الى ماذا ستؤول نهايات الوضع العربي الراهن

بقلم: محمود سوداح

تسود المنطقة، منذ فترة ليست بالقليلة، حالة من الترقب والانتظار، الكل منشغل بما ستؤول إليه النهايات… من الاحداث بعضه ما يفسر بعضه، ومنها ما يطرح الكثير من التساؤلات فيزيد من غموض الصورة غموضا، و فجأة يقوم العدو الصهيوني باختراق نوعي في سياق التطورات، اذ يقوم سلاحه الجوي بقصف موقع فلسطيني بالقرب من العاصمة السورية دمشق، فتكبر فيه الانشغالات وتكبر علامات علامات الاستفهام؟
ترى ما الذي يحدث؟ وفي أي الاتجاهات تسير الاحداث؟ هل هو السير على ايقاع منتظم و مدروس ام هو الانفلات والتدحرج نحو الهاوية.
لقد كان لشغور الكفة المقابلة للولايات المتحدة في معادلة التوازن الدولي، ونقصد هنا بالطبع سقوط الاتحاد السوفييتي، ان يكون المدخل الذي سيصوغ لاحقا مجمل التطورات، ففلسفة ملئ الفراغ استوجبت بالضرورة صناعة عالم جديد، يحدد فيه المنتصر، أي الولايات المتحدة، علاماته الفارقة، خصوما وحلفاء، مفاهيما ومبادىء، وقد كان للمنتصر ان يفرض ثقافته ويصوغ بمفرده عالم طوارىء انتقالي باتجاه عالم جديد يتغطى زورا بمسمى حركي اسماه هؤلاء "العولمة" والذي في جوهره ليس الا "امركة" مطلقة ومتوحشة.
في رحلة البناء والتشييد تلك، والنظام العالمي الجديد قيد التبلور والانجاز، جاءت احداث الحادي عشر من سبتمبر لتؤدي وظيفيا دور العامل الجوهري والمساعد في تسريع وتيرة مسار التبلور والبناء، نقيضا لما يعتقده البعض بان حدث سبتمبر كان قاعدة الارتكاز في تحديد وصياغة الرؤى الامريكية، فالحدث جاء في المسار ولم يكن من المسببات، هذا دون ان نغفل الحد الواسع الذي استثمرت فيه الولايات المتحدة الحدث، فبالغت في صناعة تداعياته، دون ان يعني ذلك ان الولايات المتحدة قد رتبت الحدث او صنعته، وهو الامر الذي لا يلغي الافتراض او التكهن ان اطرافا كثيرة ربما تكون قد صنعت الحدث او تجاهلت معطيات اجهاضه، لكننا نقصد هنا بالخصوص ان الولايات المتحدة وقد اجادت بتخطيط ومبالغة، صناعة تداعيات الحدث، انما تكون قد التقطت الفرصة لتاسيس واقع يخدم مصالحها وتفرض فيه رؤاها تحت مسميات مختلفة،كان اخطرها اعلان بوش" من ليس معنا فهو ضدنا "، وعلى ذلك فقد باتت شبهة الارهاب هي "العصا" التي تلوح فيها الولايات المتحدة امام أي نتوء قد يشتم منه رائحة الاعتراض على البناءات الامريكية، وباختصار فقد كان لمفهوم الارهاب وسيادة التعريف الامريكي له والترويج لمنطلقاته، ان يتقارب وحديث "الافك " الذي تتشدق فيه الولايات المتحدة واتباعها في توجيه الاتهامات وممارسة الابتزاز والتضليل وحملات الترويض، فابتدع منظرو الادارة الامريكية مفهوم الحرب الاستباقية لتبرير منطقها في تطبيق ما اسمته استراتيجية تقليم النباتات المتوحشة وتقبل تنفيذ اجراءات تجفيف منابع الارهاب، وهو المنطق الذي بات المرجعية التي تحتكم اليها الولايات المتحدة في تقريب او اقصاء هذا الطرف او ذاك.
