسكنها الأحياء والأموات..
تلك المقابر التي بناها الأجداد في حماية القلعة، هرباً من فيضان النيل وجبروته الذي كان يكتسح كل شئ متاخم له، قبل أن يهدأ ويرسب حمولته من الطمي والغرين، فيجد الناس أرضاً خصبة تطالب بالبذور، فينسون ما أصابهم من جراء الفيضان.. رأى الأجداد قانون الحياة مجسداً في النيل، وهو – الأخذ بقدر العطاء - فقرروا الابتعاد بموتاهم الى سفح الجبل.
*****
كانت العربة قد مالت الى جانب الطريق، سلكت ممراً جانبياً للوصول الى مقر العمل، مما جعل الزملاء منتبهين ويقظين.. فالطريق ضيق والزحام لا مفر منه.. عند ذلك اختلطت وجوه المارة ووجوه الزملاء في عين السائق، الذي وجد الدنيا من حوله تدور كساقية كبيرة يجرها وحده، ورغم ذلك لا يرى الماء الخارج منها.. انتبه الى صوت أحد الزملاء من خلفه وهو ينهره :
انتبه..
انتبه..
ألا ترى أمامك..
تشبث بمقود العربة وقد صعدت مرارته في حلقه، دون أن يدرى بها أو يراها أحد.. فما بال الناس لا تنظر ملياً في وجوه الآخرين.. ما بال الناس صارت لا تفهم ما في العيون.. وإلي أي شئ يفضي ذلك اللهاث في الحياة.. الى متى يظلون هكذا، يغلقون على أنفسهم تحت ملابسهم، ولا يُرى ذلك الآخر إلا مجرد نظرة عابرة.. ظِلُّ بلا ملامح تستوقفهم.. الى متى يظل الإنسان مقهوراً، خاضعاً، ومستسلماً، دون رغبة في إصلاح..
*****
وصلت العربة الى نقطة النهاية، توقفت أمام مقر العمل، نزل الزملاء مسرعين ودخلوا المبنى.. نظر السائق الى أعلى فاصطدمت عيناه بكيان من الأسمنت، ابتلع في جوفه كل البشر، تنهد مغلقاً عينيه على ما به، أراح رأسه الى الخلف فهبطت عليه السكينة.. شاهده الزميل مستغرقاً في سرحانه، وهو واقف الى جواره دون أن يشعر به.. وحين فتح السائق عينيه، وضع الزميل يده على كتفه وسأله عما به.. امتقع وجهه وتلون في لحظات، وعندها أصر على معرفة ما يشغله، وزاد في إلحاحه، فغرقت عيناه في الدموع، وأجهش في البكاء.
صعد الى جانبه، راح يحنو عليه ويحثه على الكلام.. فتكلم بصوت مخنوق يذبحه الألم..
فالأب مريض بالسكر منذ زمن، وقد ساءت حالته، وتدهورت صحته في الأيام الأخيرة، وبدأ المرض يهاجمه بقسوة أهرت إحدى قدميه، وفشلت كل محاولات العلاج، حتى قرر الأطباء بتر القدم المهترىء، حفاظاً على الجسم من التلف..
توتر الزميل توتراً خضب كل جسمه، وملك عينيه، فضغط على يده، محاولاً تهدئته.
قال السائق :
إن أمي في حالة يرثى لها ولا أدرى ماذا أفعل.
قال الزميل:
- طبعاً انه زوجها وقد آلمها ما حدث له، فحاول أن تُهدئ من روعها.
ابتسم السائق ابتسامة شاحبة، وأخبره أنها راقدة في المستشفى مصابة بفشل كلوى حاد، وحين علمت بما حدث تدهورت صحتها أكثر مما هي عليه من جراء عمليات الغسيل المستمرة، وأصبحت جسماً بارداً، لا حول لها ولا قوة.
ارتعش الزميل في مكانه، فقبض بقوة على كتفه، وتركه منصرفاً الى داخل المبنى.. وقع عليه الخبر وقع الصاعقة، فلم يتمالك نفسه، ولم يشعر كيف صعد الى أعلى.. كان يتحرك في ظلام هبط فجأة، وفرد جناحيه، فسد عينيه عن الرؤية.. فأي آلام يحتملها البشر.. وأي عيون ترى ما حولها ولا تشعر به.. وأي سخافات يبتكرها البعض لتعذيب الآخرين دون مراعاة لمشاعرهم.. يا الله رحمتك تسكن القلوب الطيبة.
تحرك الزميل بين زملائه ناظراً في وجوههم وهم منهمكون في أعمالهم.. حط بصره هنا وهناك، ولا شئ غير عادى.. خلية نحل وعمل مستمر لا يتوقف على أحد.. تلك هي طبيعة الحياة.. لا تستطيع أن تثبت مشاهدها.. ولا يشعر بالألم إلا المصاب وحده.. وحده فقط الذي يتألم.
أدرك أن عينا السائق في مرآة العربة، كانتا تحثانه على أن يتوقف عن الكلام.. أن يتوقفوا جميعاً عن الثرثرة، قائلتين :
ألا ترى ما أنا فيه ؟!..
ألا ترون جميعكم ؟!..
لمس الزميل بيده ذلك الوتر الرهيف الذي يسكن به الألم، ويهدأ في الصدور، قال في نفسه:
لابد من فعل شيء.
أدرك بعدها أن كل مشاركة للمصاب تريح ضمير المشارك، حتى لو كان أقرب الأقربين، وتترك الألم للمصاب يعيش فيه، ويعايشه، فيمشى بين الناس متخيلاً أن الكل يراه ويشعر به.. متخيلاً أن الأحزان من نصيبه وحده، فينام ليله متوهماً أن كل ما أَلم به مجرد وهم وكذب.
وفى الصباح ينفض النعاس عن عينيه، ويعتقد أن في استطاعته أن يطير.. أن يفعل كل شيء، فيصبح مثل قعيد يخرج من جسده لساعات يجوب فيها الأرض طولاً وعرضاً، وحين يريد أن يتحرك ولو لقدم واحد يصطدم بعجزه.. فيعود الى نفسه وقد مل مشاكسة طواحين الهواء.. يركن الى ما به، متمنياً أن ترحل الأحزان فجأة مع السحاب المار من فوق رأسه.. ناسياً أن الجميع مجرد أسنان في ترس عملاق لعجلة الحياة، وكل واقع تحت طائلتها..
انفتحت في صدر الزميل نافذة مضيئة، فراح يجمع الرحمة في قلب واحد، ويفتح شبابيك النور عن آخرها قبل أن ترحل الشمس في المغيب. محمد العشري