اعلام رمضاني

بقلم: محمد الحمامصي

أي إحباط هذا الذي يرفض الكتابة ويرى فيها كتابة أو قراءة كائناً تهرأت لغته وسقط فعله، تلقمه الأحداث وما وراءها الحجر تلو الحجر، بل إن بعض هذه الأحداث قد شحذت سكينا وأخصتها، بعد أن سفهها قومها وعروا عوراتها أمام الأقرباء والغرباء.
هل أصبحت الكتابة فعلاً مخصياً، لا يستحق إلا أن يكون خادماً لكل صاحب سلطة حتى لو كان متواطأ مع الشيطان؟ هل ذهبت الكتابة الفعل ولم تعد هناك إلا الكتابة المخصية؟ أم أن الأمر لا علاقة له بالكتابة لكنه وثيق الصلة بمن يأتونها، فقد يكون هؤلاء هم المخصيون الذين لا يملكون القدرة على الفعل وبالتالي الإخصاب/ الكتابة، من الذي فقد مقومات نوعه ليصبح مسخاً مخنساً.. الكتابة أم من يتعاطونها؟ أم أن الأمر يرتبط بمتلقيها، أم أنه خرج من أيدي الجميع حتى أولئك الذين يقبضون على دينهم ووطنهم وضميرهم وكأنهم يقبضون على جمرات من النار، فطال الإخصاء كل شيء الكتابة والكتاب والمتلقين .. إن ما يوجعني في الأمر هو المتلقي الذي يحاصره إخصاء الكتابة والكتاب جنباً الى جانب مع العصي والهراوات والأسلاك الشائكة والقنابل المسيلة للدموع وطلقات الرصاص الحي والاتهامات المخابراتية الجاهزة.
ولأن الكتابة ومن يأتونها أصبحا مسخاً مخصياً فإنه لا صدى لأي كتابة وطنية على النخب المسئولة عن أمر هذه الشعوب ولا على الشعوب ذاتها، فالشعوب المحاصرة بإرهاب أنظمتها مزقت أحشاءها حسرة وألماً ثم ركنت الى اليأس، لكن الكتابة المخصية التي فقدت كافة مقومات الكرامة والشرف تبيت ليلها في الدس على قيم وأصول الحضارة والدين الإسلاميين وتقضى نهارها في تزيين الصفحات بكل ما شأنه الطعن والانتقاص من هذه القيم وهذه الأصول، ودون أسف تدعي هذه المسوخ المخصية العروبة والإسلام لكنها في حقيقة الأمر صهيونية أمريكية ملوثة بالكراهية، لقد أصبح الجنون هو الحق الوحيد المشروع أمام الشعوب بعد أن فتك بها اليأس، الجنون هو الوحيد القادر على تفادي بركاني الفجر والعار اللذين أصبحا يطاردان ضمائر الشعوب ويلطخانها، لقد افتضح أمر الأنظمة وخيانتها التي تساهم بشكل فعال في تحقيق طموحات الصهيونية الأمريكية ؟ ودون أسف في مقابل ماذا؟ مقابل ماذا؟ شيء حقير جداً هو بقاؤها في السلطة.
