نوبة دوت كوم: مسرحية تناقش الخصوصية الثقافية في عصر العولمة

القاهرة - من رياض ابو عواد
لوحة نوبية تعبر عن الاجواء قي القرية

توقفت جميع العروض المسرحية خلال شهر رمضان، حيث تكثر الامسيات الفنية والموسيقية والثقافية، باستثناء مسرحية واحدة عنوانها "نوبة دوت كوم" تتطرق الى اشكالية الحفاظ على الوطن والهوية والخصوصية الثقافية في عصر العولمة.
ويستقطب العرض الذي بدا الاسبوع الحالي على مسرح الهناجر في دار الاوبرا، ومدته 120 دقيقة، جمهورا غالبيته من ابناء منطقة النوبة (جنوب مصر) المقيمين في القاهرة.
والمسرحية للمخرج ناصر عبد المنعم واعداد الكاتب حازم شحاتة الذي استند الى ثلاث روايات للكاتب النوبي ادريس علي هي "دنقلة" و"النوبي" و"اللعب فوق جبال النوبة" وتتمحور حول فكرة البحث عن الوطن من خلال شخصيات تتمسك بهويتها وترفض ذوبان ثقافتها.
يشار الى ان مياه السد العالي غمرت منطقة النوبة، جنوب اسوان، ابان الستينات وانتقل اهلها الى منطقة اخرى بعيدا عن ضفاف نهر النيل.
يبدا العرض باحتفال كرنفالي راقص ينطلق من الساحة الملحقة بالمسرح تجاه القاعة فيتحلق الجمهور حول اعضاء الفرقة الذين ينشدون اغنية باللهجة النوبية تعبر عن الحنين الى "الوطن النوبي".
ويلعب الحنين الى الماضي دورا كبيرا في الخط الدرامي للمسرحية مع قيام البطل عوض شلالي بانشاء موقع للنوبة على شبكة الانترنت مسترجعا فترة طفولته وشبابه هناك وموقفه المؤيد لتشييد السد العالي وتعرضه للاهانات من جانب الاجهزة الامنية.
ويستعرض كذلك هجرته الى السودان سعيا وراء تأسيس وطن نوبي موحد يجمع الجزء المصري بالسوداني والعقبات التي تعترض ذلك مرورا بهجرته الى الغرب حيث يعمل نادلا فوق سطح احدى السفن العالمة بين موانئ البحر الابيض المتوسط.
وقال شحاتة ان المسرحية "تثير اسئلة كثيرة ملتبسة دائما حول الهوية الثقافية ومعنى الوطن والتراث والقومية والعولمة وكيف يمكن لثقافة فرعية ان تتعامل مع ثقافة اكبر منها".
فالبطل (عوض ) نوبي يعتقد ان من حقه ان يكون له دولة نوبية موحدة، وفي المقابل نجد سيمون التي يلتقيها في السفينة، حيث يعمل، تحمل ثلاث جنسيات مصرية وفرنسية وبريطانية.
وتنقل شخصية سيمون الصراع الى مستوى اخر، فهي تدعو الى التخلي تماما عن الماضي والنظر الى المستقبل فقط مع ما يعنيه ذلك من هدم لافكار مستقرة حول خصوصية التراث والثقافة والهوية.
كما تعبر الشخصيات التي ارتبطت بعوض عن هذا الصراع وخصوصا غادة، وهي ابنة رجل نوبي متزوج من امرأة من القاهرة يرسلها والدها الى النوبة بغية منعها من الزواج من شاب غير نوبي لكنها لا تتكيف مع الحياة هناك حيث تصطدم بالثقافة المحلية.
وفي المقابل، يرفض جدها العيش في القرى الجديدة البديلة التي شيدت في منطقة صحراوية بعيدة عن نهر النيل مخصصة للنوبيين فيموت "كما مات كثيرون من كبار السن نتيجة ذلك" حسب شحاتة.
واستخدم المخرج عمق المسرح ليجعل من وسطه نهرا ومن ضفته الغربية معبدا فرعونيا بهدف اظهار البعد الزمني فحين يقوم بطل المسرحية بتذكر ماضيه في مقدمة المسرح يظهر بعدين للزمن احدهما قريب، في وسط المسرح، بينما تحتل احداث البعد الاخر عمقه.
والعمل هو الثاني الذي يجمع بين المخرج والكاتب بعد مسرحية "ناس النهر" التي استندت الى رواية للكاتب النوبي حسن ادول حملت الاسم ذاته قبل عامين. وتميز الاخراج في كلتا المسرحيتين بالارتكاز على الفولكلور كنموذج للثقافة التراثية النوبية وتعبيرا عن الهوية التي تقاوم عملية تذويبها في الثقافة الاوسع.