شعراء مصر يقولون: مَدَد يا فرات

متابعة: أحمد فضل شبلول
كان يأملون أن تحرك قصائدهم المدافع العربية

مجموعة من الشعراء المصريين، أصدروا على نفقتهم الخاصة ديوانا شعريا بعنوان "مدد يا فرات"، نشروا فيه قصائدهم ومواجعهم، وأناتهم الحائرة، إزاء ما يحدث على الأراضي العراقية الشقيقة من فتك ودمار وخراب بحجة تحرير العراق. وأهدوا هذا الديوان "إلى شعب العراق الصامد حتى ينتصر ويرد المعتدين مدحورين عن أرضنا".
إنهم تسعة وأربعون شاعرا يمثلون مختلف الأجيال المبدعة، ومختلف المستويات الفنية، أطلقوا ثلاثا وخمسين قذيفة من شعر الفصحى والعامية، إلى قلوب أعداء العروبة الذين يكيدون لها على مدى التاريخ حسدا وحقدا وعدوانا واحتلالا، وهي تعيش دائما على خطة المواجهة مع الغزاة، وتنتصر دائما رغم كل الهزائم، كما يقول الشاعر د. يسري العزب في تقديمه لهذا الديوان.
يقول الشاعر محمد التهامي: بغداد .. إن فاضت ببابك دمعتي
لا ترحمي ضعفي ولا تتلفتي
سيري إلى الأحداث شامخةَ الخطى
فوق اضطراب الحزن فوق المحنةِ
أما أنا فدعي الشجون لخاطري
ودعي العذابَ المرَّ يتلف مهجتي
فلقد أتيتك لا أقول مواسيا
لكن لأنشد في صمودك سلوتي
فوجدتُ عندك ما اشتهيت تجلدا
حين الجبال تململتْ في الوقفةِ
لقد كتبت قصائد هذا الديوان كلها آن العدوان الأمريكي البريطاني الصهيوني الآثم على العراق، وأذاعها مبدعوها في كل المنتديات الأدبية في مصر منذ بدأ هذا العدوان الغاشم وحتى سقوط بغداد في أبريل 2003. كان يأملون أن تحرك قصائدهم المدافع العربية ضد الغزاة قبل سقوط منارة الدنيا بغداد.
يقول الشاعر محمد محمد الشهاوي معاتبا الحكام العرب: "بغداد"، "أندلس" أخرى تضيعها
أيديكم .. والغباءُ / العارُ والوسنُ
من أنتم أنتم؟ خُشُبٌ مسنَّدَةٌ؟
أعجازُ نخلٍ؟ هباءٌ؟ لعنةٌ؟ عفنُ
إن "الفرنجةَ" قومٌ لا أمان لهم
فكيف خانتكم الأفهامُ والفطنُ
هم الذئابُ، وما ذئبٌ لكم بأخٍ
قالتْ بهذا لنا الأحداثُ والمحنُ
لقد طالبت قصائد هؤلاء الشعراء ـ وغيرهم الكثير ـ بالمدد للفرات، فلم تستجب القلوب الباردة، ولم تع العقول الجامدة، ولم يدركوا الفرات بالمدد المنشود.
يقول الشاعر د. حسن فتح الباب في قصيدته "السياب يعود إلى بغداد": بغدادُ يا منارة (الرشيد)
من تحت كل نخلة
يولدُ شاعرٌ حكيم
(المتنبي) العبقري العليّ
(أبو نواس) الألمعيّ
وشاعرٌ الوجدِ (الرضيّ)
يا حسرتا أن توأدَ الأطيار والأزهار
وتنضب الأنهار
أن تُسمم الآبار
يا ويلتا أن يُصلب المسيح مرتين
في القدس .. في بغداد
على محارق الخليج
ويصرخ (السياب)
كم من شريد أو شهيد في العراق
ويلاه يا بغداد
ويلاه يا بغداد
غير أن الشعراء ما زالوا مؤمنين بحق وطنهم في الحرية والاستقلال والسيادة على كل الأرض العربية، وسيبقى إيمانهم بعدالة القضية العربية دافعا إلى تحقيق هذا الهدف حتى يتحقق، وتعود العراق ـ كما تعود فلسطين ـ إلى الحضن العربي حين يتطهر من كل ما يشوبه من أدران، كما جاء في مقدمة الكتاب.
