بغداد والضفة الغربية: تشابه في الاحتلال والحواجز!

بغداد - من لمياء راضي
نقطة الاختلاف الوحيدة، زي الجنود وعرباتهم

"اهلا بكم في الضفة الغربية على نهر دجلة" بهذه العبارة يستقبل سكان حي التشريع المحاصرون في وسط بغداد الزوار النادرين الذين يتمكنون من عبور جدران الاسمنت المسلح التي شيدتها القوات الاميركية لحماية مقرها العام والتي يرى فيها سكان بغداد تجسيدا "للنموذج الاسرائيلي" الامني في الضفة الغربية.
وكجبل من الحديد انتصبت دبابة من نوع ابرامز مشرعة مدفعها عند مدخل الرواق المشيد من الاسمنت الموصل الى الجسر المعلق الذي كان الى وقت قريب مفترق طرقات مزدحم.
ويتم تفتيش سكان الحي لدى عبورهم من قبل مركز مراقبة. ويمر المشاة بوتيرة بطيئة اثر تفتيش دقيق يقوم به شرطي عراقي تحت انظار جندي اميركي شاب واضعا يده على بندقيته الالية.
ويسود جو كئيب الجيب المزدحم الذي يبلغ اتساعه حوالي خمسة كلم مربعة المغلقة بعناية بقطع من الاسمنت المسلح يبلغ ارتفاعها ثلاثة امتار وسماكتها نصف متر.
وفجأة تمر سيارة على عبوة بلاستيك فارغة محدثة صوتا. ويركز المارة والجنود اسماعهم لتبيان ما اذا كان الصوت مرتبطا باطلاق نار ام انه صوت لا خطر منه.
وشاهد السكان الجدران العازلة تشيد منذ ان اقامت القوات الاميركية التي استولت على بغداد في التاسع من نيسان/ابريل الماضي، مقرها العام في قصر صدام حسين المحاذي للحي.
وقال عدي وليد (مهندس 22 سنة) "في البداية كانت مجرد كتل من الاسمنت ثم بدأ السياج يرتفع مع تزايد وتيرة الهجمات على قوات التحالف. وبعيد الاعتداء بسيارة مفخخة الذي استهدف مقر الامم المتحدة (الذي اوقع 22 قتيلا في اب/اغسطس) اصبح الجدار يحاصرنا".
ويقول عدي الذي يسكن هذا الحي المجاور للقصر الرئاسي منذ سنة 1987 "لم نشهد مثل هذه التضييقات حتى في ظل نظام الديكتاتور الدموي".
وقد حصل كل ساكن منذ اكثر من عشر سنوات على شارة من الجيش الاميركي ليتمكن من دخول الحي الذي يفرض عليه حظر تجول تام بين التاسعة ليلا والسادسة صباحا.
ويضيف عدي "لم تعد هناك حياة اجتماعية واصبح الذهاب الى المدرسة يشكل عذابا يوميا".
وفي مدرسة الحي الابتدائية "القادسية" لم يداوم الا نصف المدرسين ولا يحضر الا نصف التلاميذ.
وتقول ام صالح (49 سنة) "عندما تقع مظاهرات امام المدخل الثاني للقصر الذي يقع خارج الجيب المحاصر يمنعنا الجنود من الدخول او الخروج".
وسارت مع ابنتها ديما (18 سنة) مشيا مسافة كيلومتر من مركز المراقبة الى المنزل لكسب الوقت. وتم تفتيشهما جسديا كما فتشت حقيبتاهما من قبل مجندة اميركية. وبقي الزوج في السيارة وعليه قضاء حوالي ساعة ضمن طابور السيارات ليتم تفتيشه والسماح له بالدخول.
وقالت منددة "نحن محبوسون. وفي حين يحاصر الاسرائيليون الفلسطينيين بجدار عازل في الضفة الغربية. فان حلفاءهم الاميركيين يفعلون الشيء ذاته في بغداد".
واضافت وهي تشير الى اكداس من اكياس الفضلات "لم يعد العمال يغامرون بالمجيء الى هنا. ولم يتم جمع اكياس القمامة او شفط الحفر الصحية منذ شهر ايلول/سبتمبر".
وترتفع مثل هذه الاسوار في مختلف مناطق بغداد. واقيمت حواجز الاسمنت امام مداخل الفنادق والسفارات والاحزاب السياسية لكن دون محاصرتها بالكامل كما هو حال حي التشريع.
وقطع شارع ابو نواس الشهير وسط العاصمة العراقية بكتل من الاسمنت اقيمت لتأمين مكاتب الامم المتحدة.
وراى سكان وتجار ان هذه الحواجز تلفت الانتباه اكثر مما تحمي اضافة الى انها تقضي على العمل التجاري.
ويقول محمد علي الكناني مدير شركة البحرين للمنتجات البلاستيكية "تراجع رقم معاملاتنا بنسبة 50 بالمئة لان هذه الاجراءات تزعج الزبائن والشركاء وتمنع شحن البضاعة من امام محلاتنا".
ويضيف "كان هذا المكان الموقع الاكثر شاعرية في بغداد وتحول الان الى ضفة غربية بكل ما فيها من مخاطر".