عصافير كثيرة بحجر واحد

بقلم: عصام البغدادي

كانت صحيفة "واشنطن بوست" قد اشارت في السابع عشر من سبتمبر عام 2001، أي بعد 6 أيام فقط على الهجمات التي استهدفت مركز التجارة العالمي والبنتاغون، ان الرئيس الاميركي جورج بوش وقع على نص مكتوب من صفحتين يتضمن خطة الحرب على أفغانستان.
وظهر في الأسطر الأخيرة من هذه الوثيقة ما هو أشبه بأمر للبنتاغون لبداية التخطيط للحرب على العراق. هذه التعليمات الرئاسية السرية كللت بالنجاح مساعي المحافظين الأميركيين المستمرة منذ عدة سنوات بالترويج لفكرة الإطاحة بنظام صدام حسين لدى الرأي العام الأميركي.
وترددت هذه الفكرة للمرة الأولى منذ خمس سنوات على غلاف المجلة الأميركية المحافظة "ويكلي ستاندارد" حيث كتبت: على صدام أن يتنحى، وكيف السبيل إلى ذلك. وتضمن هذا العدد من المجلة مقالين بشأن إسقاط نظام صدام حسين كتبهما موظفان كبيران في إدارة بوش الحالية هما: زلماي خليل زاده الذي يحتل حاليا منصب مبعوث البيت الأبيض للعلاقات مع المعارضة العراقية وبول فولفوفيتس نائب وزير الدفاع الأميركي.
وفي بداية عام 1998 تم توجيه رسالة مفتوحة إلى الرئيس بيل كلينتون تدعوه مباشرة لتنفيذ استراتيجية إزاحة نظام صدام حسين عن السلطة (والتي أسفرت عن صدور قانون تحرير العراق كغطاء قانوني لتمويل فصائل من المعارضة العراقية التي ترقد تحت الجناح الاميركي بمبلغ 95 مليون دولار ولم يكن بالامكان اصدار القانون تحت تسمية –قانون احتلال العراق). ووقّع على هذه الرسالة 8 أشخاص يشغلون حاليا مناصب رفيعة في إدارة بوش بما في ذلك وزير الدفاع دونالد رامسفيلد. ويرى هؤلاء السياسيون أن قلب نظام صدام حسين ليس هدفا بحد ذاته بل هو يفتح الباب وحسب للفرصة التاريخية المتاحة من اجل إعادة ترسيم خارطة الشرقين الأوسط والأدنى عموما لصالح الولايات المتحدة.
وهذه الخارطة الجديدة للمنطقة مدعوة لتحقيق مهمتين استراتيجيتين للولايات المتحدة: السيطرة على منابع النفط وتدفقاته وضمان التفوق العسكري الإسرائيلي في المنطقة. وتتضمن هذه الأهداف الجيوبوليتيكية السيطرة على قدرات العراق النفطية واحتمال تقويض منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) والتى تحمل الادارات الاميركية المتعاقبة أشد جوانب العداء لها منذ عام 1973 بالاضافة الى إزاحة النظامين السوري والإيراني بالقوة أو عن طريق المؤامرات الداخلية. ففي اجتماع مثير بإدارة اتحادات النفط الأميركية رتّب من قبل أحمد الجلبي، زعيم المؤتمر الوطني العراقي المعارض أنذاك، قال انه مع وصوله إلى السلطة فانه سيفضّل تشكيل ائتلاف نفطي عالمي جديد بقيادة الولايات المتحدة بدلا من الأوبك.
بعد رفع العلم الأميركي فوق بغداد ستبدأ محاولة إزالة التهديد الباقي لإسرائيل في المنطقة، وهذا يعني التعاطي مع النظامين السوري والإيراني. وقد عبر عن ذلك ريتشارد بيرل، الذي يشغل حاليا منصبا مؤثرا كعضو في الجنة السياسة الدفاعية في البنتاغون (كان يرأسها حتى وقت قريب)، عندما قال "تلك ستكون بداية النهاية للنظام الإيراني." ومما يثير الدهشة تقييم منظري إعادة رسم خارطة المنطقة وفقا للمصالح الأميركية لردّ الفعل العربي. وبهذا الصدد يكتب مايكل ليدن في مقالة بصحيفة "وول ستريت" تحت عنوان "الحرب التي لن تنتهي في بغداد" قائلا: انه إذا ما وصلنا إلى بغداد ودمشق وطهران كمحررين، فاننا سنكون موضع ترحيب عظيم من قبل السكان غير أن الحرب الأميركية ومحاولة إعادة رسم خارطة المنطقة لخدمة المصالح الأميركية ستجلبان غضبا عظيما في العالمين العربي والإسلامي، وربما تكلّفان الجيش الأميركي وجيش الحلفاء الكثير من الدمّاء. لكن هذا الاستنتاج او التفاؤل الغير واقعى ظهر خطأه جليا. فلم يرحب السكان في العراق بالاميركيين بالزهور والاعلام الاميركية وصدق في شطره الثاني التالي فقط.
