هبوط حاد في قلب البيئة العالمية

بقلم: رجب سعد السيد
انهم يدمرون البيئة

سيل لا ينقطع من التقارير، ينعي إلينا تزايد عدد الأنواع من الكائنات الحية المعرّضة لخطر الانقراض؛ وجهود علمية لا تتوقف عن رصد مظاهر تدهور متسارع في عديد من الأنظمة البيئية والموارد الطبيعية؛ وهذه – وغيرها – علامات على "هبوط حاد" في قلب البيئة العالمية، وعلى انفلات زمام السيطرة على أحوال البيئة، الذي يغذيه عوامل كثيرة، منها الفساد الاقتصادي والإداري؛ والقرارات الفوقية، التي تتجاهل مشاركة المجتمعات المحلية، بما يمكن أن توفره لدعم هذه القرارات من معلومات وخبرات. إن القرارات البيئية السيئة، التي تصنع بمنأى عن مشاركة كافة الأطراف المعنية، وفي غياب عنصر الشفافية، ويقوم باتخاذها مسؤولون يتعالون على إمكانية أن يسائلهم أو يراجعهم أحد .. هذه القرارات هي السبب وراء الأضرار التي حاقت بالأنظمة البيئية العالمية؛ وهو أمر لم نعد نستطيع، نحن سكان هذا الكوكب المرهق، أن نستمر في مكابدته، حاليا، ولا مستقبلا، حيث أصبح العامل الحاكم للبيئة الكونية هو ما يصدره البشر من قرارات تدير شؤون هذه البيئة، وليس الظواهر والعمليات الطبيعية، من نحر وعواصف وزلازل وفيضانات.
لقد تعهدت 178 دولة، في قمة الأرض الأولى – ريو 1992 – بالعمل على تحقيق عدة مبادئ، كان الالتزام بها كفيلا بإصحاح بيئة الأرض من كل أسقامها .. تعهدت تلك الدول بأن يكون صون البيئة مكوّنا أساسيا عند إعداد خطط التنمية القومية واتخاذ القرارات التنفيذية لتلك الخطط؛ غير أن الواقع يحدثنا بأن ذلك لا يزال أملا بعيد المنال؛ فلا تزال الاعتبارات البيئية لا تجد لها مقعدا بالغرف المغلقة، التي تتخذ فيها القرارات المنظمة لأعمال التجارة والاستثمار. كما أن حكومات الدول الموقعة على إعلان ريو 92 كانت قد وافقت على أن تعمل بمبدأ اللامركزية، في إعداد وإصدار القرارات البيئية؛ غير أن الشواهد تقول بأنه – خلال عقد مضي من الزمن – لم يحدث، إلا في حالات نادرة، أن خوّلت الحكومات سلطة اتخاذ قرارات بيئية إلى السكان المحليين، وثيقي الصلة بالأنظمة البيئية، والعارفين بطبيعتها وأحوالها.
كذلك الأمر بالنسبة لمبدأ إتاحة المعلومات للعامة؛ وهو من المبادئ الأساسية في إعلان ريو دي جانيرو؛ ويعطي هذا المبدأ للمواطن العادي الحق في الاطلاع على المعلومات البيئية، ليشارك في اتخاذ القرار؛ كما يعطيه الحق في مقاضاة الجهات المسؤولة، من أجل تعديل القوانين والقرارات الصادرة. والجدير بالذكر، في هذا المجال، أن معهد موارد العالم – بالتعاون مع 24 جمعية أهلية، من مختلف أقاليم الأرض - كان قد أنشأ آلية خاصة، لمتابعة هذا المبدأ، أطلق عليها اسم "مبادرة حق الحصول على المعلومات"؛ وقد قام المشاركون في تلك المبادرة بتقصي مدى الاستجابة لذلك المبدأ، في السنوات العشر التالية لإقراره، فوجدوا أن الفجوة لا تزال كبيرة، بين تعهدات حكومات الدول المشاركة في ريو – 92، والواقع .. فلا يزال الناس، في معظم بلاد العالم، يجهلون ما تحمله مياه الشرب من مواد كيماوية، ولا يعرفون – تحديدا – ما تسببه لهم من مخاطر صحية؛ ولا يزال الناس، بمعظم بقاع الأرض، مغيبين عما يجري حولهم، في مجتمعاتهم الصغيرة؛ وهم قد يستيقظون في الصباح على أصوات البولدوزرات، تشق طريقا على بعد خطوات من حجرات نومهم؛ فإذا كانوا سعداء الحظ، فإن أخبار الطريق الجديد تكون قد وصلتهم متأخرة، بعد أن تكون خطط التنفيذ قد أعدّت؛ فإذا فكروا في اللجوء للقضاء، أملا في تغيير الوضع، فوجئوا بسلسلة من المعوقات، ليس أقلها تعقيدات إجراءات التقاضي وكلفتها العالية.
وفي استقصاء للرأي، حول ظروف إتاحة المعلومات البيئية للمهتمين بالشأن البيئي في العالم، تبين أن 40% من سكان العالم راضون تماما عن القدر المتوفر لديهم من معلومات عن القضايا البيئية المثارة في مجتمعاتهم، وعن الفرص التي تتاح لهم للمشاركة في صنع القرارات الخاصة بتلك القضايا؛ وأظهر الاستقصاء رغبة الـ 60%، غير الراضين عن الوضع الحالي، في أن تزداد قدرتهم على التأثير في قرارات التنمية الاقتصادية، وبصفة خاصة في البلدان الأفريقية والآسيوية النامية، وهي قرارات ذات تأثير كبير على صحة البيئة. والجدير بالذكر، أيضا، أن المنظمات الدولية المتعاونة في إصدار هذا التقرير (البنك الدولي – برنامج الأمم المتحدة الإنمائي – برنامج الأمم المتحدة البيئي – معهد موارد العالم- بالإضافة إلى الاتحاد الأوربي)، ودول: شيلي – المجر – إيطاليا – المكسيك – السويد – أوغندا – بريطانيا ؛ والاتحاد العالمي لصون الطبيعة، ومجموعات تمثل المجتمع المدني من مختلف أنحاء العالم، قد أنشأت – مجتمعة – آلية أخرى، تعرف باسم "المشاركة من أجل المبدأ العاشر"، بهدف مساعدة الحكومات على تحسين وتطوير سبل إتاحة المعلومات للمهتمين، من العامة، بقضايا بيئاتهم، وتسهيل إجراءات التقاضي، من أجل إصلاح الأوضاع البيئية، وتعديل القرارات المتصلة بالتنمية، والمؤثرة على أحوال الأنظمة البيئية.

