في مصر، موائد الرحمن تعطي نكهة مميزة لرمضان

القاهرة - من محمد جمال عرفه
عادة مصرية قديمة

يأتي رمضان ويذهب ولا ينقطع عطاء أهل الخير في مصر على موائد الرحمن، التي تنتشر في كل حي وشارع وزقاق، وتضيق الحالة الاقتصادية أو تنفرج، ولا تتوقف هذه الموائد الرمضانية عن إطعام الفقراء والمساكين وعابري السبيل وحتى السياح الأجانب والباعة الصينيين الذين يملأون شوارع القاهرة.
والجديد في رمضان هذا العام، اتساع ظاهرة توصيل الطعام إلى المنازل من موائد الرحمن في عدد كبير من الجمعيات الخيرية الإسلامية، وبأعداد كبيرة تصل إلى 10 آلاف وجبة من جمعية (رسالة)، و8000 وجبة من جمعية مسجد مصطفى محمود، وغيرها من عشرات الجمعيات.
حيث بدأ بعض منظمو موائد الرحمن في مصر سُنة جديدة تتمثل في توصيل الطلبات للمنازل لغير القادرين أو توصيل الإفطار لفئات معينة مثل الأسر الفقيرة غير القادرة على الانتقال للموائد، أو التي تتعفف عن السؤال أو حتى موظفي الحراسات أو مجندي الشرطة العاملين في المرور مع جواز إرسال أكثر من وجبة.
وقد بدأت هذا التقليد بعض الجمعيات الخيرية وانتقل منها إلى موائد الفنانين ورجال الأعمال، واعتبره الكثيرون تقليدا محمودا، خصوصا أن الكثير من الأسر الفقيرة تتحرج من الجلوس على موائد الإفطار في الشوارع رغم أن مرتاديها ليسوا من الفقراء فقط، فهناك المغتربون عن بلادهم والعمال الذين لا تسمح ظروفهم بالعودة للإفطار في منازلهم، وهناك من لا يلحقون بموعد الإفطار في منازلهم فينزلون من السيارات أو الأتوبيسات لتناول الإفطار.
والأطرف أن بعض السائحين الأجانب وخصوصا من آسيا والصين تحديدا يشاركون في هذه الموائد الرمضانية ويجلسون لتناول الطعام مع الصائمين كنوع من التجربة، وإن كان البعض يحضرها بشكل منتظم خصوصا طلبة الدول الآسيوية الإسلامية الدارسون في مصر.
وقد بدأت الجمعيات الخيرية الإسلامية في مصر تنوع نشاطها فيما يتعلق بإفطار الصائمين ولا تقتصر على توصيل الوجبات الساخنة الجاهزة، ولكن أيضا توصيل أطعمه جافة في كيس مخصوص يجري توزيعه على القادرين بحيث يحضر مندوبو هذه الجمعيات إلى مقر المتبرع لأخذ الكيس بعد ملئه بالطعام المراد توصيله للفقراء والمساكين.
فعلي سبيل المثال قامت جمعية (رسالة) التي تقع مقراتها في منطقتي الهرم والمهندسين بإعداد 10 آلاف كيس كبير مطبوع عليها عبارة (إملاء الكيس بأي أطعمه جافة مثل: – أرز – مكرونة – زيت - بلح.. وأكسب معنا ثواب إفطار صائم)، حيث تؤكد الجمعية أن كل ما على المتبرع أن يقوم به هو الاتصال بمندوب الجمعية على أرقام هواتف مبينة على الكيس كي يقوم بجمع الأكياس الممتلئة بالطعام من المتبرعين لإعادة توصيلها إلى المحتاجين.
وهناك أيضا جمعية "فاتحة خير" الخيرية التي تقوم للعام الثالث على التوالي بتوزيع وجبات إفطار على شكل "صناديق تموينية" تحتوي على العديد من السلع الغذائية الأساسية مثل الأرز، والمكرونة والزيت والسكر والشاي واللبن والسمن والفاصوليا والعدس.
وتجمع الجمعية التبرعات من الأطعمة التي تصل إليها لشراء صناديق تموينية، ثم تقوم بتوزيعها بناء على أبحاث اجتماعية تنفذها لاختيار أكثر الأشخاص احتياجا إلى هذه الوجبات من بين المتقدمين إلى الجمعية والمسجلة أسماؤهم، حيث يقوم أحد المتطوعين بزيارة الأسر المرشحة للحصول على الوجبات وعمل بحث اجتماعي عن حالتها وعدد أفرادها ومدى احتياجهم. وبناء على ذلك تقوم الشاحنات التابعة للجمعية بالمرور على من يقع عليهم الاختيار، ويتم توزيع هذه الوجبات بشكل يومي.
