مليباري وبلابل العرب

مراجعة: أحمد فضل شبلول

ليس مصادفة أن يصدر هذا الكتاب "بلابل العرب ـ صور لشعراء من الماضي القريب" لمؤلفه الباحث السعودي عثمان محمد مليباري، متزامنا مع ما ينشره حاليا الشاعر الكبير فاروق شوشة تحت عنوان "عموديون ضد التيار" بجريدة الأهرام.
ذلك أن القلة القليلة من الشعراء، التي تكتب حاليا في الشكل البيتي أو العمودي، في حاجة إلى نوع من المؤازرة والتشجيع، بعد أن تسيَّد عالم النشر الشعري في جميع الأقطار العربية تقريبا، قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر. وكدنا ننسى ـ أو تناسى ـ الشكل البيتي، الذي هو أساس الشعر العربي في القديم والحديث.
وأنا اعتبر أن الشاعر التفعيلي أو الشاعر (النثري) إذا لم يكن على بينة من تراث أمته الشعري سواء في ماضيها البعيد أو ماضيها القريب، فإن الأرضية التي يقف عليها ستكون زلقة، إلى حد كبير.
لذا سررت كثيرا بالكتاب الذي أهداني إياه أخي الباحث السعودي عثمان محمد مليباري، والذي يعد الجزء الأول من مشروعه الكبير الذي ينوي فيه تقديم تراجمه وتعريفاته بالشعراء البيتيين أو العموديين الذين رحل معظمهم عن عالمنا منذ عقود ليست بالبعيدة، وكدنا ننساهم في زحمة أو ضوضاء الحداثة، وما بعد الحداثة، والمغامرات الشكلية الجديدة. فقد كدنا ننسى شعراء من أمثال: أحمد محرم، والتيجاني يوسف بشير، وحسين سراج، وزكي قنصل، وعبد اللطيف النشار، وفهد العسكر، ومحمود أبو الوفا، وهاشم الرفاعي، وغيرهم.
وقد أخذ مليباري على عاتقه الكتابة عن مثل هؤلاء الشعراء، من خلال لمحات إنسانية وفنية سريعة، تفي بالغرض من وراء إصدار كتابه أو موسوعته الشعرية التي أرجو أن تصدر أجزاؤها تباعا ليغطي معظم ـ إن لم يكن كل ـ شعراء العربية الذين قبضوا على جمرة الشعر العربي خلال العقود السابقة.
وأعتقد أن موسوعة مليباري الشعرية تختلف بالتأكيد عن ما تقوم به مؤسسة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري، التي أصدرت ـ من قبل ـ معجما ضخما للشعراء العرب هو "معجم البابطين للشعراء العرب المعاصرين"، وقع في ستة أجزاء، وتعمل حاليا على إصدار "معجم الشعراء العرب الراحلين في القرنين التاسع عشر والعشرين". فمعاجم البابطين تعتمد على سرد معلومات موثقة عن الشاعر ونشر نموذج شعري أو اثنين من قصائده، أما موسوعة مليباري، فإنها تعتمد على الذائقة الفنية للباحث، والتعرض (السريع) لبعض جماليات شعر الشاعر، ودوره الأساسي في إثراء حركة الشعر العربي في الوقت الذي ظهر فيه، مع الاستشهاد أحيانا بآراء بعض النقاد الكبار في هذا الشعر.
وعلى سبيل المثال يورد الباحث ما قاله د. شوقي ضيف عن الشاعر إسماعيل صبري في كتابه "دراسات في الشعر العربي المعاصر"، حيث يقول ضيف: "إن إسماعيل صبري يكثر من النداء في غزله ويكثر من صيغ الاستفهام والسؤال بشكل يؤثر في النفس ويطرب الوجدان".
أو يقول هو ـ أي مليباري ـ عن قصائد الشاعر السعودي الشيخ محمد بن عثيمين: "وقصائد شاعرنا زاخرة بمفردات اللغة الصعبة لدرجة أن بعض القراء يصعب عليهم تحليل معاني أبياتها وإدراك مقاصدها".