إن الموضوعية تفرض علينا الاعتراف بأن انفلات زمام السيطرة البيئية من أيدي الحكومات ربما كان أمرا متوقعا، بالنظر إلى طبيعة أساليب الحكومات التقليدية في التعرض لمشاكل غير تقليدية، كمشاكل البيئة؛ وإلى طبيعة التحديات التي تواجه القائمين على الإدارات الحكومية للأنظمة البيئية؛ فليست كل الأنظمة متشابهة في قياساتها ومكوناتها؛ ويتطلب كل منها تعاملا خاصا، وخبرات متنوعة، قد لا تتوفر لتلك الإدارات، في كل الأوقات والأحوال.

ومن الصعوبات التي تضغط على الإدارات البيئية الحكومية، وتتحداها، التنوع في منتجات الأنظمة البيئية، من سلع وخدمات؛ والتباين في مصالح من يستغلونها، بما يمكن أن ينشأ عن ذلك كله من نزاعات وتعارض في المصالح. ونضيف، فيما يلي، بعض التحديات الأخرى :

1 – أن مصدر الأخطار المحدقة بالأنظمة البيئية، حاليا، مثل تدهور الموائل الطبيعية لعدد كبير من أنواع الكائنات الحية، هو أفعال وسلوكيات تراكمت على مدى عشرات السنين؛ الأمر الذي يحتاج لسياسات بيئية واعية، تبدأ بتحديد حجم هذه الأخطار.

