الجار من أهل الدار

بقلم: نضال حمد

هناك حكمة قديمة تقول: أنقص الناس عقلاً من آذى جاره..
هذه حكمة تحمل في طياتها معاني عميقة وكبيرة لعلاقة الجار بالجار، وبالاضافة لتلك الحكمة، هناك مثل شعبي فلسطيني يقول: الجار موصى بالجار.
وهناك مثل آخر سمعته من امرأة فلسطينية في النرويج كانت تلومني على عدم زيارتي لهم: كومة حجار ولا هَالجار.
لكن عندما يعرف المرء السر الكامن وراء الأمثلة والحكم يبطل عجبه.
يحضرني الآن الماضي البعيد من حياتي وخاصة طفولتي في المخيم، حيث كنا نحن وجيراننا نعتبر أنفسنا عائلة واحدة وبيتا واحدا، نحب بعضنا البعض ويحترم واحدنا الآخر،إذا تألم جارنا تألمنا لألمه، وإذا جاع أو عاز شيئا سرعان ما نعطيه والعكس كذلك صحيح.
كان قرب الناس من بعضهم أكثر من هذه الأيام، وكانت عقول الناس متفتحة كما قلوبها وجيوبها، هذا بالرغم من واقع الحال الصعب، حال الذين شردتهم النكبة ومن ثم جعلتهم من اللاجئين في بلاد العرب التي يفترض أنها أوطان كل العرب،هذه البلاد التي أتعبت الفلسطيني وظلمته لتصبح مثلها في ذلك مثل الصهيوني الذي شرده وقهره وأحتل بيته مع فوارق بين الطرفين.
ولكي نكون من أهل العدل ومن الذين لا يظلمون الآخرين وبالأخص جيران فلسطين، فأننا سنتحدث عن ظلم الحكومات التي ألحقت الأذى بشعب وأرض و قضية فلسطين.
لقد جاء الأذى من الذين يحكمون بلاد الجوار، حيث أن بعضهم شارك في المؤامرة على بيع فلسطين للحركة الصهيونية العالمية، ومنهم من أقتسم الكعكة الفلسطينية مع العصابات الصهيونية، ومنهم من سطا على جزء من أرض فلسطين بعدما حصلت النكبة وتهجر الشعب الفلسطيني عن أرضه وسرق وطنه. كان هذا البعض يظن أنه بهذه الطريقة ينشأ وطنا بديلا أو جديدا يكون فيه سيدا على جزء كبير من الفلسطينيين، ولم يكن وحده من المعتقدين بذلك، بل شاركته الاعتقادات تلك مجموعة من الدول والأنظمة والجماعات والعصابات، لكن تلك السخافات والتفاهات والتفاهمات تكسرت وانكسرت على صخرة الصمود الفلسطيني والتمسك بالعودة إلى فلسطين.
كان البعض منهم يظن أنه سوف ينجح في تقاسم الوطن الفلسطيني المذبوح مع الجزارين القادمين من وراء البحار ومن جحيم أوروبا المشتعلة بنار الحرب العالمية الثانية، ولم يكن يدري أن التمسك بحق العودة والتوجه نحو المقاومة والثورة والنضال من البراكين التي تصهل في عقول وقلوب أبناء الشعب الفلسطيني، هؤلاء الذين لوعتهم خيانة الجيران وغدر الذين منحوهم السلام والبيت والأمان.
لم يفهم البعض أن حسن الجوار وعدم إيذاء الجيران من الأعمال الأخلاقية الجليلة ومن الأسس التي تحفظ صلة المحبة والاحترام القائمة بين الجيران.
فلا أوائل اليهود الصهاينة الذين آوتهم أرض فلسطين بعدما جاءوها من كل الجهات لاجئين كانوا أهلا للثقة ولا حلفاءهم من أهل المنطقة، ولا حتى المستعمر البريطاني الذي مارس الظلم بحق الفلسطيني وأنحاز بشكل سافر للجانب الصهيوني، حيث كان يعمل بالسر من أجل تفتيت فلسطين وإقامة دولة اسرائيل تنفيذا للوعد المشئوم، وعد بلفور، حيث التقت مصالح اليهود الصهاينة مع مصالح البروتستانت المتصهينين الذين حكموا بريطانيا العظمى، فقد كانت تجمعهم خزعبلات تاريخية لازالت تجمع بعض الغرب مع صهاينة اسرائيل.
