عن تصريحات يعلون: الجيش الإسرائيلي يراجع حساباته في مواجهة الفلسطينيين

بقلم: ماجد كيالي

أثارت التصريحات التي أدلى بها موشيه يعلون رئيس الأركان الإسرائيلي، والتي انتقد فيها السياسة المتشدّدة التي تنتهجها حكومته ضد الفلسطينيين، ضجّة كبيرة في الحلبة السياسية الإسرائيلية، إذ اعتبرت تدخّلا من الجيش في الشأن السياسي، ودليلا على تصدّع العلاقة بين المستويين: السياسي والعسكري؛ لا سيما في الحرب التي تخوضها إسرائيل ضد الفلسطينيين.
ولكن اللافت في الأمر أن تصريحات يعلون هذه لقيت اهتماما كبيرا في وسائل الإعلام العربية، إذ تم الاحتفاء بها على أساس أنها تأكيد على عطب في الجسم الإسرائيلي ودليل على انقسام القادة الإسرائيليين وأنها بمثابة تسليم، من قبل أعلى مسؤول في الجيش الإسرائيلي، بالفشل في كبح مقاومة الفلسطينيين.
وعلى أية حال فإن هذه التحليلات تبدو نتاج عقلية سياسية تنزع، على الأغلب، نحو إضفاء الرغبات الذاتية، على الظواهر والقضايا؛ ولاسيما في ما يتعلق بالصراع ضد إسرائيل، حيث تسود الخطابات الإنشائية والعاطفية، البعيدة عن التحليل الواقعي والموضوعي.
المهم أنه لا يمكن التعامل مع تصريحات يعلون، بمثل هذا التسطيح والتسرّع، في التحليل والاستنتاج، لأن ذلك قد يقودنا إلى عدم فهم مغزاها وأبعادها.
وفي الواقع فإن يعلون هذا هو، ذاته، صاحب نظرية قتل الوعي المقاوم للفلسطينيين، وهو الذي "ابتدع" مصطلح: "عام الحسم" (يقصد العام 2002)! وهو الذي استعجل وبادر إلى صيحة: "لقد انتصرنا"، بعد الهدنة التي أعلنها الفلسطينون من جانب واحد (أواخر يونيو الماضي)! ومثله مثل شارون وموفاز، وغيرهما من متطرفي الحكومة والجيش في إسرائيل، فإن يعلون يعتقد بأن صراع إسرائيل ضد الفلسطينيين هو صراع على الوجود، يجب حسمه بالقوة لصالح إسرائيل.
أما ما يميّز يعلون في تصريحاته فهو موقعه المهني، ومسؤوليته بإزاء الجيش الإسرائيلي وإزاء أمن الإسرائيليين. وفي هذا الإطار فإن يعلون يرى بأن من واجبه التحذير من السياسة المتشددة التي تتّبعها حكومة شارون، إزاء الفلسطينيين، التي من شأنها وضع إسرائيل أمام برميل بارود، سينفجر عاجلا أم آجلا في وجهها. لذا فهو يرى بوجوب إقدام إسرائيل على تقديم تسهيلات لمعيشة الفلسطينيين وحركتهم، لتنفيس هذا الانفجار أو تقليل مخاطره؛ خصوصا إذا ارتبط ذلك مع أفق سياسي. وهذه هي كل الفلسفة "اليعلونية"!
من كل ذلك يمكن الاستنتاج بأن البعد المهني ـ التقني هو الذي يحتلّ حيزا كبيرا في اهتمامات وانتقادات رئيس الأركان الإسرائيلي، ويمكن ملاحظة ذلك في المعطيات التالية:
1 ـ تآكل معنويات الجيش الإسرائيلي، في مواجهته للصبية في شوارع المدن الفلسطينية أو في مواجهته للعمليات الفدائية؛ وهو ما حدث، مثلا، في عملية الخليل (قبل عام) وفي عمليتي عين يبرود ونتساريم مؤخّرا.
وبالنسبة ليعلون، فإن الجيش الإسرائيلي لا يواجه جيشا يستطيع أن ينتصر عليه بمعركة حاسمة أو بنتيجة التفوق في الردع أو موازين القوى، وإنما يواجه مجتمعا يتسم بالحيوية والعناد والجلد الممزوج بالاستعداد العالي للتضحية.
وطبيعي أن المسألة هنا ليس لها علاقة بتفوق إسرائيل عسكريا أو بقدرتها على السيطرة، وإنما لها علاقة بإرادة المجتمع الأخر، أي برؤية الفلسطينيين لذاتهم، ووعيهم لضرورة كفاحهم من أجل الحرية والكرامة، بغض النظر عن كلفة كل ذلك؛ وهذا ما تأكدت إسرائيل منه، وهو ما باتت تحسب حسابه.
