الجهاد الأفغاني: عندما ينقلب السحر على الساحر

بانكوك - من روب كنيدي
ريغان في العام 1987 عندما استقبل يوسف خالص أحد قادة المجاهدين الأفغان

العام 1985 الحرب الباردة بين القوتين الاعظم في العالم في ذروتها على نحو غير مفهوم. الجيش الاحمر يغوص في مستنقع حرب عصابات بعد احتلاله أفغانستان قبل خمس سنوات.
ويتذكر المحاضر إقبال أحمد الذي كان يتحدث في جامعة كلورادو عام 1998 "كان ثمة رجال ملتحون ذوو نظرة شديدة البأس يضعون عمامات على رؤوسهم ويبدون كما لو أنهم قد جاءوا من قرن آخر".
ويتابع "الرئيس (رونالد) ريجان استقبلهم في البيت الابيض. وعقب المقابلة تحدث إلى الصحافة. أشار بيديه نحوهم وقال هؤلاء هم المعادل الاخلاقي للاباء المؤسسين لامريكا".
ويقول أحمد "كانوا المجاهدين الافغان .. كان السيد ابن لادن قبل سنوات قلائل فقط المعادل الاخلاقي لجورج واشنطن وتوماس جيفرسون".
وصار أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة أسماء مألوفة منذ هجمات 11 أيلول/سبتمبر عام 2001 ولكن من أين جاءوا ولماذا هذه الكراهية القاتلة لامريكا؟.
يقول البروفيسور روهان جوناراتنا من معهد سنغافورة للدراسات الاستراتيجية إن المجاهدين الافغان الذين هزموا السوفيت في أفغانستان يشكلون نحو خمسة في المائة من تنظيم القاعدة.
وأضاف جوناراتنا مؤلف كتاب "داخل القاعدة" أن "لب قيادة القاعدة فحسب التي حاربت السوفيت. وجميع المقاتلين تقريبا تدربوا على يد هؤلاء الذين حاربوا في الحقبة السوفيتية".
ويقول الصحفي الاسترالي جون بيلجر إن مستشار الامن القومي الامريكي الاسبق زيجنيو برجينسكي حث الرئيس الامريكي آنذاك جيمي كارتر على دعم المجاهدين الافغان ووافق كارتر وقدم لهم 500 مليون دولار عام 1979.
وكتب بيلجر في صحيفة الجارديان البريطانية يقول "كان الهدف دفع موسكو للسقوط في الشرك الافغاني. وعلى مدى 17 عاما صبت واشنطن أربعة مليارات دولار في جيب بعض من أكثر الرجال وحشية وقسوة في العالم بهدف عام هو إجهاد واستنزاف ثم - في نهاية الامر- تدمير الاتحاد السوفيتي في حرب عقيمة".
وبدأت حرب تجنيد شملت العالم الاسلامي بأسره. وفي الفترة بين عامي 1986 و1992 دربت المخابرات الامريكية (سي.آي.إيه) والمخابرات البريطانية إم.آي-6 عشرات الآلاف من المتشددين الاسلاميين في باكستان حسبما كتب بيلجر.
ويتابع "تلقى قادتهم التدريب في معسكر تابع للمخابرات الامريكية في فيرجينيا. وسميت هذه العملية عملية "الاعصار" واستمرت طويلا بعد انسحاب السوفيت (من أفغانستان) عام 1989".
وبعد هزيمة واحدة من القوتين الاعظم في العالم كان قرار ما يسمى "الافغان العرب" بمواجهة الاخرى عام 1990 بعد غزو الرئيس العراقي صدام حسين للكويت.
وعرض أسامة بن لادن - الذي كان قد عاد إلى وطنه (السعودية) بعد تطوعه للجهاد ضد السوفيت حشد جيش المجاهدين في الحرب الافغانية للدفاع عن بلاده ضد قوات صدام حسين.
ويقول الصحفي الباكستاني أحمد راشد إن الملك فهد رفض العرض وبدلا من ذلك دعا الجيش الامريكي لدخول أكثر أراضي العالم الاسلامي قداسة الامر الذي أثار هلع ابن لادن.
وبينما كانت السعودية حليفا للولايات المتحدة منذ الثلاثينات فإن تمركز قوات أمريكية في مكة والمدينة كان بمثابة تدنيس للاراضي المقدسة لم يكن لاسامة بن لادن ولا لكوادره الاسلامية أن يتقبله.
وعندما صارت القواعد الامريكية العسكرية في السعودية قواعد دائمة بعد طرد صدام حسين من الكويت عام 1991 ولد تنظيم القاعدة. وصار ابن لادن والمجاهدون العرب الافغان - الذين سلحتهم ودربتهم ومولتهم الولايات المتحدة ذات يوم- يوصفون من قبل المخابرات الامريكية بـ"العواقب السلبية الاسلامية غير المقصودة". وبدأت الحرب المقدسة ضد أمريكا.
وفي 22 شباط/فبراير عام 1998 أصدر ابن لادن فتوى دعا فيها لشن هجمات ضد جميع الامريكيين بمن فيهم المدنيون وأعلن تشكيل "الجبهة الاسلامية العالمية للجهاد ضد اليهود والصليبيين" بالاتحاد مع جماعات اسلامية من مصر وباكستان وبنجلاديش.
وقالت الفتوى "على مدى أكثر من سبع سنوات تحتل الولايات المتحدة أقدس الاماكن الاسلامية -شبه الجزيرة العربية - حيث تنهب ثرواتها وتملي على حكامها وتهين شعوبها وتروع جاراتها وتحول قواعدها إلى رأس حربة تنطلق منها لمحاربة الشعوب الاسلامية المجاورة".
وحذر ابن لادن في وقت لاحق من أن "أمريكا تفرض نفسها على الجميع .. اتركونا وشأننا وإلا ستجدونا في نيويورك وواشنطن".
ويطالب تنظيم القاعدة كل الامريكيين - العسكريين منهم والمدنيين - بمغادرة العالم الاسلامي كله. كما يطالب ابن لادن الولايات المتحدة بوقف دعمها لاسرائيل في صراعها مع الفلسطينيين".
ويقول الصحفي والاستاذ بجامعة ميتشجان لورانس نيتاك "على مدى العامين الماضيين يتساءل الامريكيون - ورئيسهم - لماذا يكرهوننا لكنهم لا يريدون أن يستمعوا إلى الاجابة والتي تكمن - في جانب منها - في أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة الغارقة بالدماء".
ويرى ابن لادن في معاملة المدنيين العراقيين جريمة ضد الاسلام بعد فرض العقوبات الاقتصادية "المهلكة" خلال التسعينيات.
لكن قادة "الحرب ضد الارهاب" التي تقودها أمريكا يرون الخلاف مع تنظيم القاعدة من منظور آخر.
ويقول ديك تشيني نائب الرئيس الامريكي "هذا العدو بلا أراض ولا يدافع عن سكان ولا تحكمه قواعد الحرب ولا يحترم القانون الاخلاقي".
ويضيف "عدو كهذا لا يرتدع ولا يمكن احتواءه أو استرضاؤه أو التفاوض معه. يمكن فحسب تدميره وهذه هي المهمة المتاحة أمامنا".
وقبل وفاته عام 1999 قال الباكستاني إقبال أحمد - الذي التقى ابن لادن في الثمانينات "الولايات المتحدة بذرت في الشرق الاوسط وجنوب آسيا بذورا شديدة السمية. ثمة حاجة إلى التساؤل عن السبب في بذر تلك البذور وعن الشيء الذي نما وكيف سيحصد. إن الصواريخ وحدها لن تحل المشكلة".