2 – أن يتم الإصلاح البيئي دون إيقاف عمليات استغلال الأنظمة البيئية؛ فمعظم هذه الأنظمة قد اختل أو ضربه الوهن، بدرجة أو بأخرى، لكنه لا يزال تحت الاستغلال؛ فكيف نخفف من وطأة عمليات الاستغلال على هذه الأنظمة، لنسمح لبرامج وعمليات الإصلاح بالعمل، دون أن نحرم منها أولئك الذين يعتمدون عليها – كلية – في حياتهم ؟.

3 – أن على عمليات الإصحاح البيئي أن تتم في عالم يتبدل بسرعة شديدة؛ فالتدهور في الأنظمة البيئية متسارع؛ ومن ناحية أخرى، فثمة توجهات اقتصادية وسياسية وتكنولوجية مستحدثة، تعيد تشكيل علاقات البشر بالأنظمة البيئية (يحدث ذلك – غالبا – في الاتجاه نحو الأسوأ!) .. فقد استحدثت عوامل، كالعولمة، وفعاليات حركة التجارة العالمية، وتعاظم الاستثمارات العالمية؛ وقد عمّقت هذه العوامل تأثير الأنشطة البشرية على الأنظمة البيئية والموارد الطبيعية، حتى تجاوز هذا التأثير الحدود السياسية للدول؛ ثم إن التكنولوجيات المستحدثة قد جاءت لتزيد من قدرات البشر على استغلال تلك الموارد، لينفد بعضها أو يوشك، ويصيب الإجهاد معظمها.

إن عجز المؤسسات الحكومية عن إدارة الأنظمة البيئية والموارد الطبيعية، صونا لصحتها، وليس من أجل تعظيم العائد منها؛ وعن إيجاد توازن عادل بين الانتفاع بالموارد والكلفة الحقيقية للمنافع؛ وعجزها عن مواجهة الفساد الإداري والاقتصادي.. كل ذلك يؤكد أن الأداء الحكومي، فيما يخص السيطرة البيئية، كان يشوبه القصور، إلى حد كبير. وكان أشد المتأثرين بهذا القصور المجتمعات الفقيرة، التي تعتمد على الموارد الطبيعية اعتمادا كاملا؛ فأفرادها – في معظمهم – من الأجراء الذين لا يمتلكون حصصا في هذه الموارد، تعطيهم الحق في التدخل لإصلاح أحوالها، لصالحهم.

وفي المقابل، فإن إيجاد آليات متطورة وفعالة للسيطرة البيئية، ينعش الأمل في إصحاح الأنظمة البيئية وتحسين أحوالها …

لقد تعلقنا، في الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، بالعلم والتكنولوجيا، وأملنا في أن يقدما لنا حلولا لمشاكلنا البيئية؛ وفي الثمانينيات والتسعينيات، ركزنا على اقتصاديات البيئة، لعل العامل الاقتصادي يوفر حافزا أقوى لإدارة بيئية أفضل. وقد يكون العلم والتكنولوجيا أفادا في اختيار وسائل إدارة مناسبة؛ وقد يكون الاقتصاد ساعد في تعظيم الفوائد .. إلا أنه يبقى تحقيق عنصر العدالة؛ وهو لا يتأتى إلا إن أحكمنا سيطرتنا على أمور بيئاتنا. والعدالة عنصر مثير للجدل، ويرتبط ببعض التساؤلات، مثل :

