مهلاً مهلاً.. يا دكتور نعمان

بقلم: الدكتور رشاد محمد البيومي

ترددت كثيرًا قبل أن أُمسك بقلمي لأرد عليك.. وأفند بعضًا من هذا السيل الجارف من التهم والادعاءات.. بل والتجاوزات التي وردت في مقالكم الافتتاحي في جريدة الوفد بتاريخ 21/10/2003، والتي لم أكن أتصور يومًا ما أن تصدر منك، وأنت الأستاذ الأكاديمي (والمفترض فيه دقة القول)، ورجل القانون (والمفترض فيه الدفاع عن حقوق الآخرين) في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى لم الشمل وتوحيد الكلمة والرؤية ورأب الصدع وجمع الجهود للخروج بالأمة من هذا المأزق المريب الذي فاق كل الحدود وتجاوز كل التصورات.
هلا تمهلت قليلاً.. وفكرت في صبر وصدق فيما كتبت وعبرت عنه؟ هل تصورت نتائج ما ذكرت في مقالك الغريب؟
وأعود فأسألك ماذا قصدت من هذا الكلام؟ وفي هذا الوقت العصيب بالذات.. وهلا سألت نفسك هل مقتضى الواجب الوطني أن تعمل وتشارك في بث روح الضغينة المفتراة على فصيل وطني شاركت معه وتعاملت وإياه في مواجهة ما نعانيه جميعًا من استبداد وقهر سياسي؟
وهل من المناسب وأنتم تعلمون ما يلحق بالجماعة وأفرادها من ظلم وافتراء بين محاكمات عسكرية واعتقالات وتعذيب.. أن توجه سهامك في غفلة ودون سبب يذكر؟
ترددت كثيرًا.. ولكني وقد نشأت وتعلمت في مدرسة الإخوان أن نكون أوفياء وصادقين مع من تعاملنا معهم، وكان بيننا مواثيق وعهود.. فكان عليَّ أن أُبين لك وأوضح مذكرًا.. أنك قد جانبك الصواب وأخطأت الوقائع وخانك التوقيت.. بل نقضت عهدك.. وناقضت كلامك عن الحريات وحقوق الآخرين.. وعن رأيك في جماعة الإخوان المسلمين.
أما في الأولى فإنك تدعي أن الإخوان في المرحلة الثالثة قد اتجهوا إلى العمل السري.. والتجنيد من أجل التكتل المنظم في شكل هرمي.. وذلك لتحقيق انتصارات انتخابية.
وأية سرية التي تتحدث عنها يا سيدي.. وقد مارسنا العمل السياسي سويًّا أيام تحالفنا مع حزب الوفد وخضنا الانتخابات معًا عام 1984، ثم تحالفنا مع حزب العمل والأحرار في انتخابات 1987، واضطررنا لهذا؛ لأنه قد حيل بيننا وبين المشاركة العلنية والفعالة في الحياة السياسية.. وطالبنا ولا زلنا نطالب بتكوين حزب سياسي أو مظلة قانونية أو غطاء شرعي، ولكن الرفض ثم الرفض ثم القهر والاعتقال والتحويل إلى محاكم عسكرية وسجون وتعذيب.. هذا هو الرد وأنت تعلم ذلك علم اليقين.
وتعلم أن الوجود الإخواني في الساحة السياسية والشارع السياسي وجود لا ينكره إلا جاحد يتعمد طمس الحقيقة وتغيير معالمها.
وأذكركم أنه في كل مجال فيه مصلحة لأمتنا كان الإخوان أول من يبادر في أداء الواجب والعمل المتجرد لا ابتغاء لمنصب سياسي أو تلميع إعلامي، ولكنها حسبة لله وبذل ونأمل دائمًا أن يكون في سبيل الله.
وأما ما ذكرته عن التجنيد.. فلا داعي أن نتهم شباب الأمة بالقصور في حسن اختيار طريقهم والتعامل مع من صدق معهم قولاً وعملاً.. فهم قد اختاروا هذا الطريق طواعيةً بإدراك وحس واع.
وإذا كانت القدرة على تجنيد الشباب من السهولة بمكان (افتراضًا) فكيف كان ذلك في النقابات ونوادي أعضاء هيئات التدريس.. أنت تعلم يقينًا أن النقابات المهنية والنوادي تمثل أعلى المستويات المهنية (ثقافة وعلمًا) وأن أعضاءهم هم خلاصة أبناء الأمة وروادها.. فإذا اختار هؤلاء (عن رضا) مَن يمثلهم ويقود مسرتهم (لما لمسوه من صدق وإخلاص وتجرد وعمل جاد).. تصبح هذه تهمة ونقيصة يُحاسب الإخوان عليها!
