حب الى الابد

بقلم: بثينة الناصري

هذه المرة اشعر برغبة حقيقية في الحديث عن الحب بدلا عن الحرب. ولماذا لانفعل ذلك وكل ماحولنا يبعث على الابتهاج والامل؟ فها هو مؤتمر مدريد (ومدريد في القلب) حيث يجمعون لنا الاموال التي ستجعل ايامنا زاهية الى الابد. وها قد عدت من جولة ترفيهية في موقع "سلطة الائتلاف المؤقتة" على الانترنت. وللحظة تصورت ان العراق قد احتل امريكا. هاهو العلم العراقي يرفرف عاليا على الموقع، وفي صفحة الخطب (الترجمة العربية) وجدت هذا الخبر "واشنطن 18 تشرين الاول/ اكتوبر – خصص الرئيس العراقي خطابه الاذاعي الاسبوعي للتحدث عن قضية التعليم في العراق والجهود التي قامت بها قوات التحالف خلال الاشهر القليلة الماضية لتحسين اوضاع التعليم في العراق" اذن هو هناك!! ويذيع رسالته من قلب واشنطن! هذا يجيب على تساؤل الكثير من المحبين والمريدين والاعداء ايضا!
عنوان الموقع www.cpa-iraq.org لمن يريد ان يطلع على هذه المؤامرة التي حدثت بعيدا عن انظار عزيزنا بول بريمر الذي يتبختر بأناقته العجيبة في مدريد حاملا جعبته الخالية يمر بها على المحسنين لعله يجمع ما يكفي رواتبه واجور الدمى الخشبية من حاشيته من "المسؤولين العراقيين".
ثم انتبهت فجأة ان الخبر لا يخص الرئيس العراقي الذي نقصده وانما الرئيس بوش. والخطاب خطابه فهو كالعادة مليء بالاكاذيب التي لا تتوفر لأحد الجرأة والشجاعة على الاتيان بها، ولكن من الذي اطلق عليه لقب الرئيس العراقي؟ هل هي زلة قلم من العراقي المسؤول عن الموقع؟ ولابد ان يكون عراقيا لم يبرأ بعد او يجتث بعد او لم يغسل دماغه تماما او انه مازال مرعوبا او انه لا يصدق ان هناك رؤساء آخرين في العالم غير صدام حسين!
ولكن على اكثر احتمال ان المسألة اكبر من ان تكون زلة، فهناك اشخاص من خلف الستار يحاولون ان يورطوا عزيزنا بريمر ويستغلون اسوأ استغلال جهله باللغة العربية كما فعلوا في خطابه الاخير بمناسبة شهر رمضان حيث لقنه احد اولاد الحلال كلمة مريبة ولعلها تكون فاحشة والله اعلم. والحكاية ان الرجل وهو صاحب اصول جاهد ان يكون خطابه الى الامة العراقية بمناسبة هذا الشهر الكريم وهو اول رمضان تحت ظلال الاحتلال، وقد كانت الرمضانات السابقة في خلال 12 عاما اما تحت ظلال الصواريخ والقنابل كما في عام 1998 او في كنف الحصار، خطابا ذا نبرة دينية حيث تحدث عن "الشر" الذي خنق العراقيين لسنوات طويلة حتى جاء "الخير" على ايدي الامريكان وطمأن الناس على ان "الخير" لن يغادرهم ابدا. وانهى الخطاب بجملة صارت لازمة ختامية لكل خطبه الاخيرة هي "مبروك العراق الجديد"، وهذه مفهومة كما نقول مثلا "مبروك الحذاء الجديد" ولكنه اعقبها بجملة حاولت منذ يومين فهم معناها فلم استطع ولعل احد المتعمقين في بحور بول بريمر يفسرها لي، فهو يختم خطابه بجملة "رمضان مهبورة". وبعد ان يأست من معرفة هذه اللغة العربية الجديدة أفتاني احد الاخوة المصريين بأن الكلمة ربما من "الهبر" وهي تعني لمن لا يعرف اللهجة المصرية "السرقة الكبيرة".
ولكننا ونحن في شهر رمضان نغفر لعزيزنا بريمر شطحاته وزلات لسانه، ولابد انه كان حين اذاع خطابه على وشك ان يلحق الطائرة الى مدريد لئلا تفوته "الهبرة" الجديدة. او لعل احد المتآمرين الذين لمحت لهم آنفا قد دس عليه هذه الكلمة مستغلا طيبته وقلة حيلته.
ولكن ليس مقصدي من هذه المقالة ان اكتب مرة اخرى حول طرائف وغرائب موقع سلطة الاحتلال المؤقتة على الانترنت، رغم ان الموقع ذاته هو الذي اوحى الي بالحديث هذا اليوم عن الحب. ولا اشك انكم سوف تمرون بنفس الاحساس اذا دخلتم على صفحة "المراسلة" في الموقع. أعرف ان اغلبكم خاصة المتعجلين منكم قد يغفلون عن تصفح هذا المكان باعتباره انه قد يحوي اسئلة غبية واجوبة اغبى منها عن انجازات سلطة الاحتلال او شكاوي المواطنين الذين ربما يبحثون عمن يبثونه شكواهم غير الله. او آراء المؤيدين والخصوم على حد سواء كما يليق بموقع حكومة اخذت على عاتقها ان تمحو اميتنا في الحرية والديمقراطية. ولكنك ستكون على خطأ. فهنا لن تجد سوى رسائل حب ملتهبة. وارجو عندما يزداد عدد العاشقين عن "الثلاثة الحاليين" ان تقوم احدى دور النشر بجمع هذه الرسائل وترجمتها وطبعها لفائدة العشاق الهواة الذين لا يجيدون كتابة رسائل الغرام.
وهذا يذكرني بكاتب هاو صغير السن جاء يعرض علي بعضا من قصصه الاولى لأبدي الرأي فيها. وقد اثار دهشتي وابتسامي في احدى القصص وصفه لمشاعر عاشق ذاهب للقاء محبوبته، فهو يشبه لهفته مثل لهفة الموظف وهو ذاهب ليقبض راتبه اول الشهر!
والان اشعر بالندم للملاحظات الخاطئة التي وجهتها لذلك الفتى حول فساد مثل هذا التشبيه. فإني ادرك الان ان العاشق مثل المفلس وربما يكتسب كلاهما نفس الملامح : الذبول والاصفرار والتذلل والقلق والترقب والغفلة عن كل ما يدور حوله والتركيز على هدف واحد يعمي بصره وبصيرته عن سواه. وربما لن تستطيع – مهما كانت فراستك ونباهتك – ان تميز بين ملامح العاشق الذي يبحث عن حبيبته والمفلس الذي يبحث عن وظيفة!
واذا لم تصدقني اقرأ معي رسالة الحب الاخيرة التي وجدتها في موقع سلطة الاحتلال، واسمحوا لي ان احجب اسم المحب المزمن وكل ما استطيع كشفه انه بريطاني من اصل عراقي:
"السادة الاعزاء..
اود ان اشكر الرئيس جورج بوش ورئيس الوزراء توني بلير لقيامهما بأنبل عمل وهو تحرير العراق. وسيذكرهما التاريخ كبطلين من ابطال العالم الحر. انهما رجلان شجاعان انقذا الملايين من الشعب العراقي من مستقبل مظلم، وشكر خاص لإنقاذ الشعب الكردي من الابادة.
يجب ان يدرك العالم ان صدام حسين نفسه هو سلاح دمار شامل، انه اشد الاسلحة الفتاكة التي عرفها العالم الحديث. واشكر الجيوش الامريكية والبريطانية لعملهم الرائع وادعو الله ان يحفظ كل هؤلاء من اجل عالم اكثر امانا ولحماية العالم من صدام وعصابته البعثية.
واتمنى ان تبقى القوات الامريكية والبريطانية في العراق الى الابد لحماية الشعب العراقي من المجرمين البعثيين وينبغي على الشعب العراقي ان يقيم نصبا لتكريمهم عرفانا لجميل امريكا وبريطانيا في تحرير العراق. اتمنى كل الخير للسيد بول بريمر للعمل الرائع الذي يقوم به لاعادة اعمار العراق واي دولة لاتدعم جهوده يجب ان تعيد النظر في مواقفها وتدعمه دعما كاملا من اجل الانسانية والحرب ضد الارهاب.
وانا اؤمن بشدة بأن العراق بقيادة امريكا وبريطانيا سوف يكون الجنة الجديدة في الشرق الاوسط. شكرا للسيد الرئيس بوش والسيد بلير لأعظم عمل رائع ونصر حققاه منذ تخلص الحلفاء من هتلر.
الله يحفظ امريكا
الله يحفظ بريطانيا
الله يحفظ جورج بوش
الله يحفظ توني بلير
والى عائلات كل الجنود الشجعان الامريكان والبريطانيين.. الله يحفظكم ويرعاكم دائما.