= كيف تتحدد المسؤوليات، بين الدول الصناعية الكبيرة والدول النامية، إزاء قضية بحجم قضية الانبعاثات الغازية المسببة للتغيرات المناخية الكونية ؟

= ما هي الدرجة من الشفافية المطلوب توفرها في سياسات الطاقة القومية ؟

= كيف نوفق بين حق المواطن في التعرف على الأخطار التي يحتمل أن تتعرض لها أسرته من مصانع الكيماويات القريبة من موقع منزله، واعتبارات الأمن التي ترى أن نشر معلومات عن هذه المصانع، على الملأ، يجعلها متاحة – أيضا – لفرق الإرهاب ؟

إن التقرير الذي نعرض له الآن، وعنوانه "موارد العالم 2002 – 2004: قرارات لصالح الأرض – الاتزان، والرأي، والنفوذ"؛ والذي اشترك في إصداره المؤسسات العالمية التي سبق ذكرها، هو العاشر في سلسلة من التقارير، تصدر كل سنتين، وتعالج قضايا بيئية أساسية؛ وهو يعزز بعض الأفكار والتوصيات التي جاءت بها قمتا الأرض الأولى والثانية؛ ويمكن تلخيصه في كلمات قليلة بسيطة : إن الفوضى والتخبط يضربان معظم أنظمتنا البيئية وموارد العالم الطبيعية. هذه حقيقة يصعب إخفاؤها؛ وهذا معناه أننا نعاني ما يمكن تشخيصه – كما أسلفنا – بالهبوط في قلب البيئة العالمية، أو تسميته بـ "الفشل البيئي"؛ وهو مرض ناتج، في الغالب، من قرارات اتخذتها برامج التنمية القومية، كما سبق أن ألمحنا، دون الارتكان إلى قدر كاف من المعلومات، وفي غيبة الاستشارات السديدة، وبلا دعم من السكان المحليين. كما يؤكد التقرير على الحاجة الملحة لإجراء تغييرات من شأنها كبح جماح التدهور الواقع بأحوال البيئة بالعالم. وفي الاحتفال بإصدار هذا التقرير، اعترف كلاوس تويبفر، المدير التنفيذي لبرنامج الأمم المتحدة البيئي، بأن ثمة خللا في العمل البيئي، وقال : لقد خطونا خطوات كبيرة سريعة، وحققنا قدرا من النجاح في المزج بين مختلف قطاعات المجتمع، وبين أصحاب المصالح المتباينة؛ وجعلنا من إنقاذ الأرض قضية الجميع؛ وأصبحت الحكومات، ورجال الأعمال، والمجتمع المدني، بل والمواطن الفرد، أكثر وعيا بما هو مطلوب؛ وهم – جميعا – يؤدون ما عليهم. غير أن ما قمنا به لم يكن كافيا؛ وثمة ضرورة ملحة لمزيد من العمل المركز المشترك.

وهنا، تجدر الإشارة إلى أن الوضع الحالي للبيئة في العالم يفجر انتقادات حادة لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، الذي يتهمه بعض المراقبين بالتقصير في أدائه، وبأنه أصبح مثل اللاعب الاحتياطي، أو الهامشي، في نظام الأمم المتحدة، ويطالبون بإعادة بناء هذا البرنامج، وتحويله من برنامج تابع للمنظمة العالمية، إلى وكالة متخصصة مستقلة، تحمل اسم منظمة البيئة العالمية WEO، قادرة على مواجهة منظمة التجارة العالمية WTO، ببرامجها وفعالياتها التي تتجاهل الاعتبارات البيئية، أو – في أحسن الأحوال - لا تعطيها القدر المناسب من الاعتبار.