ويقول عن الشاعر اليمني القاضي محمد محمود الزبيري: "إنه قاتل بالكلمة الصادقة: الجهل والمرض والفقر والظلم، فشعره اتسم بالجدية والحيوية، فديوانه خال من الغزل والأخوانيات والألغاز والأحاجي والتاريخ الأبجدي".
ثم يورد بعض ما قاله د. عبد العزيز المقالح عن إحدى قصائد الزبيري: "إحساس بالغربة الفاجعة وشعور بأن زمانه الأسود لن يمنحه مهجعا ولا مستقرا إلا في نعشه".
ويقول الباحث عن الشاعر الأردني مصطفى وهبي التل المشهور بعرار: "امتاز شعره بتحسس آلام الشعب ومصائبه المتمثلة في انعدام المساواة بين المواطنين والبطش بالأحرار لمطالبتهم لأبسط الحقوق الإنسانية، كما أن شعره كشف فئات المرابين الذين جمعوا ثرواتهم من دماء المواطنين البسطاء".
مثل هذه الآراء في الشاعر وشعره، نجد معجم البابطين ـ على سبيل المثال ـ خاليا منها. وعلى كل ليست من وظيفة المعاجم ـ عموما ـ إبداء الرأي الفني أو الجمالي في شعر الشعراء، فهذه وظيفة النقاد ومن في حكمهم.
من هنا تأتي أهمية كتاب مليباري، الذي يقول في جملة سريعة رأيا نقديا مهما، يحتاج إلى صفحات عديدة لبسطه وتفنيده، ولكنه كان لابد أن يحافظ على هذا التوازن بين الصفحات المكتوبة عن كل شاعر، بحيث لا يطغى شاعر على آخر في عدد الصفحات المكتوبة عنه إلا في أضيق الحدود. فمعظم الصفحات المكتوبة عن كل شاعر تراوحت في متوسطها بين ثلاث أو أربع صفحات على الأكثر.
وإذا كان كتاب مليباري لا يعد معجما شعريا كما رأينا، غير أنه استفاد من الترتيب المعجمي، في تسلسل أسماء الشعراء، الذي اعتمد على حروف المعجم، فيبدأوه بالشاعر السعودي إبراهيم أمين فودة، وينهيه بالشاعر المصري هاشم الرفاعي. ليصل عدد الشعراء إلى ثمانية وثلاثين شاعرا من عشر دول عربية، أكثرهم من مصر (ثلاثة عشر شاعرا) فسوريا (تسعة شعراء) فالسعودية (ست شعراء) فالكويت، ولبنان واليمن (شاعران لكل دولة) ثم فلسطين والعراق والسودان والأردن (شاعر واحد لكل دولة). ولم نجد شعراء من دول عربية أخرى عديدة مثل دول المغرب العربي (المغرب والجزائر وتونس)، وموريتانيا، وليبيا، والإمارات وقطر والبحرين وعمان. (هل أقول: والصومال؟).
بطبيعة الحال لم يقصد الباحث أن ينتقي هذا العدد لكل دولة على حدة، ولم يقصد أن ينفي شعراء الدول الأخرى التي لم يرد ذكرها في الكتاب، ولكن كما قلت من قبل إن الأمر بالنسبة لمليباري يخضع لذوقه الشخصي والفني، ثم إن هناك أجزاء أخرى ستصدر من موسوعته الشعرية، ربما يكون فيها نصيب لشعراء الدول العربية الأخرى، أو لشعراء آخرين في الدولة نفسها التي سبق أن قدم ترجمات لبعض شعرائها.
وعلى سبيل المثال هناك من الشعراء السعوديين الذين لم يرد ذكرهم في "بلابل العرب": حسين عرب، وحسين سرحان، وعبد الله بن خميس، وعبد الله بلخير، وحمزة شحاته، وغيرهم. وهناك من الشعراء المصريين الراحلين الذين اشتهروا بقصائدهم البيتية أو العمودية الجيدة: عبد المنعم الأنصاري، وعبد العليم القباني، وأحمد مخيمر، وإبراهيم عيسى، وأحمد السمرة، ومحمود عبد الحي، ومنيرة توفيق، وغيرهم. وهناك في اليمن الشاعر عبد الله البردوني، وغيره. وهكذا.