لو تحدث بهذا شخص لا يملك ما تملك من خبرة ومعرفة وممارسات.. فلا مندوحة.. أما أن يصدر هذا منكم.. فهذا أمر مستنكر غريب!
أما ما ذكرت بالنسبة لانتهاز فرصة الضائقة المالية.. فلا أملك إلا أن أقول لك لقد خانك التوفيق في هذا الأمر.. فنحن ولأننا نتعامل بصدق مع الله لا نرجو لأمتنا إلا الخير، ونمد أيدينا لنساعد بكل ما نملك من قوة في بذل العون بالجهد والنصيحة لإنقاذ أمتنا مما ألم بها.. فلسنا ممن يتحين الفرص للطعن في الظهر أو اكتساب المواقف على حساب الآخرين.. والتاريخ شاهد على ذلك.
ويكفي أن أُذكركم في هذا المقام بما حدث للدكتور"حشمت".. وموقفكم منه ولما استنكر موقفكم أحد أبناء الوفد الأستاذ محمود الشاذلي كان جزاءه الفصلُ والتشريدُ.. أرجو ألا تنسى هذا.
أما ما يُعانيه العالم الإسلامي... وأن الإخوان يستغلون هذا الحال.. وكأني بك تقول أن علينا أن نرضخ ونرضى بما يحاك للإسلام والمسلمين، وذلك خشية أن نتهم بأننا نستغل الموقف لمصالح أيًّا كانت هذه المصالح.
هل كشفت عن سرائرنا.. هل عرفت مكنونات قلوبنا.. يا سيدي أرجو ألا تتألى على الله فهذه خصيصته سبحانه وتعالى وحده، والذي كفل أمرنا وأمرك إليه.. وسنظل نعمل قدر طاقتنا مع كل مسلم حر يستشعر الخطر المحدق بأمة الإسلام ونواجه أعداء الإسلام ما أوتينا إلى ذلك سبيلاً، لا يحول بيننا وبين ذلك حساسية المتوجسين أو خور الخائفين.
أما الأموال التي تتحدث عنها.. فشرف للإخوان- تعرفه أنت قبل غيرك- أنهم لم تمتد أيديهم يومًا طلبًا للعون أو جلبًا لنفع مادي من أية جهة ومن أي مصدر كان.. إنما يعتمدون على أنفسهم وعلى إمكاناتهم فقط.
وكيف حكمت على عدم وجود برامج تفصيلية للمشاركة السياسية... وكيف عرفت ذلك.. إني أدعوك كما أدعو غيرك لتعرف عنا.. فنحن نعمل في النور وننشر في العلن ولدينا بحمد الله وفضله الوفرة من العلماء والمتخصصين في كل المجالات ما يعد فخرًا لأمتنا.. وعلى سبيل المثال هلا راقبت أداء نواب الإخوان في البرلمانات السابقة والحالية؟.. هل رصدت حضورهم السياسي ومشاركتهم الفعالة في كل قضايا الأمة؟.. هل قارنت بين أدائهم وبين أداء الآخرين؟ أرجو أن تفعل ذلك لترى بعين الحق صدق ما ذكرته لك.
وأسألك يا سيدي.. أين شباب الصفوة الوفدية في مقابل شباب الإخوان الذين تواجدوا على كل ساحة.. وعملوا في كل مجال ونافحوا عن الأمة ومقدراتها في كل موقع رغم التضييق وقلة الفرص الإعلامية والسياسية المتاحة مقارنةً بما أُتيح لكم في كل وقت وفي كل مجال.
أما سلوك الإخوان في كل مجال.. فإني أترك ذلك لشهادة الناخبين في كل عمل شارك فيه الإخوان.. فكانوا نماذج صادقة لتجرد والصدق، وأربأ بك يا سيدي أن تشكك في طباع الناس وتطلعهم دونما سند من مثل أو واقعة.. ويكفيني أن أذكرك وأذكر القارئ أن الذين انتخبوا على قوائم الإخوان نالوا مع العنت والقهر وعانوا وقاسوا الكثير، وأذكرك بالدكتور جمال حشمت (فهو الآن نزيل سجن طرة) فآسوا وعانوا دون أن يتقاضوا ثمنًا أو ينالوا منصبًا.
يا سيدي لم ندَّعِ يومًا أن فينا أبو بكر وعمر (رضي الله عنهما) فالبون شاسع والفرق كبير.. ولكننا على طريقهم ننهج، وعلى سبيلهم نسلك، وعلى دربهم نسير، وكنت أرجو أن يلتفت كل منا إلى بيته ليرتب ما اختلف، ويجمع ما انفرط، ويصلح ما فسد، وأنت تعلم دون غيرك ضرورة هذا في وقتنا العصيب، وبخاصة في حزب الوفد.