ويقوم تقرير موارد العالم 2002 – 2004 على ثلاثة محاور، هي:

1 – التعريف بمعنى السيطرة البيئية، أو إن شئت: التحكم البيئي، وصلتها بالتوجهات البيئية والأحوال الاجتماعية الحالية.
2 – اعطاء تصور واقعي لحالة السيطرة البيئية في مختلف بلدان العالم.
3 – الإعلام والترويج لفكرة أن الاهتمام بتحقيق سيطرة بيئية هو أحد المسارات المباشرة لإصلاح الفوضى الحاصلة في البيئة العالمية.

ويؤطّر التقرير معنى السيطرة البيئية بسبعة عناصر، نتعرض لكل منها بشيئ من التفصيل :

أولا : مؤسسات السيطرة البيئية، وتشمل: الوزارات – اللجان الإقليمية لمراقبة حدود التلوث – مجالس الحكم المحلي – المنظمات التجارية والصناعية – الكيانات الدولية، مثل الأمم المتحدة ومنظمة التجارة الدولية – القوانين المنظمة للشؤون البيئية والاقتصادية – المعاهدات – المحاكم والمجالس العدلية.

ثانيا : حقوق المشاركة والتمثيل للأطراف المعنية بالشأن البيئي. ويجيب هذا العنصر على تساؤل : ما هي الآليات التي يستطيع العامة من خلالها التدخل في وضع القواعد المنظمة لاستغلال الموارد الطبيعية، أو معارضتها ؟؛ ومن يملك حق تمثيل هؤلاء العامة ؟. إن ذلك يتطلب : وجود قوانين تضمن حرية تداول المعلومات – ضرورة عقد جلسات استماع عامة – مقابلات ومناظرات بين عامة الشعب والمسؤولين – السماح بفترة تجري فيها مناقشة أي خطط بيئية مرتقبة، قبل تنفيذها – تسهيل إجراءات التقاضي – انتخابات حرة لممثلي الفئات المعنية – ضرورة وجود منظمات أهلية تمثل السكان المحليين، أو أصحاب المصالح المتعارضة.

ثالثا : تحديد مستوى السلطة المناسب لاتخاذ القرار البيئي؛ وقد يتطلب الأمر أن يتخذ القرار على المستوى المحلي، إذا كان متصلا بجانب محدود من نظام بيئي كبير، أو بجزء من مورد طبيعي؛ أما إذا كان القرار حول نظام بيئي مترامي الأطراف، أو مورد طبيعي ضخم، فيتم تصعيد مستوى اتخاذ القرار ليكون قوميا، أو قد يلزم تخطي الحدود السياسية، ومشاركة أكثر من دولة في صنع القرار.

رابعا : الشفافية وحق مساءلة متخذي القرارات البيئية، على المستويين العام والخاص؛ ففي أوقات الأزمات والكوارث الطبيعية، على سبيل المثال، تثور تساؤلات، مثل : لماذا حدثت الكارثة ؟، ومن المسؤول عن تفاقمها وزيادة خسائرها ؟. إن "المسؤولية البيئية" خافية، لا تزال، عن معظم الناس؛ فهم لا يعرفون من المسؤول عن اتخاذ (أو عدم اتخاذ) القرارات المناسبة، فيما يخص تطوير واستغلال وإدارة الأنظمة البيئية. ويؤكد هذا التقرير على أن المساءلة ينبغي أن تتسع لتشمل القدرة على توقيع الجزاء على المتسبب في القصور البيئي.

خامسا : الحيازة وحقوق الملكية. وهذا عنصر هام جدا من عناصر السيطرة البيئية؛ فالملكية هي وسيلة الهيمنة على الأرض والموارد الطبيعية، إذ تعني بسط النفوذ على موارد المياه، والمناجم، والغابات، والمصايد .. الخ. والمالك هو المسيطر على منافذ الموقع الذي يمتلكه، وله الكلمة العليا في تحديد كيفية ومواعيد استغلاله. ومن جهة أخرى، فإن عدم استقرار الملكية، وانعدام التوافق بين الإدارة الحكومية والملاك، من سكان الأرض الأصليين، والتباين في توزيع هذه الملكية والحقوق المترتبة عليها، وافتقاد المساواة في هذا التوزيع، تمثل – كلها – مصادر محتملة للنزاعات بين مختلف الأطراف، كما أنها تؤدي إلى قرارات بيئية ضعيفة وغير صائبة.

وللملكية أربع صور :
- خاصة (المالك شخص مادي أو شخص اعتباري)
- ملكية مجموعة من الأفراد الماديين أو الاعتباريين
- ملكية الدولة، متمثلة في الحكومة
- الملكية المشاع؛ وهي ، في الحقيقة، ملك الدولة أو المجتمع، غير أنهما يعجزان عن فرض قواعد استغلالها، فتصبح متاحة لمن يملك القدرة على فرض سيطرته؛ وفي أغلب الحالات، فإن هذه الملكية تنهك الموارد الطبيعية، وتجور عليها، ولا تراعي مبدأ الاستدامة؛ والمثال على ذلك، مناطق الصيد العالمية، التي تتعرض لأنشطة الصيد المكثفة الضارة بالمخزون السمكي، إذ يرتادها الجميع، بلا نظام، وبلا ترشيد للصيد، فكانت النتيجة تعرض بعض المسامك الاقتصادية الهامة لخطر النضوب.

إن ضمان أو تأمين الملكية مسألة مهمة وضرورية لأي إنسان يعتمد في معيشته على الأرض، أو على حقوق استغلال مورد طبيعي؛ ويتحقق ذلك الضمان بالاعتراف الرسمي بتلك الحيازة، من قبل الهيئات الإدارية الاعتيادية، أو بموجب حكم قانوني. ومن جهة أخرى، فإن ضمان الحيازة يعد مسألة فارقة بين الاستغلال الجيد والاستغلال السيئ للأرض أو المورد الطبيعي؛ وبدون تأكيد الحيازة، أو الافتقاد لحقوق الاستغلال، يعيش السكان المحليون مهددين بالطرد من الأرض، أو بالإقصاء عن موقع المورد الذي يعيشون منه، في أي لحظة؛ ويكون مردود ذلك سيئا، إذ لا يكون عندهم أي حافز يدعوهم لصيانة الأرض، أو لتطوير المورد الطبيعي. وعلى سبيل المثال، ففي جزيرة سومطرة نوعان من حيازة مساحات من غابات أشجار المطاط: مؤقتة، ودائمة. فأما الحائزون المؤقتون، فإنهم يستنزفون الأشجار، فهم لا يأملون في استمرار ملكيتهم لحقوق استغلالها؛ وأما الدائمون، فيكون حرصهم على حماية الأشجار، لتبقى بحالة جيدة، فهي تحت أيديهم، وفي حيازتهم الآن، ولأبنائهم من بعدهم.

سادسا : أن المعاملات التجارية، والسياسات الاقتصادية، وسلوكيات السوق، مسائل مؤثرة في إدارة الموارد الطبيعية.

سابعا : ضرورة أن تتلاحم العلوم البيئية والاجتماعية في آليات صنع القرارات المتصلة بالموارد الطبيعية وأساليب استغلالها، وذلك للتقليل من المخاطر التي قد يتعرض لها الناس والأنظمة البيئية.

إن اصطلاح "السيطرة البيئية" قد لا يكون شائعا، ولا مألوفا، بالرغم من أننا نعاينه، في أحداث يومية، بكثير من أنحاء العالم، عندما نراه معكوسا على صور المشاكل والنزاعات المحلية والإقليمية والعالمية :

- نازحون تجبرهم السلطات على هجر أراضيهم لبناء سد.
- الكنديون والأمريكيون في خلاف حول حدود صيد أسماك السالمون بالمحيط الهادي.
- أوربا وأمريكا تختلفان حول الأغذية المعدلة وراثيا.
- خلافات صنعتها وعمقتها السياسة، حول بروتوكول كيوتو، وإجراءات خفض الاحترار الكوني.