المهم أن نتيجة ذلك التحالف المشئوم كانت ضياع الوطن الفلسطيني وشتات الشعب الفلسطيني، ثم إقامة دولة اليهود الصهاينة على أنقاض كيان العرب الفلسطينيين.
لم تحترم الأقلية اليهودية في فلسطين مبدأ الجيرة وحسن الجوار، حيث أنها مارست مبدأ الأحتيال عبر شراء الأراضي ومن ثم استيطانها تمهيدا لإقامة الكيان اليهودي الاستعلائي، وعندما بدأت حرب احتلال واغتصاب فلسطين، قام الجيران اليهود بقتل جيرانهم العرب، وقد حدثت عمليات إعدام و ذبح و تصفيات جماعية للفلسطينيين في بلداتهم وقراهم ومدنهم، كما حصل في الطنطورة والصفصاف واللد والرملة ودير ياسين وكفر قاسم وغيرها من المواقع.
لقد كان على رأس كل مذبحة من المذابح قائد من قادة إسرائيل أو رئيس وزراء لاحق في كيان الصهاينة، وخير دليل على ذلك بن غوريون وبيغين ورابين وديان وشارون وشامير، وهؤلاء كلهم من رموز الجريمة والإرهاب في العصر الحديث، وبالرغم من أعمالهم الإرهابية التي تتساوى مع أعمال النازية ضد اليهود في أوروبا، إلا أن العالم الذي يخاف اليهود ولا يحترم جيرانه العرب، كان و لازال حتى يومنا هذا يتعامل معهم على أساس أنهم رجالات سلام، ومنهم من حصل على جائزة نوبل للسلام ( بيغين، رابين وبيرس).
الآن وبعد أن أصبح الاتحاد الأوروبي جارنا القديم والقوي، بعد أن اصبح بدوله الكبيرة والصغيرة موظفا عند بوش ومسخرة لزماننا الحالي وممسحة لأوساخ شارون وبقية قيادات إسرائيل، حيث تمت معاملة قادة و مبعوثو دوله معاملة لا تليق بمكانتهم ومكانة دولهم، وحيث رفض قادة إسرائيل الاجتماع بأي من قادة أوروبا ومن ساستها الذين التقوا الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، وبعدما أعلن وسيط السلام الأوروبي الجديد مارك أوتيه استيائه من المعاملة الإسرائيلية التي يلقاها ومن مقاطعة الإسرائيليين له بسبب لقاءاته مع عرفات، تقدم أوتيه بمذكرة لرؤسائه قال فيها أن إسرائيل تعرقل عمله، وقد قدم اوتيه احتجاجا رسميا على مقاطعته وكتب إلى رئاسة الاتحاد الأوروبي شاكيا من تلك المعاملة، ومعتبرا أن إسرائيل بهذا تعرقل عمله كوسيط سلام بين الطرفين.
على هذا الأساس وبعد عدة صفعات تلقاها قادة الاتحاد وكانت أولها لسولانا بعد مذبحة مخيم جنين حيث رفض قادة اسرائيل استقباله والوفد المرافق له بعدما وصلوا الى تل أبيب،فكر الاتحاد باتخاذ إجراءات ضد اسرائيل مثل البدء بمقاطعة السياسيين الإسرائيليين وعدم لقاءهم أو استقبالهم بحجج وذرائع منوعة.
هذا الموقف الأوروبي الخجول والخائف الذي جاء متأخرا جداً جداً،والذي يعمل بصمت وسرية تامة وبدون ضجيج، لن يكون كافيا ولا نافعا ما لم يعلن بكل جرأة وحرية وشجاعة وقناعة بالرأي الصواب والموقف السليم. ويحضرني الآن قولا قديما قاله أحد الحكماء: من عمل عملاً في السرّ يستحي منه في العلانية، فليس لنفسه قدرُ ُ عنده.
أن أوروبا المجاورة لبلاد العرب منذ عرف العالم تقاسيم الجغرافيا والتاريخ مطالبة بتفعيل جيرتها للعرب لما فيه خيرها وخير جيرانها العرب، خاصة إذا ما نظرنا الى كيان الصهاينة على أساس أنه كيان دخيل على المنطقة و يشكل خطر حقيقي على أهلها وناسها وجيرانها.
نحن العرب نحترم الجار ونعتبره من أهل الدار، لكننا لا نقبل بأن يصبح الجار سمسار كما هو الحال مع أكبر جار. نضال حمد