والطريف أن بعض الجمعيات بدأت أيضا تستفيد من كل الخدمات التكنولوجية الحديثة خصوصا الإنترنت عبر استئجار خدمة إنترنت مجاني ليدخل عليها من يريد التبرع وتستفيد الجمعية من عائد الخدمة المالي في خدمة الفقراء، حيث تحدد كل جمعية رقم الإنترنت المجاني وتنشره على نطاق واسع وأحيانا عبر إعلانات التلفزيون من أجل حث أهل الخير على استخدام هذا الرقم الخيري للدخول علي الإنترنت كي يكسبوا ثوابا.
ومن أشهر الجمعيات التي استخدمت وسيلة التبرع الإلكتروني، من خلال استخدام ما يسمى "إنترنت الخير" جمعية بناء مستشفي سرطان الأطفال الجديد في مصر ومعهد الأورام، وجمعية رعاية الأيتام والأرامل حيث تم إنشاء موقع باسم المشروع، بحيث يتبرع من خلاله المتبرعون.
ولا تقتصر موائد الرحمن على أهل الخير فرداى، ولكن بنك ناصر الاجتماعي التابع للحكومة المصري يقوم بدوره منذ عام 1967 بالإشراف على المئات من موائد الرحمن في العديد من المساجد والأحياء حيث يتم الصرف عليها من أموال الزكاة.
ولا توجد إحصاءات محددة بمقدار ما ينفقه المصريون علي موائد الرحمن ولا التبرعات التي تجري جمعها للخير في رمضان، ولكن المؤشرات التي تنشر تشير إلى دخول هذه الأرقام دائرة ملايين الدولارات.
فعلى سبيل المثال تقدر لجنة الفتوى بالأزهر الشريف ما ينفقه القائمون على موائد الرحمن خلال شهر رمضان في العاصمة المصرية (القاهرة) وحدها إلى مليار جنيه مصري، ويبلغ عدد منظمي موائد الرحمن ما يقرب من 10 آلاف شخص، كما تقدر دراسات أخري ما يجري إنفاقه في بقية المحافظات المصرية على موائد الرحمن بما يتراوح بين مليون ومليوني جنيه مصري.
أيضا نجح مشروع بناء مستشفى أطفال السرطان في إنهاء بناء الهيكل الخرساني الذي تبلغ تكلفته ملايين الدولارات بفضل التبرعات التي يقال أنها بلغت 15 مليون دولار في ثلاثة سنوات.
يختلف أساتذة التاريخ في مصر حول البداية الحقيقة لهذه الظاهرة الإيجابية في مصر والتي تغني الكثير من الفقراء وعابري السبيل عن البحث عن الطعام، إلا أن الكثيرين منهم يؤكد أن الخليفة المعز لدين الله الفاطمي كان أول من وضع تقليد الإكثار من المآدب الخيرية في عهد الدولة الفاطمية، وهو أول من أقام مائدة في شهر رمضان يفطر عليها أهل جامع "عمرو بن العاص" وكان يخرج من قصره 1100 قدر من جميع ألوان الطعام لتوزع على الفقراء.
ولكن آخرون يرجعون بداية الموائد إلى عهد أحمد بن طولون مؤسس الدولة الطولونية الذي أقام أول حفل إفطار جماعي أستمر فيما بعد في شهر رمضان من كل عام.
حيث يقال إن الأمير أحمد بن طولون مؤسس الدولة الطولونية في مصر هو أول من أقام مائدة الرحمن في مصر في السنة الرابعة لولايته حيث جمع القواد والتجار والأعيان على مائدة حافلة في أول أيام رمضان وخطب فيهم «إنني لم أجمعكم حول هذه الأسمطة إلا لأعلمكم طريق البر بالناس، وأنا أعلم أنكم لستم في حاجة إلى ما أعده لكم من طعام وشراب، ولكنني وجدتكم قد أغفلتم ما أحببت أن تفهموه من واجب البر عليكم في رمضان، ولذلك فإنني آمركم أن تفتحوا بيوتكم وتمدوا موائدكم وتهيئوها بأحسن ما ترغبونه لأنفسكم فيتذوقها الفقير المحروم»، وأخبرهم ابن طولون أن هذه المائدة ستستمر طوال أيام الشهر الكريم.
وكان الفاطميون يعدون الموائد تحت اسم «دار الفطرة» وكانت تقام بطول 175 مترا وعرض أربعة أمتار.