لقد كان للحدث علاقته الوطيدة بانفلات الوحش الامريكي وهيجانه، وقد كان للكيان الصهيوني ان يستثمر ذاك الهيجان، كما كان، وللأسف الشديد، لكثير من القوى والنظم ان تنساق وراء حديث الافك الامريكي ومقتضياته، فباتت تستعير ذات مفردات القاموس الامريكي في توصيف الافعال والاشياء، لتتماثل في ذلك وتتشابه جل قواعد تفسير الاحداث من قندهار في افغانستان الى الرمادي في العراق ومن بالي قي اندونيسيا الى رام الله في فلسطين ولم لا الى دمشق في سوريا؟
لقد بات جليا اليوم، ان للأحداث جذعها المشترك، وان الولايات المتحدة وقد نجحت الى حد كبير في اعادة صياغة العالم وفق رؤاها التي استبدلت او غيبت فيها كل البناءات التقليدية السابقة، والامم المتحدة على رأس تلك البناءات، فانها ومن دون ادنى شك، قد سلبت من النظم السياسية القائمة، حتى ما كان يتبدى من مظاهر سيادة واستقلال، فباتت تلك النظم مجرد كيانات اشبه ما تكون بأجهزة استخباراتية تقوم بوظيفة الوكيل للسيد الامريكي، فتتسابق حتى فيما بينها في ابتداع روايات اعتقال "ارهابيين" او سرد روايات "نصر" في احباط هجمات "ارهابية"؟ والنماذج من تلك النظم و"الانتصارات" كثيرة ومفجعة؟
لقد كان للولايات المتحدة، ان تعمل على تعميم نموذج "الشرطي الوكيل" كآلية تؤمن من خلالها تجسيد استراتيجيتها الامنية، ولقد كان التحدي الاكبر امام الولايات المتحدة ان المناطق الاكثر سخونة والاكثر تهديدا تفتقد في واقعها أصلا الى الشرطي، فكان لا بد من صناعته، والاشراف على بناءه، و برمجته ليتوافق دوره والتخطيط المرسوم له، ونقصد بالتحديد هنا الوضع في فلسطين والوضع في العراق.
ان مسميات "الحكومة الفلسطينية"، و"مجلس الحكم العراقي"، ليسا الا الواجهة التجميلية لمؤسسات الملاحقة بالوكالة، والقمع بالنيابة، وان ما يتبدى من تباينات وانشغالات حول تشكيل هذه المؤسسة او تلك، وهو في غالبه مصطنع او مبالغ فيه، ليس الا نوعا من تسويق الوهم وتكريسه، فجل اعضاء مجلس الحكم العراقي، كما هو جل اعضاء الحكومة الفلسطينية، يدركون تماما حقائق التناقض بين المسمى وبين الدور المرسوم.
ربما يكون من قبيل الموضوعية الاقرار ان الولايات المتحدة قد نجحت الى حد كبير في ترويض الكثير من النظم والقوى السياسية، لكن بالمقابل، فانها وان لجأت الى اسلوب الولادات القيصرية في فلسطين والعراق في محاولة خلق واجهات القمع ونقصد الحكومة الفلسطينية ومجلس الحكم العراقي، فأن الواضح جدا أن الولايات المتحدة لم تنجح، وان تعبيرات الانغماس الامريكي في المستنقع تتسع وتتزايد، لا بل ان الشعور بعظمة القوة لا زال يدفع بها الى مزيد من الاصرار المجنون على انتهاج سياسة الهروب الى الامام والى مزيد من الغرق في المستنقع، فهي، أي الولايات المتحدة، وان استهدفت بتدخلاتها المكثفة مؤخرا اخراج العدو الصهيوني من ورطته امام بسالة الانتفاضة والمقاومة الفلسطينية، واخراج نفسها من مستنقع العراق الذي دخلت فيه، فانها، وقد فشلت، ربما تلجأ الى اعادة خلط الاوراق حتى وان اقتضى الامر استحداث فصل اضافي جديد من مأساة العرب مع امريكا كانت بدايته الغارة الصهيونية على دمشق؟ محمود سوداح، كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الجزائر Soudahdz@hotmail.com