د. اشرف بيومي: احتلال العراق اولى خطوات الاستراتيجية الاميركية الجديدة

لندن
بيومي: ضرورة بلورة حركة عالمية مناهضة للعولمة

استاذ الكيمياء الطبيعية السابق في كل من جامعتي ولاية ميتشجان بالولايات المتحدة وجامعة الاسكندرية في مصر، الدكتور اشرف بيومي اصبح واحدا من ابرز العناصر العاملة في الحقل العام العربي ومجال حقوق الانسان.
التقيناه في العاصمة البريطانية، وكان لنا معه هذا الحوار. ارتبط اسمك في الفترة الاخيرة قبل الاجتياح الامريكي للعراق ببرنامج هيئة الامم المتحدة المعروف باسم "النفط مقابل الغذاء"، و بناء على ذلك عملت فترة من الوقت في العراق، وكانت لك العديد من الملاحظات والتحفظات دفعتك الى الاستقالة. هل لك ان تحدثنا عن تجربتك هناك، ورؤيتك لهذا البرنامج من واقع معايشتك؟ بعد تركي للعمل في مجال التدريس في الجامعات، تم طلبي للذهاب للعراق كرئيس فريق الملاحظين حسب ما يقتضيه برنامج هيئة الامم المتحدة.
كيف تم اختيارك؟ عن طريق احد الاصدقاء فى برنامج "النفط مقابل الغذاء" الذي كان يعرف نشاطي في مجال حقوق الانسان. وقد ترددت في البداية لسببين: الاول ان هذا العمل بعيد عن نشاطى الاكاديمي، والثاني لانني اعتبر وجود مثل هذا البرنامج يعد انتقاصا لسيادة العراق، ولكني ذهبت في النهاية على اساس التجربة، فلعلي اكون قادرا على تقديم خدمة حقيقية، وكنت على قناعة ان اترك العمل فورا اذا وجدت ان ذلك ضرورة. وبعد فترة وجيزة من العمل ايقنت ان وجودي يمثل اهمية كبيرة، خصوصا بعد ان شعرت، وللوهلة الاولى ان هناك عددا من البريطانيين تحديدا متربصين بالعراق، ومتحفزين لاثبات ان الحكومة العراقية تضع العقبات فى عملية التنفيذ، او انها تستغل البرنامج لحسابها، دون ان يكون هناك سند لديهم، وعلى الاخص ان البرنامج كان فى ايامه الاولى. كانت مهمتنا التحقق من عدالة وكفاءة التوزيع، وايضا كفاية المواد الغذائية التى تشملها الحصة التموينية، واعتمدنا على المسح الميداني كوسيلة لبلوغ هذه الاهداف تحت الشروط الصارمة التى حددتها هيئة الامم المتحدة، وكان يعاونني فريق دولي تحت اشرافي وكذلك مساعدين عراقيين اخترتهم بنفسي. ما هو مدى تعاون الحكومة العراقية فى ذلك الوقت؟ لقد شعرت بسعادة غامرة عندما تبين ان الحكومة العراقية حينذاك جادة جدا فى توزيع الحصة التموينية بكفاءة ممتازة وبعدالة ملحوظة كما اثبتت الاحصائيات، وبواسطة لجان مستقلة تابعة لهيئة الامم المتحدة جاءت لتقييم عملنا، كما ان هذه النتائج قد اكدتها الاحصائيات التالية بعد مغادرتي للعراق. دعني اضيف لكي اعيد الحق لاصحابه، ان وزير التجارة العراقي محمد مهدي صالح قد لعب دورا اساسيا فى تلك الكفاءة التى صاحبت عمليات التوزيع. ما هي العقبات التي صادفتكم، ودفعت بكم للمغادرة؟ كانت هناك عقبات حقيقية مصدرها لجنة العقوبات المتواجدة في نيويورك، وبها بعض البريطانيين، ومنهم من كان متحيزا بوضوح ضد العراق. هذه اللجنة كان منوطا بها التوقيع على العقود الغذائية التى تم الاتفاق عليها من خلال اتفاقيات رسمية، وحين كنا نذهب لزيارة المخازن في عدة محافظات، وخلال عدة اسابيع، كنا نندهش لعدم وجود القمح والارز، وانما نجد بعض الكميات من الملح، وبعض الكميات الصغيرة من البقول. وترتيبا على ذلك قررت استكشاف السبب فى تأخر العقود، ومن خلال واقع عمل لجنة العقوبات وبياناتها تبين لنا ان اللجنة تأخذ في المتوسط 58 يوما للتوقيع على العقد الغذائي فى الشهور الاولى التى عملت فيها، وقد ثار بعض المسؤولين عندما ذكرنا هذا في احد التقارير الرسمية، وطلب منا ايضاح الوقت اللازم الذي تتخذه الحكومة العراقية لتوزيع الغذاء بعد وصوله الى احد المرافق وتبين ان المتوسط في التوزيع هو خمسة ايام. وقد حدث ان سرب احد العاملين في هيئة الامم المتحدة في بغداد، وهو من اصل فرنسي الخبر الى صحيفة اللموند التي قامت بنشره، وتبعتها في ذلك صحيفة لوس انجلوس تايمز، فكانت فضيحة كبرى. اسرد تلك القصة كمثل بسيط للكذب والالتواء والخداع من جانب الادارتين الامريكية والبريطانية الذي صاحب القضية القضية العراقية لعدة سنوات، ووصل الى قمته قبل الحرب، وباتهامات كنا نعرف يقينا انها باطلة، حتى ثبت ذلك للجميع، واعطي مثلا بصفقة اليورانيوم المزعومة من النيجر، والحديث عن علاقات العراق ببن لادن، وموضوع اسلحة الدمار الشامل وغير ذلك مما اثببت الاحداث كذبه، وهذا يعكس جانبا اساسيا فى صفات النظام الحاكم فىي كل من امريكا وبريطانيا، بالاضافة الى العنصرية والعسكرة وجرائم الحرب وغرور القوة. هل كنت تتوقع ان تتطور الاحداث الى المستوى الذي انتهت اليه؟ بالعكس لم اكن اتوقع خصوصا فى المرحلة الاولى، وبالذات في عهد الرئيس الامريكى السابق كلينتون مثلا ان تصل الامور الى هذا الحد الذى وصلت اليه، وكنت اتصور ان الادارة الامريكية ستستمر فى حصارها الظالم للعراق، وان تقوم كذلك بضرب الاهداف المدنية والعسكرية من ان لاخر تحت زعم احتواء النظام، ولكن حين بدانا ندرك ان طبيعة الادارة الامريكية الجديدة واقصد تشيني وولفتز ورامسفيلد ومنظريهم مثل بيرل وكريستال ونقرأ عن مشروعات القرن الامريكي بدانا نعتقد ان اعادة احتلال العراق تمثل هدفا حقيقيا، وكان هذا الامر قبل احداث الحادى عشر من سبتمبر، التي استغلت لتنفيذ هذه الخطط القديمة، اي منذ عام 1992 تقريبا، وكنا نتمنى ان يكون فى امكان الحركة العالمية الواسعة ان تعطل او تؤجل هذه المخططات الاجرامية، ولكن ذلك لم يتحقق. هل كان العراق والاحداث والظروف التي احاطت به سببا في دخولك العمل العام؟ لا ان عملي العام قديم جدا، فانا واحد من جيل شارك فى معارضة مشروع «صدقي – بيفن» عام 1946 على ما اذكر، ثم الانفعال والغضب من اجل قضية فلسطين عام 1948، فقد شاركت فى العديد من المظاهرات، وقد تطوعت في حرب القناة عقب الغاء حكومة الوفد لمعاهدة 1936 في 8 اكتوبر عام 1951 في مصر، وان كنت لم اذهب للقنال بسبب حادثة حريق القاهرة في 26 يناير عام 1952، وقد انشغلت في فترة لاحقة بالدراسة والحصول على الدكتوراه، وانا لم انضم للاتحاد الاشتراكي رغم تاييدي لعبد الناصر فى قضيتين اساسيتين هما القضية الوطنية والقضية الاجتماعية، وذلك لخلافي فى قضية اخرى اساسية وهي الديموقراطية، ومن اجل ذلك وضعت في القوائم السوداء. كيف تنظر للوضع في العراق الان؟ من الخطأ الفادح اعتبار قضيتا العراق او فلسطين قضايا تخص شعوبهما فقط، فاحتلال العراق هو احتلال للامة العربية، ولا اقول ذلك من قبل المبالغة او التطرف، بل اني انقل من وثائق امريكية عن الاهداف من احتلال العراق، وهي مدونة في الاستراتيجية الامريكية الجديدة وتهدف الى تغيير خريطة العالم العربي، وتمكين الكيان الصهيوني من الهيمنة على المنطقة لحساب الولايات المتحدة سياسيا واقتصاديا، وايضا دعم الكيان الصهيوني العنصري، وهو بذاته مشروع استعماري اساسا لضمان تفتت وتخلف الامة العربية، وعلينا ان نقول ذلك موثقا حتى لايظن البعض اننا نردد شعارات خطابية. هناك بعض الاصوات العراقية التي تردد ان ما يحدث في العراق او للعراق شأن داخلي لا ينبغي للعرب ان يتدخلوا فيه ؟ كل شعب يتعرض للاحتلال تبرز في جماعة متعاونة مع قوات الاحتلال، وهناك ايضا الكثير الذين خدعتهم وسائل الاعلام المحلية والاجنبية، ولكن هذه الاصوات يمكن ان تعبرها، وتلاحظ ما هو اهم، وهو المقاومة، وهي مقاومة يؤيدها ملايين من الشعب علنا وسرا. ما سبب زيارتك لبريطانيا الان، هل هي اجازة ام عمل؟ لقد حضرت الى بريطانيا من اجل حضور مؤتمر تم عقده فى قاعة كونواي هول وبناء على دعوة من اصدقاء بريطانيين وهم جزء من اللجنة الدولية المنبثقة من مؤتمر القاهرة الاول، وسوف يتم عقد المؤتمر الثاني يومي 13 و14 ديسمبر من هذا العام.
واحد اعضاؤه من النشطاء في بريطانيا، وكان اللقاء يجمع جون بلجر الصحفي وكذلك احد النشطاء البوليفيين الذين ساهموا مؤخرا فى اسقاط الحكومة البوليفية، وكان الموضوع المطروح للنقاش هو اسقاط مشروع امريكا في القرن الحادى والعشرين الذي يمثل احتلال افغانستان والعراق بداياته. وماذا كانت مداخلتك؟ كانت كلمتي تتضمن اننا نواجه الامبريالية الامريكية والصهيونية العنصرية، وايضا حكوماتنا العربة المستبدة بشعوبها، والعاجزة في نفس الوقت امام القوى الخارجية. وكان التأكيد على ضرورة بلورة حركة عالمية مناهضة للعولمة التي احد مكوناتها الرئيسية ما يسمى بقوى السوق وعدم احترام السيادة الوطنية لاي شعب، ورفض التدخل العسكري من قبل الولايات المتحدة الامريكية بحجة مقاومة الارهاب. ونحن رغم اهتمامنا في الاساس بانشاء نظام ديموقراطي فى وطننا العربي الا انني اكدت اننا لانقبل باي حال من الاحوال التدخل الامريكي تحت شعارات زائفة مثل الديموقراطية والتنمية وغيرها.