فلان الفلاني
مستشار نفط وغاز
مواطن بريطاني"

انتهت الرسالة.. و(ماكو) الله يحفظ العراق! ولكن هذا مواطن عراقي اصيل لم تنسه جنسيته البريطانية التقاليد العريقة في الكتابة لأولي الامر والنهي وانهاء الرسالة بالدعاء لهم ولاهاليهم ولذريتهم. والحق يقال فان الرجل كان متدفق القريحة في التعبير عن شلال مشاعره المخزونة في آبار حرمانه.
والمسألة لا تخرج عن احد احتمالين: اما انه عاشق ابدي لا علاج له، واما انه عاطل يبحث عن وظيفة.. وماكانت هذه الرسالة الا استمارة طلب عمل مقنعة ومؤثرة (لاحظ خصوصا الاسقاطات في جملة انقاذ العراقيين من مستقبل مظلم) عدد فيها الرجل كل مهاراته في التفاني والطاعة ولم ينس ان يرسل نسخا الى بوش وبلير وبريمر وكل الجنود وعائلاتهم.
اما نحن (الذين لم يجبر خاطرنا بدعوة الله ان يحفظنا) فلا بد ان نحذو حذوه رغم ذلك ونأخذ بعين الاعتبار مشورته بوجوب اقامة نصب تذكارية لأفعال امريكا وبريطانيا بنا، واود ان اؤكد للاخ المستشار اننا بدأنا فعلا في اقامتها ولكن لو لم تسارع القوات الامريكية والبريطانية في كل مرة الى إخلاء واخفاء كل دباباتهم ومركباتهم المدمرة وكل خوذهم الخالية لرأيت لهم نصبا في كل ساحة وميدان في العراق. بثينة الناصري