أيضا أهمس في إذن الصديق عثمان مليباري بضروة التخلص من الأخطاء المطبعية الموجودة في صفحات الكتاب المطبوع طباعة أنيقة، وخاصة أخطاء الأبيات الشعرية التي قد تؤدي إلى قلب المعنى، أو تؤدي إلى معنى آخر بعيد عن المعنى المقصود، فضلا عن كسر الوزن.
كما أقترح عليه إثبات تاريخ أو سنة ميلاد الشاعر، وتاريخ أو سنة وفاته (بالهجري والميلادي معا) إلى جوار اسمه، خاصة وأن المراجع والمصادر التي رجع إليها، وهي كثيرة، بها تاريخ الميلاد والوفاة.
والآن إلى قائمة بأسماء الشعراء الذين كتب عنهم الباحث، ليرجع إلى الكتاب من شاء أن يعرف ماذا كتب مليباري عن شاعر بعينه، أو شعراء بأعينهم:
إبراهيم أمين فودة، إبراهيم طوقان، إبراهيم ناجي، أحمد إبراهيم غزاوي، أحمد الصافي النجفي، أحمد محرم، أحمد محمد السقاف، إسماعيل صبري، أنور الجندي، التيجاني يوسف بشير، جليلة رضا، جورج صيدح، حسين سراج، خير الدين الزركلي، رشيد سليم الخوري (الشاعر القروي)، زكي المحاسني، زكي قنصل، شفيق جبري، صالح جودت، عبد الحميد الديب، عبد الله الفيصل، عبد الله يوركي حلاق، عبد اللطيف النشار، علي أحمد باكثير، عمر بهاء الدين الأميري، فؤاد إسماعيل شاكر، فهد العسكر، محمد بن عثيمين، محمد رجب البيومي، محمد سليمان الأحمد (بدوي الجبل)، محمد عبد الغني حسن، محمد مصطفى حمام، محمد محمود الزبيري، محمود أبو الوفا، محمود حسن إسماعيل، مدحة عكاش، مصطفى وهبي التل (عرار)، هاشم الرفاعي.
ولعنا قد لاحظنا من استعراض هذه الأسماء، وجود شاعرة واحدة فحسب، ضمن القائمة هي الشاعرة المصرية جليلة رضا، مع أن ديوان الشعر العربي خلال العقود الماضية به الكثير من أسماء الشاعرات المبدعات اللاتي كتبن شعرهن من خلال النسق البيتي أو العمودي، نذكر منهن على سبيل المثال: د. عاتكة الخزرجي، روحية القليني، د. طلعت الرفاعي، وردة اليازجي، نبوية موسى .. الخ.
والآن دعونا نسمع الشاعر العراقي أحمد الصافي النجفي، وهو يقول: يا عودةً للدارِ ما أقساها
أسمع بغدادَ ولا أراها
ودعونا أيضا نستمع إلى الشاعر السوري عبد الله يوركي حلاق في قوله: ألفُ شعر لا يوازي طلقةً
أُفرغت في مهجة المغتصبِ
فاضرب البغي ومزقْ شمله
خائنٌ أنت إذا لم تضربِ
قلعة الطغيان لا يهدمها
غيرُ صاروخٍ وزندٍ يعربي
ودعونا نردد مع الشاعر السوري مدحة عكاش بيته الذي يحمل شيئا من الحكمة والرؤية الثاقبة: ما على النسرِ بعد فقد جناحيه
من ملامٍ إن مات في الصحراءِ
ونحن إذ نهنئ الباحث السعودي عثمان محمد مليباري على صدور الجزء الأول من "بلابل العرب" فإننا في انتظار شدو بقية البلابل العربية، من خلال الأجزاء التالية، لتلك الموسوعة الشعرية العربية. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية