ماكروبيوتيك: دعوة للعودة للطبيعة من أجل صحة الإنسان

لندن - من آزاد يونس
في الأرض ومنتجاتها الطبيعية يكمن سر الحياة الطويلة

كثيرا ما يرد مصطلح "ماكروبيوتيك" في وسائل الإعلام من صحافة وإذاعة وتلفزيون، متزامنا مع زيادة التوجه العالمي للطب الطبيعي البديل وتقنياته التي تُعنى بشؤون التغذية والغذاء انطلاقا من أن "المعدة بيت الداء"، في ظل الموجات المرضية المتدفقة وارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض المزمنة، وخصوصا أمراض القلب والسكري والبدانة والسرطان.
استعملت كلمة "ماكروبيوتيك" في اليونان القديمة، وذلك بمعنى فن الصحة وطول العمر من خلال العيش بتناغم مع البيئة، وكان أبقراط أول من أطلقها، ومن ثم تمّ تطويرها لاحقا على يد جورج وليما اوشاوا، وميتشيو وايفلين كوشي وكثير من المعلمين اليابانيين والأوروبيين والأمريكيين.
فقد أعاد الفيلسوف الياباني جورج أوشاوا استعمال هذه الكلمة في العصور الحديثة، بغية تصوير طريقة الحياة الصحية وإعطائها مظهرا حيويا يشعر به الشخص الذي يتمتع بصحة جيدة، والتأكيد على أهمية العودة إلى الطبيعة في كل شيء والتركيز على الأغذية النباتية، وأمضى القسم الأكبر من حياته وهو ينشر فلسفة الماكروبيوتيك ساعيا إلى إصلاح الأنظمة الغذائية في كل أنحاء العالم، وواصل أصدقاؤه وتلاميذه عمله هذا منذ وفاته في أوساط الستينات.

تعريف"الماكروبيوتيك"

يتألف هذا المصطلح من مقطعين، "ماكرو" وتعني الضخم أو العظيم أو الطويل، و"بيو" وتعني الحياة .. وهاتين الكلمتين معا تعنيان الحياة الطويلة، ويُفسَّر بعبارة أخرى، أن النظام الغذائي المناسب، يتيح للإنسان فرصة أن يحيا حياة عظيمة مليئة بالمغامرات والحرية والابتكار.
ولا يقوم النظام الغذائي الماكروبيوتيكي على نظام غذائي محدد، لأن الأنظمة الغذائية المتبعة بين شخص وآخر تتفاوت، فكل إنسان يتميز عن الآخر، ويعيش في بيئة مختلفة، ولديه احتياجات متعددة، ويمارس عملا مختلفا، ولكنه يأخذ بعين الاعتبار تطور الإنسانية وعلاقة الإنسان بالبيئة وحاجاته الشخصية، فهو ليس نظاما وقائيا يهدف إلى الحفاظ على صحة جيدة وخفض نسبة الإصابة بالأمراض فقط، بل يستخدم أيضا كطريقة علاجية لكافة المرضى الذين يرغبون باستعمال الطرق الطبيعية للشفاء.
ويعتمد هذا النظام كطريقة غذاء وحياة تراعي قوانين الكون السبعة في التوازن، على تحديد الأغذية التي يتوقع أن تكون مفيدة للإنسان، والابتعاد عن الأنواع الضارة التي تسبب الأمراض، ويمكن للأشخاص المرضى والأصحاء استخدامه، فالمرضى يستخدموه رغبة في الشفاء بإذن الله، والأصحاء رغبة في حيوية ونشاط دائم ووقاية من الأمراض، كونه ليس نظام أكل وحسب، بل هو طريقة حياة، وقد نجح في علاج الكثير من الأمراض المستعصية كالسرطان، والإيدز وأمراض القلب وغيرها.
ويتكون الجزء الأساسي من الغذاء الماكروبيوتيكي من الحبوب والحنطة، ويكمله الخضار والبقوليات وقليل من السمك وثمار البحر والفواكه المحلية، ولا يحبذ هذا النظام تناول اللحوم إلا في الحالات النادرة، لأنه يعتبرها سبب لكثير من الأمراض ويؤكد أن السكر هو العدو الأول للإنسان.
وبصورة عامة يعتبر الماكروبيوتيك نظام غذائي بسيط يدعو للرجوع للطبيعة والابتعاد عن الأطعمة المحضّرة والمصنعة، ويؤكد أن على كل إنسان أن يأكل من بيئته حسب المواسم والحالة الصحية، فابن الاسكيمو يعيش على السمك، وابن الصحراء يعيش على الغلال والبقوليات والخضار والتمر وقليل من المواد الحيوانية الطبيعية.
وبالرغم من أن مبادئ الطعام الماكروبيوتيكية تمارس في عدة حضارات تقليدية، إلا أن الأساس الفلسفي للماكروبيوتيك يبقى دراسة التغير، ومبادئ النسبية، أو الين واليانغ (الأنثى والذكر)، على وجه الخصوص، وهي أساس كل الفلسفات الشرقية والثقافات والفنون والطب.
وقد شكّل نظام الماكروبيوتيك في العقود القليلة الماضية، الدافع الأساسي للتغيرات الحالية في كثير من نظم الحياة وأساليبها لاسيما فيما يختص بالتغذية، فقد عرّف بالزراعة العضوية وساعد على انتشارها، وركز على الأغذية الطبيعية الكاملة كالحبوب الكاملة مثل الأرز الأسمر والقمح الكامل (النخالة)، والشوفان والحنطة السوداء ومشتقات فول الصويا كالميزو والتوفو والشويو (صلصة الصويا)، والخضار الطازجة، إلى جانب الطحالب البحرية كالنورى والكومبو وأعشاب بحرية أخرى، وأخيرا التوابل والمنكهات والوجبات الخفيفة والمشروبات الصحية.

النظرة الفلسفية للماكروبيوتيك

بُنيَت الفلسفة الأصلية لمصطلح (حميات المايكروبيوتيك ) على آراء طبية صينية قديمة تعني التوازن ما بين عناصر الطاقة والصفات الحيوية الكامنة في الجسم مما يؤدي إلى النهوض بالصحة وتطويرها.
وينظر هذا النظام للإنسان على أنه جزء مما حوله من أرض وسماء يؤثر بها وتؤثر به، وهو ليس مفصولا عما حوله، بل معتمد على الشمس والهواء والماء والأرض والنار ويرتبط بها ويتناولها عن طريق النبات والهواء والماء.
وتكمن نظرة الماكروبيوتيك في أن الصحة تعتمد على ما نأخذه ونتناوله من البيئة المحيطة بنا، ولكن الإنسان قد لا يكون له السيطرة على بعض العناصر كالهواء، ولكنه يستطيع السيطرة على عناصر أخرى، كاختيار ما يأكل ويشرب.
ويعتبر الغذاء العامل الأساسي المؤثر في صحة الإنسان وسعادته، وعليه، فإن الماكروبيوتيك يشجع على التوازن والتناغم بين الين واليانج (الأنثى والذكر)، والمحافظة عليه من خلال تناول الغذاء الصحي، مما ينعكس إيجابيا على الصحة، بمعنى أن المرض ينشأ من عدم تناول الغذاء المتوازن، فهو إما يميل كله إلى الين أو يميل كله إلى اليانج، وهو ما يفسر الأمراض المزمنة بأنها ناتجة من عدم التوازن لمدة طويلة.
وبالتالي، فإن الاعتماد على الغذاء الطبيعي في تنمية أجسادنا وعقولنا، بروح من الشكر والعرفان، يساهم في الحصول على صحة جيدة ومجتمع أفضل.