فظهور مثل هذه المشاكل يعني الافتقاد للسيطرة البيئية، نتيجة لقرارات بيئية غير حكيمة، اتخذها الساسة في الخفاء، دون اعتبار للرأي العام، وتجاوزا للمبادئ والعدالة.

إن السيطرة البيئية تتجاوز العمل الحكومي الرسمي، بمستوياته الديبلوماسية والتنظيمية والإدارية؛ ويندرج تحتها أنشطة المنظمات غير الحكومية، وجماعات المجتمع المدني، كما تتسع لتشمل الأفراد القادرين على التأثير في الرأي العام، وتوجيه سلوكيات الاستهلاك.

بقيت ملاحظة، يجب أن ألفت نظر القارئ إليها، وهي أن معظم الأفكار الواردة بهذا التقرير قد سبق أن تضمنتها تقارير وإصدارات أخرى للبنك الدولي، مثل تقرير التنمية في العالم – WDR ، الصادر هذا العام، وعنوانه "تنمية مستدامة بعالم متغير "؛ وكذلك الإصدار ( تخضير الصناعة – مبادئ جديدة للمجتمعات والأسواق والحكومات )، الذي ظهر بالعام 2000؛ ثم الإصدار المعنون ( إعداد مجتمعات مستدامة ) الصادر بالعام 2001. ففي تقرير التنمية، يرد تأكيد على أن السياسات السيئة، وفقدان السيطرة، في العقود القليلة الماضية، أديا إلى كوارث بيئية، وإلى تفاوتات فادحة في الدخول، بالإضافة إلى هزات اجتماعية عصفت ببعض بلدان العالم؛ مما يستدعي تركيزا أكبر على خطط حماية الثروات الطبيعية والقدرات الاجتماعية، ويتطلب عقد تحالفات جديدة، على المستويات المحلية والقومية والعالمية، لتحديد طبيعة هذه المشاكل ومواجهتها.

وجاء بذلك التقرير، أيضا، تأكيد على ضرورة أن تعمل حكومات العالم النامي على أن توفر لمشروعاتها وخططها الشفافية، وأن ترحب بالمساءلة والاستجواب حولها، وعلى تأمين حق المعدمين في حيازة الأرض، وأن توفر الخدمات التعليمية والصحية. كما يوصي إصدار البنك الدولي عن تخضير الصناعة بأهمية تقوية الرأي العام بإمداد العامة بالمعلومات، كوسيلة لمكافحة التلوث.

نفس الأفكار والأطروحات التي طالعناها بتقرير موارد العالم 2002 - 2004، وربما بالكلمات ذاتها؛ فإذا أضفنا إلى ذلك أن البنك الدولي، صاحب كل هذه الإصدارات، مشارك رئيسي في إصدار هذا التقرير، فإنه يحق لنا أن نتساءل: لماذا التكرار وإهدار الجهد والوقت والمال؟

ثم إنني – أخيرا – تقتضي مني أمانة العرض أن أشير – آسفا – إلى أنني لم أسعد بقراءة هذا التقرير، إذ ينتظمه السرد المولد للملل، وتغلب عليه الصيغة الإنشائية، ويتسرب إليك، وأنت تقرأه، إحساس بأن من وضعوه كانوا يعملون بتثاقل شديد، تحدوهم الرغبة في التخلص من هذه المهمة الثقيلة !. والمفترض في هذا التقرير أنه "تحريضي"، يحفز عامة الناس على المطالبة بحقهم في إدارة شؤون بيئاتهم وإصلاح أوضاعها؛ فكيف يتحقق ذلك إن لم يجتذب البسطاء، ويمكنهم من قراءته بسهولة ؟
لا عجب، والحال هكذا، أن تستمر أوجاع البيئة العالمية؛ فالتفاهم غير مكتمل! رجب سعد السيد