دعوة لتدوين الادب الامازيغي في المغرب

الرباط
الشفاهية سمة للامازيغية

دشنت الندوة الدولية حول "الأدب الأمازيغي.. الشفاهة والكتابة.. الخصوصيات والآفاق"، التي احتضنتها العاصمة المغربية الرباط نهاية الأسبوع الماضي، أشغالها بفتح نقاش ثري حول العلاقة بين الشفوي والمكتوب، ولأي منهما تعطى الأولوية، في تحديد خصائص الأدب الأمازيغي.
وإذا كانت هذه الندوة، التي نظمها المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، ومركز الدراسات الفنية والتعابير الأدبية للإنتاج السمعي البصري، قد أبرزت من خلال الكلمات الافتتاحية أهمية الأدب الأمازيغي، فإن بعض المداخلات، التي ساهم بها باحثون مغاربة وفرنسيون، قد شددت على أهمية مضاعفة الجهود لتدوين الأدب الأمازيغي، حتى لا يتعرض للضياع، كما ضاعت إنتاجات أدبية سابقة، تعود إلى عهود قديمة.
وأكد المتدخلون في هذا السياق على الدور الذي اضطلعت به الجامعة المغربية في البحث المعمق عن عناصر الأدب الأمازيغي ومكوناته البنائية والإبداعية والجمالية. وأبرزت بعض المداخلات أن عملية تدوين الأدب الأمازيغي تتطلب الاستعانة بمتخصصين في الأدب واللغة والبلاغة وعلم الاجتماع، مع الاستعانة بالوسائل التكنولوجية الحديثة.
وقد فسرت هذه الدعوة الصريحة لإنقاذ الإنتاج الأدبي الأمازيغي، سواء ما بقي منه حبيس مخطوطات، أو صدور بعض المهتمين من شعراء، لدى متدخلين آخرين على أنها دفاع صريح عن المكتوب على حساب الشفوي، الذي اعتبره بعض المشاركين في الندوة سمة مميزة للأدب الأمازيغي، سواء تعلق الأمر بالشعر أو الغناء أو الحكايات أو الرسائل.
وقد دفع هذا الأمر بأحد المتدخلين إلى اقتراح إعادة النظر في ما جاءت به بعض الدراسات النقدية، التي أنجزت حول الأدب الأمازيغي، لكون أصحابها لا يتقنون اللغة الأمازيغية، فبالأحرى إدراك عمق ومغزى الأساليب المجازية، والصور الشعرية المركبة، التي تستعمل في الكتابة الشعرية الأمازيغية.
وبين التصور الذي يدافع عن مبدأ التدوين قبل كل شيء، والتصور الآخر الذي يلح على ضرورة البحث في الشفوي كما هو، برزت بعض الأطروحات، التي تدعو إلى تبني مقاربة شمولية متكاملة، تتصدى للأدب في علاقته بالتاريخ والثقافة بمعناها العام، الذي يشمل جميع أوجه الحياة.
واعتبر بعض المتدخلين أن هذه المقاربة الشمولية، التي يمكن أن تهم الأمثال والتقاليد وعددا من الجوانب الاجتماعية الأخرى، ستسمح بتكوين رؤية عامة، تتجاوز النظرة الضيقة، التي تعامل بها بعض الباحثين مع الأدب الأمازيغي. غير أن هذه العملية تعترضها أيضا عوائق، منها تعرض كم كبير من الأدب وأوجه الحضارة للضياع، علاوة على طغيان المادة الأدبية، ووجود بعض الإشكالات المتعلقة بالجانب اللغوي، وهو ما يفرض، بحسب هذا الرأي التسلح بزاد مهم من الأدوات المنهجية، والعمل على الانتقال من الشفوي إلى المكتوب، من خلال لغة موحدة جامعة لمختلف اللهجات.
ولم تكن هذه التصورات والاقتراحات لتمنع عددا من المتدخلين من التعمق في مجموعة من الخصائص الإبداعية والدلالية للأدب الأمازيغي، حينما تم التركيز، بالاعتماد على بعض الأشعار والرسائل والحكايات، على ما يسمى بـ"الخاصية الأدبية" للنص الأدبي الأمازيغي، والتي تهم أسلوب الكتابة، والنوع الأدبي، والمواضيع، التي يتم استثمارها في قوالب أدبية.
وفي ارتباط بهذا الجانب تم التنبيه إلى عدم نجاعة اعتماد التصنيفات المعتمدة في الأدبين العربي والفرنسي، بالنسبة للتأريخ للأدب الأمازيغي، بالنظر لكون هذا الأخير قد ارتبط بأجواء ثقافية واجتماعية مغايرة لخصوصيات الأدب العربي ونظيره الفرنسي. وفي هذا السياق تحديدا تمت الدعوة إلى تجاوز عاملي الزمان والمكان، والتركيز على تعميق البحث في الحلقات المفقودة من الأدب الأمازيغي، بالاستعانة بعلوم أخرى، حتى يتسنى استنباط تصنيف خاص، يميز مراحل تطور هذا الأدب.