وكأنك تستعدي الحكومة علينا.. فنحن لم ندع يومًا أننا مبعوثو العناية الإلهية، وأننا فقط سدنة الإسلام.. فنحن قد أعلناها في كل وقت وزمان، وفي كل مكان أننا لسنا جماعة المسلمين، ولكنا جماعة من المسلمين ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة لا ندعي ولاية على أحد ولا نُكفِّرَ مسلمًا ولا ندعي أننا حراس أبواب الجنة، وأحيلكم إلى كتاب "دعاة لا قضاة" الذي أصدره المرشد حسن الهضيبي رحمه الله فيه بيان رؤيانا الصادقة.
ففي الكتاب بيان لحرصنا على كل مسلم، وإلا ما تعلمنا معكم ولا وضعنا أيدينا في أيديكم، وقد تحالفنا وتعاونا مع كل القوى الوطنية في مواجهة كل ما يسيئ إلى أمتنا ويخل بنظامها.
وأقول لك ليست لدينا طاعة عمياء كما تدعي.. لكن لدينا منهج والتزام رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وطاعتنا مبصرة لكل ما يَرِدُ علينا، فما ارتضاه ديننا نقبله.. وما لم يرضه رفضناه.. وليست لدينا خلافات بالصورة التي عانى ويُعاني منها حزبكم.
أما موضوع الوحدة الوطنية.. فقد كثر الحديث المجموح عنها، وقد استهلكت الكثير والكثير، ولعل الأخوة الأقباط أعلم بصدق معرفتنا لديننا.. ومن عرف دينه كان أكثر الناس حكمًا واعتدالاً في تعامله مع غيره من الأديان الأخرى عملاً بما فرضه الله وبين رسوله الكريم.
وإني لسائلك عن الأحزاب المسيحية التي تنتشر في جميع البلاد الأوروبية.. وماذا كان من شأن هذه الأحزاب.. هل هددت الوحدة الوطنية في تلك الأرجاء، وفيها الكثير والكثير من الديانات الأخرى.. ثم لماذا هذا الرعب الذي ورثناه من العدو الغربي والصهيوني ضد كل ما هو إسلامي.. مع أن هذا منافٍ للحقيقة تمامًا.. ولكنا بلعنا الطُعْمَ ولُبِّسَتْ علينا المفاهيم المغرضة، وعشنا في وهمها ولنبحث سويًا في تاريخ الأمم كيف عاش أصحاب الكتب السماوية في كنف الإسلام.. وكيف عانى المسلمون في ظل الحكم المتعصب الأوروبي.. أرجو أن تعي الحقيقة، وأن تتقي الله في إبرازها.. وألا تُغالي في تلك الحساسيات المفرطة التي تهدر طاقاتنا وتستنزف جهودها دون طائل أو نتيجة إلا خدم أغراض الذين يتربصون بها شرًا ولا يرجون لنا خيرًا أو علوًا.
يا سيدي.. كان يكفيك من مكانك السياسي والحزبي أن تكتفي بالعنوان إحقاقًا للحق وإنصافًا.. ولكنك أبيت إلا أن تدس السم في العسل وأن تستعدي علينا من يفرض علينا القيود ويرمينا بالتهم الباطلة ويضيق علينا الأرزاق.. ويحرمنا من حق التعبير.. ويكفينا القول أن لديك صحيفة متاحة تكتب فيها ما تريد حين تشاء وتعبر فيها عن رأيك.. وفي المقابل تُحرم الجماعة ذات الأثر الشعبي الكبير(باعتراف الجميع) من حق التعبير.
وهل الخمسون عامًا الماضية التي لم يثبت فيها أي عنف من جانبنا.. ليست كافية لوقف قانون الطوارئ (كما تدعي في مقالك).
أعدد مكررًا... ما كان لمثلك يا دكتور جمعة أن تلبس عليه الأمور فيقع في هذا الخلط غير المبرر.. وأذكرك بأننا لسنا بصدد تصيد الأخطاء والانشغال بمعارك جانبية تفرض علينا نستهلك فيها الجهد والفكر دون طائل.. والأمة في أشد الحاجة إلى جهودنا.. والمجتمع يرنو إلى من يأخذ بيده ويشارك في حل مشاكله.. أسأل الله لي ولك أن ينور بصائرنا بالحق، وأن يلهمنا وإياك الرشد وأن يغفر لنا الزلل، وأن يوقفنا جميعًا إلى سواء السبيل. * الدكتور رشاد محمد البيومي، أستاذ بجامعة القاهرة ووكيل أول نقابة العلميين