لنعود عاما الى الوراء ونتطرق لوثيقة الدكتور ماكس زينغر مؤسس معهد هدسون للدراسات الاستراتيجية والسياسية في واشنطن والتي قدمها امام محفل هام من رجال السياسة والفكر والقرار في اسرائيل ضمن برنامج ثري لمؤتمر "هرتزليا" في دورته الثالثة والذي حمل عنوان "الاجواء الاستراتيجية الجديدة .. تحديات المرحلة الحالية". وقامت صحيفة معاريف الاسرائيلية بنشرها في عددها الصادر في 1/12/2002، وتعرضت له مجلة المشاهد في عددها رقم355.
يعرض الدكتور ماكس زينغر في تحليله لمنطقة الشرق الاوسط والتركيز على سيناريوهات السيطرة على المستقبل فيها حتى لا تتفاجأ الولايات المتحدة بحدث او تطور هي لم تكن طرفا مساهما ومخططا فيه وبالتالي لا تضمن عواقب تلك الغفوة عن هذه المنطقة ذات العمق الاستراتيجي لشكل القوة في العالم. ويرسم زينغر خطة من عدة مراحل لاعادة ترتيب منطقة الشرق الاوسط وتأهيلها للتعايش مع ذاتها ومع العالم الغربي فيشير في الوثيقة التي يعتقد انها باتت بيد راسمي القرار في جناح الصقور بالادارة الاميركية. وتلخص الخطة او مراحلها حربا محتملة ضد الاسلام الكفاحي، ولننظر الى بعض ملامح الخطة:
المرحلة الاولى: العمل على إزاحة الرئيس العراقي صدام حسين. وفي هذا المجال يتبنى زينغر اطروحات بعض النافذين في الكونغرس وفي جناح الصقور الحالي الذين يدعون الى جعل المؤتمر الوطني العراقي البديل الامثل لنظام الحكم في بغداد.
المرحلة الثانية: مطالبة الولايات المتحدة دمشق بسحب القوات السورية من لبنان والعمل على تقليل وإلغاء اي تأثير سوري على القرار اللبناني ومنع دمشق من التدخل في امور لبنان وكبح تنامي دور حزب الله وتخفيف منابع وسواقي الدعم له لسهولة القضاء عليه بعد ذلك .
المرحلة الثالثة: تولي الغرب مهمة الضغط على سوريا واليمن وليبيا لاجبار هذه الدول على طرد ما يسميه بـ "المنظمات الارهابية" العاملة على اراضيها من خلال الوسائل الدبلوماسية والسياسية والقوة ان لزم الامر، وهو ما سيمكن العالم من تقليل عدد المنظمات الارهابية الدولية وتقليل فرص تعاونها واندماجها او نمو قوتها.
المرحلة الرابعة: البدء باتباع خطوات اساسية لفرض حل للصراع العربي الإسرائيلي.
ويقترح زينغر عدة مبادئ لانهاء الصراع
اولا: حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين من خلال اعادة توطينهم (اما في الاردن او العراق او كلاهما).
ثانيا: حظر الارهاب والحيلولة دون قيام نوع من التنسيق او التعاون بين النظم الديكتاتورية وبين الإرهابيين او المنظمات الارهابية (تطويق حماس والجهاد ومحاولة ضرب القوى الوطنية الفلسطينية ببعضها).
ثالثا: تشجيع التعددية في اوساط الفلسطينيين للانقسام والفرقة وليس التنوع والاثراء.
رابعا: الاصرار على وجود حدود واضحة وآمنة لاسرائيل ـ ودولة فلسطينية تقوم على سلطة فلسطينية ملتزمة بأمن اسرائيل . ولم يتطرق للمستوطنات ولا الى حق العودة الى حدود 1967 ولكنه يفترض انه سيكون من الممكن اخضاع الفلسطينيين حتى الوصول للحل كما سيفعلون في العراق وايران.
خامسا: العمل بكل الطرق الممكنة على تخفيض التهديد الذي يواجهه الغرب وهنا ينصح ويرجح مبدأ التركيز على تعزيز الرؤية القائلة بان الغرب اقوى من ان يهاجم (انا على قناعة من ان هناك حاجة لخطوة قوية تحول دون انتشار الاسلام المتطرف في العالم العربي، ورؤيتي هي ان خطر هذا الاسلام جدي يفوق امكانية خوضنا للمخاطر بصدده. فالاسلام يشكل 20 في المائة من سكان العالم، وامكانية خروج الامور عن نطاق السيطرة عديدة . كما ان الغرب ضعيف الحصانة امام الارهاب).
وفي خضم المواجهات الحالية التي تخوضها اطراف وخلايا اسلامية تابعة لتنظيم القاعدة ومنظمات متطرفة اخرى قرر زينغر ان التهديد الحالي ضد اميركا يأتي منظمات تحصل على دعم كبير من الحكومات كما هو الحال مع السعودية وجمعياتها ومنظماتها الاسلامية والخيرية ومن هنا تأتي اهمية مهاجمة قاعدة الارتكاز وهو يؤكد حتى لو نجح الغرب في قطع الصلة بين دول مثل سوريا وايران وبين الارهاب الا ان تنظيماته ستجد اشخاصا من القطاع الخاص يكونون على استعداد لايقافه على رجليه وهو في هذا يعود الى تشبيه الحرب بين اميركا والاسلام المتطرف بالحرب الباردة والتي ما زالت مسيطرة على عقول نفر ليسوا بالقليل من مقدمي الرأي والمشورة في احداث عالم ما بعد 11 سبتمبر.