ومن أشهر أصحاب الموائد في تلك الفترة كان الأمير ابن الضرات المولود بحي شبرا بالقاهرة حيث كانت له أراض واسعة تدر عليه مليوني دينار سنويا، وكان ينفقها في رمضان، حيث يعد موائد بطول 500 متر ويجلس على رأسها وأمامه 30 ملعقة من البلور يأكل بكل ملعقة مرة واحدة ثم يلقي بها ويستخدم غيرها.
وفي العصر الحديث، منذ عام 1967، تولى بنك ناصر الاجتماعي الإشراف على موائد الرحمن بشكلها الحالي من أموال الزكاة، وكان أشهر تلك الموائد المائدة التي تقام بجوار الجامع الأزهر والتي يفطر عليها أربعة آلاف صائم يوميا، وبعد ذلك بعشرة أعوام بدأت مشاركات الوزراء ورجال الأعمال ورؤساء الجامعات في إقامة موائد الرحمن.
ولعل أشهر تلك الموائد هي المائدة التي يقيمها سنويا الدكتور فتحي سرور رئيس مجلس الشعب المصري في حي السيدة زينب، حيث مقر دائرته الانتخابية، وتتميز بتواجد العديد من المندوبين عن المائدة يحملون أكواب البلح وقمر الدين قبل الإفطار.
وقد أثار دخول الفنانات ساحة المنافسة في إقامة موائد الرحمن خلال الأعوام السابقة جدلا عنيفا بين رجال الدين الذين انقسموا بين مؤيدين ومعارضين لمثل هذه الموائد، فبعض الشيوخ أفتوا بعدم جواز الإفطار على موائد الفنانات استنادا إلى قوله صلى الله عليه وسلم «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا»، ولأن مصدر أموال هؤلاء الفنانات هو من إظهار مفاتن الجسد، إلا أن دار الإفتاء المصرية في عهد بعض الشيوخ أعلنت أن موائد الرحمن من باب البر أياً كان مصدرها، فلماذا نمنع الفنانات من إقامتها ابتغاء مرضاة الله، رغم أن مفتي مصر الأسبق نصر فريد واصل حرم موائد الراقصات.
ولم تعد موائد الإفطار الرمضانية تقتصر على الشكل التقليدي في المساجد أو الشوارع المصرية أو الأندية، ولكنها أصبحت فرصة للقوي السياسية المختلفة أو أصحاب المهن الواحدة أو رجال الأعمال والفنانين للتنافس علي فعل الخير وربما الشهرة كما يقول بعض المصريين.
واشهر هذه الموائد السياسية تلك التي تقيمها الحكومة بين أعضاء الوزارات المختلفة والأخرى التي يقيمها الإخوان المسلمون في مصر ويدعون لها كافة ألوان الطيف السياسي وتتحول إلى ندوة يتبادل فيها الجميع الرأي حول أحداث الساعة، وكذلك المائدة التي يقيمها بابا أقباط مصر شنوده سنويا في مقر الكاتدرائية المرقصية بمنطقة العباسية بالقاهرة ويحضرها كافة رجال الدولة المصرية حكوميين وغير حكوميين ويحضرها كبار علماء الإسلام مثل شيخ الأزهر ومفتي مصر.
وبجوار هذه الموائد هناك عشرات الموائد الأخرى الشهيرة التي يقيمها وجهاء أقباط أو مسلمون وتكون فرصة لاجتذاب المشاهير في عالم الكتابة أو لفن أو المال ومنها مائدة الدكتور ميلاد حنا أحد أشهر السياسيين الأقباط والتي حضرها هذا العام عدد كبير من المشاهير مثل الكاتب محمد حسنين هيكل والممثل الكوميدي عادل إمام وحسن أبو باشا وزير الداخلية الأسبق وحشد من الكتاب ورجال الأعمال، وكذلك موائد رجال الأعمال المشهورين مثل أحمد عز ومحمد فريد خميس رئيس لجنة الصناعة بمجلس الشورى وموائد محمد أبو العينين والحاج حسين مجاور بالمهندسين وغالبا ما يقدم طعامها عبر الفنادق الكبرى ويقدم طعام خمس نجوم.
وغالبا ما يحرص منظمو الموائد الرمضانية سواء المسلمون أو المسيحيون علي بعض اللوازم المرتبطة برمضان في مصر مثل سماع القرآن الكريم بصوت الشيخ محمد رفعت أو تواشيح الشيخ النقشبندي، ويدور النقاش في مختلف المسائل بديمقراطية غير محدودة.(قدس برس)