ويصف بن كسبيت هذا الوضع بقوله: "الجيش ليس جاهزا لمثل هذا النوع من القتال. الجيش أصبح ثقيلا متكرشا عبر السنين..ما يجري ليس بانتفاضة شعبية وإنما حربا عسكرية غير متماثلة بين جيش كلاسيكي ومجموعة من العصابات المعربدة المنفلتة". (معاريف 5/10) ويدلّل زئيف شيف على ذلك بقوله: "نسبة الخسائر كانت سيئة بالقياس إلى كل حرب سابقة..إسرائيلي واحد مقابل ثلاثة فلسطينيين..في الانتفاضة الحالية قتل من الإسرائيليين أكثر مما قتل في حرب الأيام الستة (قتل 803)..وفي حرب الاستنزاف (قتل 738)". (هآرتس 8/8)
2 ـ يلاحظ يعلون بأنه ثمة تململ متزايد في صفوف الضباط في الجيش الإسرائيلي، وهذا التململ ناتج عن غياب الهدف السياسي، فكل شيء بات مستباحا، ولم يعد ثمة حدود للقتل أو للتدمير الأعمى. وقبل أكثر من عام رفض عشرات الضباط الخدمة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وقبل أسابيع برزت ظاهرة تمرد في صفوف نخبة الجيش ( ضباط سلاح الطيران)، الذين انتقدوا غياب البعد الأخلاقي في العمل العسكري، وفي قصف المنازل والاغتيالات، وقد وصل الأمر بهؤلاء الضباط حد التجرّؤ بانتقاد الاحتلال والاستيطان.
3 ـ افتقار الجيش الإسرائيلي للأهلية اللازمة لخوض حرب تقليدية، بعد أن انشغل، لأكثر من ثلاثة أعوام، بمواجهة الفلسطينيين في أزقة وشوارع المدن والمخيمات وعلى حواجز الطرق.
وينظر يعلون إلى هذا الأمر بعين الخطورة، لأنه يتم على حساب التدريبات الروتينية للجيش وإعادة تأهيله لاستيعاب أسلحة أو برامج تدريبية حديثة؛ خصوصا للتكيف مع التغير في مسرح العمليات في الشرق الأوسط، والتطورات المرشحة لمزيد من التسخين في هذه المنطقة.
وترى القيادة العسكرية الإسرائيلية بأن الوضع بات يتطلب التركيز على تخفيض عدد الجيش وإدخال تحديثات عليه، وتحويله إلى جيش صغير متحرّك، يعتمد أرقى التكنولوجيات في الاتصالات والمواصلات والاستخبارات وفي أنظمة الصورايخ وسلاح الجو؛ وثمة تقدير بأن الانتفاضة تؤخّر هذه البرامج، إلى حد ما.
4 ـ ضيق يعلون من الانتقادات الموجهة إلى الجيش، في المجتمع الإسرائيلي، على خلفية الإخفاق في جلب الأمن للإسرائيليين، وهو يرى أن الانتقادات ينبغي أن تتركّز على المستوى السياسي؛ خصوصا أن الجيش يتعرض لضغوط عديدة بسبب التخفيض في موازنته، وبسبب استدعاء الاحتياطي.
5 ـ إدراك يعلون أن أي جيش لا يمكن له أن يحقّق إنجازاً عسكرياً، بدون أن يتبع ذلك هدفا سياسيا، وإلاّ فإن هذا الإنجاز سيتبدد؛ وهذا ما حصل بعد عملية "السور الواقي" (مارس 2002)، حيث فضّلت الحكومة الإمعان في هزيمة الفلسطينيين، لفرض الاستسلام في وعيهم (بحسب شاؤول موفاز)، بدلا من طرح خطة سياسية. وبهذا الخصوص، أيضا، فإن يعلون يعتقد بأن سياسة حكومته المتشددة أدت إلى إسقاط حكومة أبو مازن، لأنها لم تقدم لها شيئا.
ويفسّر زئيف شيف هذا الأمر بقوله:"الجيش يشعر بالفراغ الاستراتيجي الذي اجتذبت الحكومة الجيش إليه". (هآرتس 31/10) أما عوفر شيلح، فيقول بلهجة أكثر حسما: "إسرائيل لا يمكنها أن تنتصر في الحرب، إذ أن من ليس له هدف لا يمكنه أن ينتصر - والصمود ليس هدفا". (يديعوت أحرونوت 7/7)
ومن متابعة تقييمات الإسرائيليين، لمحصلة المواجهات الدامية مع الفلسطينيين، التي اعتبرت لديهم بمثابة حرب استنزاف، يمكن ملاحظة أن العديد منهم باتوا يتبنّون وجهات نظر مفادها، أولا، أن المواجهات الدامية، أو العنف المتبادل، بين الطرفين، لم يوصل أي منهما إلى الأهداف التي كان يتوخّاها. وثانيا، أن الطرفين المتصارعين (الفلسطينيين والإسرائيليين) دفعا ثمنا باهظا لحرب الاستنزاف المتبادلة، التي دارت بينهما، طوال أكثر من ثلاثة أعوام. ثالثا، أن الحل السياسي الذي يتأسس على الانفصال، أي إنهاء الاحتلال و قيام دولة فلسطينية هو المخرج من دوامة العداء والكراهية والعنف، بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
وكما بات معروفا فقد بينت استطلاعات الرأي بأن هذه القناعات تعكس رأي الأغلبية، في الرأي العام الإسرائيلي، برغم من ملاحظة الميل لدى غالبية الإسرائيليين بالتوجه لمثل هذا الحل بعد فرض الاستسلام على الفلسطينيين، أي بعد التأكد من اقتناعهم بعدم جدوى المقاومة لفرض مطالب جديدة لهم، مستقبلا.
عموما فإنه يمكن اعتبار هذا التجاذب بين المستويين السياسي والعسكري، في إسرائيل، دليلا جديدا على تخبّط إسرائيل، في سياستها إزاء الفلسطينيين، وتأكيدا جديدا على عقم سياستها في وأد مقاومة الفلسطينيين، برغم كل الإجراءات القمعية والتدميرية والتضييقية، التي تنتهجها ضدهم. ماجد كيالي