للمثقفين العراقيين الذين لا يزالون يؤمنون ويروجون لمفهوم واحد ان الولايات المتحدة جاءت لتحرير الشعب العراقي وليس لاحتلال العراق (حتى وان كان بقاءها لأمد محدد تنسحب منه شكليا فهو احتلال قصير تمنح فيه سلطات الاحتلال لنفسها كل ماتشاء من صلاحيات) اقول: لماذا ترفض الولايات المتحدة تحديد موعد للانسحاب حسب رغبة الشرعية الدولية وهي التي ادعت انها ذهبت للعراق بناءا على ارادة تلك الشرعية؟ واجيب: لانها حتما لا تريد الانسحاب المبكر قبل تجيير كل موارد وطاقات العراق لخدمة مصالحها وطموحاتها بالسيطرة على منطقة الشرق الاوسط قلب العالم جغرافيا وبوابته الواسعة الى كافة الارجاء الاخرى.
يبدو انهم لا يقرأون ما يكتبه شرفاء امريكا من حقائق تكشف اكاذيب البيت الابيض يوما بعد يوم والاكاذيب التي روج لها بوش بلا خجل لتبرير الهجوم على العراق واحتلاله وراح يتراجع عن هذه الاكاذيب يوما بعد يوما حفاظا على حد مقبول من مصداقيته للمناورة والاستفادة منها في الانتخابات القادمة. ودعوني هنا اردد ما قاله اخر زعماء الاتحاد السوفيتى المنهار – غوربوتشوف- في اخر لقاء معه يوم 7 اكتوبر في صحيفة غلوبل فيوبوينت "انه الوقت الذي يحتاج العالم فيه الى قادة يفكرون بالاجيال القادمة وليس الانتخابات القادمة."
لماذا لا تريد هذه النخبة من المثقفين أن لا تصدق بما لم يعد ينطلي على الشعب الامريكي نفسه؟ نفوا وجود اسلحة وعلاقة بالارهاب وهاهم عاجزون كل العجز عن فرض الامن والاستقرار في ارض الرافدين لان همهم الاساسي هو التخطيط لامتصاص نفط العراق لسنوات عديدة قادمة. ماذا ستقدم لنا امريكا التي هي الشريك الفعلي مع نظام صدام حسين في تدمير العراق وتحطيم حقوقه منذ دفعته ودعمته في حربه مع ايران- الخميني؟ ان كل الاحداث التي استغرقتها العشرين عاما الماضية كان مبعثها الاساس استمرارية تدفق النفط بعد ان دقت اوبك جرس الانذار باستخدام الحرب كسلاح مضاد بعد حرب 1973. ثم جاءت مرحلة السيطرة على العراق مفتاح المنطقة لتغرس الولايات المتحدة بذلك التواجد اسفيناً قاتلا بين كل من سورية وايران وهي بداية السيطرة كذلك على الخط الذري الممتد من اسرائيل –العراق-ايران-باكستان-الهند- وصولا الى كوريا الشمالية.
هل جاءت اذن الولايات المتحدة لتحرير العراق وهي التى كان بامكانها ان تفعل ذلك في عام 1990؟ الحقيقة ان بوش الاب اكثر دهاء وذكاء من ابنه لان دخوله العراق في عام 1990 واسقاطه النظام لن يوفر له غطاء معقولا للبقاء على الارض العراقية. وكان هدفه المعلن هو تحرير الكويت وليس اسقاط صدام حسين، ولو فعل بوش الاب ذلك لفاز بالفرصة التاريخية التي قد تجعل العراقيين يستقبلون القوات الاميركية كمحريين كما أضاع صدام حسين الفرصة التاريخية في استعادة الكويت –الجزء السليب من العراق- والتي كان ينبغي ان ينفذها متزامنة مع دخول الاتحاد السوفياتى الى افغانستان عام 1980 حيث كانت الظروف الدولية مهيأة لمثل تلك الفرصة لكنه أثر ادانة التدخل السوفيتي وشن الحرب على ايران. كما آثر بوش الاب ان يتفق مع صدام حسين في نهاية حرب الخليج الثانية ويستبدل الاستراتيجبة الاميركية الى فرض العقوبات التي انهكت العراقيين خلال 13 سنة وخلخلت بنية المجتمع العراقي واصابت البنية التحتية المدمرة اساسا في الحرب بالشلل التام والتي ساعدت الولايات المتحدة اضافة الى مناطق الحظر الجوي ومنع الرحلات من الوصول الى هدف احتلال العراق بسهولة ويسر وبأقل التكاليف. * عصام البغدادي، كاتب عراقي مقيم في تايلاند
مدير تحرير المجلة العلمية العراقية www.iraqisciencejournal.com