كنت منذ يومين أركب عربة ميكروباس فإذا بالمذياع يعلن بصوت الفنانة يسرا عن جوائز رصدتها قناة MBC تتصاعد من 100 ألف دولار الى مليون دولار للإجابة على أسئلة أو سؤال (لم أنتبه) في مسلسل ملك روحي الذي تذيعه القناة، فسألت السائق مسجل هذا أم راديو؟ فقال لي راديو، ثم انتبهت الى أن جريدة الأهرام القاهرية كانت قد نشرت إعلان على صفحة كاملة عن المسلسل تتوسطه صورة بطول الصفحة للفنانة يسرا، كدت في هذه اللحظة أن أقرر النزول من الميكروباس وارتكاب فعلاً فاضحاً في الشارع، ثم تراجعت بعد أن حسبت العواقب، فالدولارات تتساقط من أفواه القنوات وأصحاب الأعمال المنحطة، في الوقت الذي يرزخ ملايين من الشباب العربي تحت وطأة البطالة والفراغ والرذيلة، ما الذي يحدث؟ النساء والأطفال والشيوخ في فلسطين يتظاهرون مطالبين السلطة الفلسطينية التراجع عن قرار يقضي بمنع تقديم المعونات لهم وهي قروش لا تسمن ولا تغني من جوع، وأمريكا تأمر بقطع الأيدي التي تمد يد العون لأسر الشهداء من ضحايا الإرهاب الصهيوني الأمريكي وأنظمتنا تخضع ثم تسمع وتطيع وتتواطأ.
ما الذي يحدث؟ شيخ الأزهر الشريف ورأس المؤسسة الدينية في مصر يقبل أن يجري حواراً مع إحدى القنوات الصهيونية يرى فيه أن العمليات الاستشهادية لا توجد في أي دين وينعتها بالعمليات الانتحارية وكأنه في حياته لم يقرأ كتاب الله الكريم ولا السنة النبوية المشرفة، وتمرر لجانه مسلسلاً (رجل الأقدار) عن حياة عمرو بن العاص ويذيعه التليفزيون المصري وقنوات أخرى، أقل ما يوصف به المسلسل كتابة وإخراجاً وتمثيلاً أنه رديء، يسيء للإسلام والمسلمين الأوائل ويدس على قيمهم وحقيقة رسالة الإسلام.
ماذا يحدث؟ لقد اجتاح الكتاب العرب المتصهينون والمتأمركون الصحافة العربية وتم زرعهم كنباتات شيطانية في كبرى المؤسسات الصحفية باعتبارهم كتاباً كباراً ومفكرين عباقرة ومنظرين مستنيرين، فأصبحت صفحات الرأي والمقالات والأعمدة يطل منها يومياً مسخاًَ مخصياً أو أكثر يروج للإخصاء، متخذاً من شعوبنا وقيم ديننا وحضارتنا مادة للسخرية والتهكم.
إن الصفحات الدينية التي كانت تطل علينا خلال شهر رمضان المبارك باعتبارها أكثر الصفحات متابعة، جاءت موادها هذا العام كغيرها من الصفحات مواد للتسلية والترفيه والكذب على الله ورسوله، فنظرة واحدة لها تكفي لأن تقول أن هناك اصراراً على أن تخرج في شكل فراغ من المضمون الحقيقي للرسالة الإسلامية، فهي لم تعالج إلا ما يخدم التوجه الصهيوني الأمريكي الساعي الى ضرب أحشاء الرسالة المحمدية وتلويثه، الأمة الإسلامية تتصدع ولا وجود لسطر واحد يشد من عزمها ويدعوها للوقوف صفاً واحداً أمام العدو الصهيوني الأمريكي، وكأني بهذا العدو قد أصدر توجيهاته مدعومة بالمعونات والهبات الدولارية لكي يتم تجريد الصحافة الدينية من محتواها، كما فعل من قبل مع التعليم الديني في الكتاتيب والمدارس والجامعات في البلدان الإسلامية.
لقد أصبحت من هول ما قرأت وشاهدت وسمعت خلال شهر رمضان الكريم لا أدري أين نحن؟ في أي زمان وفي أي مكان؟ لقد تم تحويل شهر رمضان بفضل ما تطالعنا به شاشات الفضائيات وصفحات الجرائد والمجلات وأحاديث النخب الحاكمة وردود أفعالهم على ما يجري لنا على أيدي الصهيونية الأمريكية، أقول لقد تم تحويل البيت والشارع العربيين بفضل ذلك الى ملهى ليلي ليله كنهار.. ولا داعي لتصوير المشهد! محمد الحمامصي، كاتب وصحفي مصري hamamsi@yahoo.com