الغذاء المتوازن من وجهة نظر الماكروبيوتيك

يعتمد مبدأ الغذاء الماكروبيوتيكي على أن الإكثار من استهلاك الإنسان للمنتوجات النباتية والإقلال من المنتوجات الحيوانية يفيد صحته، لذا فهو يتألف من 50 - 60 في المائة حبوب وغلال، و 25 - 30 في المائة خضار، ويجب أن تنبت في المناطق القريبة وتؤكل في موسمها وطبيعية، وأن يتم طهي ثلثيها على البخار أو في الفرن، أما الثلث الباقي فيؤكل نيئا أو سلطات، و 5 في المائة حساء يحتوي على الميزو أو تماري، وأن لا يكون مالحاً ويتكون من أعشاب بحرية وخضار وفاصوليا وحبوب مع تنويع وصفات التحضير دائماً، و 5 - 10 في المائة بقوليات كالأزوكي والحمص الأخضر (إم قليباني)، والعدس والصويا والفاصولياء السوداء على أن تستعمل أنواع الفاصولياء الباقية قليلاً، وأعشاب البحر التي يجب أن تحضر بعدة طرق ويمكن أن تزين باعتدال بالتماري أو الملح البحري، إضافة إلى المشروبات، كالشاي والقهوة الهندية وقهوة الحنطة، والزهورات التي يجب أن تحتوي على أي عطر أو تحتوي على أي مفعول منبه، وبهذا تكون المحصلة ما يقارب 73 في المائة من الكربوهيدرات، و15 في المائة من الدهون، و12 في المائة من البروتينات، ويمكن أن يزاد عليه تناول مرة أو مرتين في الأسبوع كمية صغيرة من السمك ذي اللحمة البيضاء أو بعض الصدف، بحيث يكون مجموع السمك أقل من 15 في المائة من الوجبة.
كما يجب أن تتغير طريقة الطهي كل أسبوع، وباستخدام الزيت النباتي مثل السمسم والذرة وبكميات قليلة، وأن يكون الملح بحرياً وغير مكرر، وإضافة الفاكهة المطبوخة إلى الغذاء مرتين أو ثلاث مرات في الأسبوع، بشرط أن تأتي من المناطق المحيطة بنا وتؤكل في موسمها.
وتختلف نوعية هذا الغذاء من منطقة إلى أخرى، بحسب مبادئه التي تؤكد ضرورة أن يتواءم الإنسان مع البيئة المحيطة به، لذا يجب أن يكون أكل الإنسان من ما حوله، فالشخص الذي يعيش في المناطق الحارة لابد أن يكون أكثر ميلا إلى الين (الأنثى)، أي باستهلاك النباتات المتكيفة مع البيئة الحارة وبصورة طبيعية، كالفواكه الاستوائية التي لها مفعول مبرد على الإنسان، لذا فهي الأفضل للمناطق الحارة والعكس للباردة، أما الإنسان الذي يعيش في شمال أوروبا، فيجب أن لا يأكل منها.
ويؤكد خبراء الماكروبيوتيك ضرورة عدم تناول الفواكه في غير مواسمها، لأنها مرشوشة بمواد كيماوية محفوظة وتكون غير ناضجة، والابتعاد عن الباذنجان والبطاطا، فهي من نباتات الين المتطرفة جدا، وإن كانت من نباتات المناطق الحارة، وخصوصا لمرضى السرطان، والتقليل من الأغذية الحيوانية في المناطق الحارة (الأسماك)، وتركيز غذاء الصيف على الخضراوات كالخس والبازلاء الخضراء ذات التأثيرات المبردة.
أما الحبوب، فتعتبر متوازنة، لأنها بين الين واليانج، لذلك تؤكل حول العالم وفي كل الفصول، ولكن عند السفر إلى مناطق أخرى في العالم، فلابد من التكيف على أكل الطعام الخاص بتلك المنطقة، فالسفر للإسكيمو مثلا، يحتاج إلى أكل الأسماك المليئة بالدهون، وأكل الكاري في الهند، والتمر في الخليج والجزيرة العربية، وهكذا.
وأوضح الخبراء أن حاجات الأفراد من الغذاء تختلف من شخص إلى آخر، فالأشخاص الذين يقومون بأعمال بدنية كالزراعة أو العمال، يحتاجون إلى غذاء يانج (ذكر)، أكثر لمقابلة هذا الجهد البدني، في حين يحتاج الأشخاص الذين يقومون بأعمال ذهنية كالكتابة والرسم، إلى أغذية ين (أنثى) أكثر لتقابل الجهد الذهني المبذول.
وتكون قوى (ين/أنثى)، قوة نابذة تسبب التوسع والشعور بالبرودة تماما كما يحدث في السلق والبقدونس والخس وورق الزهرة، وقوى (يانغ-ذكر)، قوة جاذبة تسبب الانقباض والشعور بالدفء تماما كما يحدث في الزيتون والفجل والكوسا واللفت والجزر.
ويمكن تصنيف الأمراض أيضا حسب أعراضها كذكر أو أنثى، ومعرفة أعراض المرض وخصائص كل نوع غذاء، يمكن عندئذ استعمال هذه الأغذية للشفاء من المرض بدون أدوية، ويصبح كل شخص حكيم نفسه.