في شعر العامية المصرية يقول صلاح فتح الباب في قصيدته "الولاية": عصر العبادة انتهى بالقوة في بلادنا
ما عادش يلزم لنا .. لا صليب ولا مدنة
بوش ابن بوش الغبي أحدث نبي موجود
صلوا عليه واسجدوا لاحسن يشردنا
صلوا عليه واتقوا غارة ورا غارة
لاحسن يبيد القرى في بلادنا بإشارة
يقدر يذل البشر مسلم وغير مسلم
والرزق بيحدفوا من فوق طيارة
لقد منحت دار الأدباء بالقاهرة اسمها لهذا الديوان، دلالة على أن ما جاء به ـ على تواضع مستوى بعض القصائد ـ يعبر عن جموع الأدباء المصريين، على الرغم من أن أكثر الشعراء من خارج القاهرة، لم ينشروا فيه قصائدهم الحارقة التي انطلقت، لتواكب أحداث الأمة العربية، وتحاول أن تمسح جراحها، وتستنهض هممها، وما أفعال المقاومة العراقية في الآونة الأخيرة إلا استجابة لروح الأمة العربية التي لن تموت أبدا، مهما تعثرت في طريقها، فإذا كان الحكام العرب، يهادنون الآلة الغربية بكل وحشيتها، فإن الشعوب العربية لا تعرف المهادنة، ولا تعرف الصلح مع الأعداء، وتشهد بذلك المظاهرات التي تخرج بين الحين والحين، لتعبر عن رأيها بكل صراحة ووضوح.
تحية لكل من شارك في ديوان "مدد يا فرات" الذي احتوى على 144 صفحة، تحية لشعراء الفصحى: محمد التهامي، محمد محمد الشهاوي، حسن فتح الباب، كمال نشأت، عبد المنعم عواد يوسف، محمد يونس، الورداني ناصف، عبد الحسيب الخناني، جلال عابدين، محمد رشاد حسن، عمر غراب، محمد حسن داود، ياسر أنور، حاتم عبد الحميد، زينب علام، ناصر صلاح، أحمد رشدي محمد، هشام مصطفى، محمود حجاج، سيد علي أحمد، شرقاوي حافظ، رفعت المرصفي، السيد جلال، عبد العليم إسماعيل، سعد البنا، محمد عبد العزيز عطا.
وتحية لشعراء العامية المصرية: يسري العزب، على شيحة، محمد صابر مرسي، خميس عطية، صلاح فتح الباب، على محسب، حسن خضر، عبد التواب قطب، محمد علي الشاذلي، فتحي الشاعر، محمد أمين شاهين، إسلام حمدي، أشرف عبد المنعم، سعيد صابر، نبيل أبو السعود، محمد الملواني، عادل السيد، محمود بطوش، عبد الباسط خميس، على درويش، سعد صقر، محمد عيد.
ونأمل أن نرى جزءا ثانيا لمدد يا فرات، لأنه من الصعب جمع كل ما قاله الشعراء المصريون في تلك الأزمة في ديوان واحد، فهناك مئات الشعراء الذين قالوا وهتفوا وكتبوا وصاياهم ورؤاهم وغنوا آلامهم وسطروا أحزانهم، آمل أن تتاح لهم فرصة نشر ما كتبوه في ديوان مماثل لديوان "ممدد يا فرات" الذي صدر عن دار الأدباء بالقاهرة بنقود الشعراء أنفسهم، فاستحقوا أن ينالوا ثوابين، ثواب الكتابة، وثواب اقتطاع جزء من ميزانية أسرهم، ومن أقوات عيالهم، لينشروا هذا الديوان على الناس. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية