توقعات في القاهرة بإنهاء حالة الطوارئ

القاهرة
ازمات المنطقة.. طوارئ في مصر

رجحت مصادر سياسية وقانونية مصرية أن تلجأ الحكومة المصرية في وقت قريب إلى إلغاء حالة الطوارئ المعلنة في مصر منذ 22 سنة. وتوقعت المصادر أن يجري إلغاء هذه الحالة التي تم مد العمل بها إلى سنة 2006، أو على الأقل عدم تمديدها مرة أخرى بعد ذلك التاريخ، في الوقت الذي ألمح فيه الأمين العام للحزب الوطني الحاكم إلى هذا الاحتمال في تصريح لصحيفة مستقلة مصرية.
وتقول المصادر إنّ إقدام الرئيس المصري حسني مبارك في مؤتمر الحزب الحاكم الأخير المنعقد خلال الأيام من 26 وحتى 28 أيلول/سبتمبر 2003، على إلغاء "الأوامر العسكرية" التي صدرت بموجب قانون الطوارئ في مصر، رجّح التكهنات الخاصة بإلغاء قانون الطوارئ، على اعتبار أنّ إلغاء الأوامر العسكرية نوع من تقليص العمل بقانون الطوارئ، إلا أنها تربط بين الإلغاء النهائي وبين تغييرات في السياسات الحكومية المصرية ضمن الإصلاحات التي أعلن عنها الحزب الحاكم. خطوات هامة تحمل مؤشرات كانت الحكومة المصرية قد قامت بعدد من الخطوات الهامة، من قبيل إطلاق سراح قرابة 6 من قادة الجماعة الإسلامية المصرية، بمن فيهم زعيم الجماعة كرم زهدي، إضافة إلى ألف آخرين من أعضائها، والإعلان عن إصلاحات سياسية واقتصادية قادمة، وهو ما وُصف بأنه بمثابة إنهاء لأحدى حالات فرض الطوارئ المتعلقة بمكافحة العنف، والتي فُرض القانون أصلاً بسببها عقب اغتيال الرئيس السابق أنور السادات.
وقد ألمح صفوت الشريف، أمين عام الحزب الوطني الحاكم ووزير الإعلام، في تصريح لصحيفة "الأسبوع" الأسبوعية المستقلة، إلى إمكانية إلغاء حالة الطوارئ، وقال إنّ "الرئيس المصري مبارك مع الحرية إلى آخر مدى، وأنّ ما تبقي من هذا القانون هو فقط ما يمسّ الإرهاب والمخدرات، وأنّ كل شيء مطروح (للبحث) في المرحلة المقبلة"، حسب تعبيره.

وتعود قصة اللجوء إلى الأوامر العسكرية إلى سنة 1923، أي عندما صدر ما سُمي آنذاك "تشريعات الحرب"، التي أصبحت أقوى من الدستور. ولكن في سنة 1958 صدر القانون 162 لسنة 1958 المعروف بقانون الطوارئ، وهو القانون الذي اقترن به صدور قرارات استثنائية تتعارض مع حقوق الإنسان، وعلى رأس هذه التجاوزات كانت الأوامر العسكرية، أي أنّ هذه الأوامر "ابن شرعي لقانون الطوارئ غير الشرعي"، كما يصفها رجال القانون.
ومنذ صدور قانون الطوارئ الحالي قبل 45 سنة، بدأ الحاكم العسكري (رئيس الدولة) ونائبه (رئيس الوزراء) في إصدار أوامر لها قوة القانون، دون عرضها على مجلس الشعب (البرلمان) الذي يمثل السلطة التشريعية، وذلك اعتماداً على نص المادة الثالثة من قانون الطوارئ، التي أجازت للحاكم العسكري أو نائبه عدم التقيّد بأحكام قانون الإجراءات الجنائية في وضع قيود علي حرية الأشخاص وتفتيش الأماكن وغيرها، ومن هنا شُرِع في إصدار قرارات لها قوة القانون اصطلح علي تسميتها "أوامر عسكرية". تسعة أوامر عسكرية كل سنة من جانبه يؤكد مركز معلومات مجلس الوزراء المصري أنّ العدد الحقيقي للأوامر العسكرية الصادرة بالفعل يبلغ 514 أمراً عسكرياً، وهو ما يعني أنّ الحاكم العسكري ونائبه يصدران منذ 54 سنة وحتى الآن أكثر من 9 أوامر عسكرية كل عام في المتوسط، وهو عدد قد يعادل أو يفوق في بعض الأحيان عدد القوانين التي يقرها مجلس الشعب كل سنة تقريباً. اعتراضات على إلغاء الأوامر العسكرية وعلى الرغم من استحسان الكثير من المصريين لقرار إلغاء الأوامر العسكرية، باعتباره يشير إلى تقليص لحالة الطوارئ عموماً، ومقدمة مأمولة لإلغاء الطوارئ بشكل نهائي، فقد لوحظ أنّ إلغاء هذه الأوامر العسكرية أثار مخاوف قوى المعارضة المصرية وعدد من الخبراء الزراعيين وليس العكس.
فالمعروف أنّ الأوامر العسكرية التي يصدر بعضها بدافع أمني يتعلق بقرارات تستهدف الحفاظ على الأمن أو النظام العام، وبعضها الآخر إداري، وهناك عدد كبير المصريين تضرّروا بفعل بعض هذه القوانين العسكرية التي حظرت البناء فوق الأراضي الزراعية وعرضتهم للسجن بسبب ذلك ، حتى أنّ هناك إحصاءات تذهب إلى أنّ هناك أربعمائة ألف مصري مثّل لهم إلغاء الأوامر العسكرية طوق نجاة من السجن، بسبب بنائهم على أراضٍ زراعية.

وخلافاً لما هو متوقع، فقد لا يستفيد السياسيون في مصر من إلغاء الأوامر العسكرية، لأنّ قرار رئيس الجمهورية في هذا الصدد استثنى القرارات الخاصة بالأمن، ومنها تلك التي سبق وأن سمحت بتشكيل محاكم عسكرية لمحاكمة مدنيين من الإسلاميين المصريين وهاجمتها منظمات حقوق الإنسان.
ولهذا، أبدت أحزاب سياسية مصرية معارضة تخوفها من أن يكون إلغاء الأوامر العسكرية ذا أثر ضار على الرقعة الزراعية المصرية، وتشجيع للمصريين على البناء فوقها، خاصة وأنّ الحالة الزراعية في مصر ستتأثر سلباً إن لم تنجح القوانين العادية في ردع البناء فوق الأراضي المخصصة للزراعة.
وقد عقبت على هذه المسألة صحيفة "العربي" الناصرية في عددها الأسبوعي الأخير، قائلة "لا رحنا ولا جينا، هذا ما ينطبق علي القرارات الصادرة عن المؤتمر السنوي للحزب الوطني الذي تجاهل مجمل القوانين المقيدة للحريات، واكتفى بالإعلان عن إلغاء الأوامر العسكرية الصادرة وفقاً لقانون الطوارئ". وأضافت الصحيفة إنّ القرار يفتح الباب أمام من سمتهم "حفنة منتفعين من أصحاب المصالح لتجريف الأراضي الزراعية". مصر في حالة طوارئ منذ نصف قرن وكانت مصر قد مددت العمل بقانون الطوارئ الذي يسمح باعتقال أي شخص مدة 45 يوماً قابلة للتجديد دون أذن قضائي، وذلك للعام الثامن والثلاثين على التوالي، مع فاصل بسيط، بعدما وافق البرلمان المصري (مجلس الشعب) في شباط/فبراير 2003 على مشروع قرار حكومي بتمديده حتى سنة 2006. وبدأ الشروع في تطبيق هذا القانون عام 1967، واستمر حتى الآن باستثناء فترة 18 شهراً فقط في عهد الرئيس الراحل السادات.
وقد أثار تمديد العمل بالقانون غضب العديد من القوي السياسية المصرية ومنظمات حقوق الإنسان، التي كانت قد بدأت للتو حملة من أجل وقف العمل به، فيما بررت المصادر الحكومية مدّ العمل بالقانون المثير للانتقادات بـ"الظروف التي تعيشها مصر" مع اقتراب حرب العراق، وتدهور الأحوال الاقتصادية بعدما ارتفعت الأسعار بشكل حاد بنسبة تتراوح بين 15 و 25 في المائة عقب تحرير سعر صرف الدولار، وانخفاض سعر الجنية بمقدار 22 في المائة.
وقد اعتادت الحكومة المصرية على تمديد العمل بحالة الطوارئ مدة ثلاث سنوات وبصورة مستمرة مؤخراً قبل موعد انتهاء العمل بالقانون بعدة أشهر، تفادياً لفتح باب الجدل بشأن الإجراء الذي تقول الحكومة إنه لا يُستخدم سوى في مواجهة الإرهاب و"في أضيق الحدود".
وكانت المنظمة المصرية لحقوق الإنسان قد أصدرت من جانبها بياناً عقب التمديد الأخير بعنوان "أوقفوا العمل بقانون الطوارئ"، شدّدت فيه على أنّ المبررات التي ساقتها الحكومة المصرية في البرلمان لتمديد العمل بالطوارئ ركزت على بعدين أساسيين هما: الأوضاع الدولية الراهنة ومقتضيات مكافحة الإرهاب. وردّت المنظمة الحقوقية على هذا بالقول "إنّ هذين المبررين يفتقران إلى المصداقية، فمن ناحية يتطلب التعامل مع الأوضاع الدولية الراهنة أكبر قدر من احترام الديمقراطية والحريات العامة والخاصة للمواطنين، ومن ناحية ثانية فإنّ المجتمع المصري لم يشهد عملاً إرهابياً واحداً منذ عام 1997، وبالتالي فليس هناك ما يبرِّر استخدام تعبير الإرهاب كذريعة لاستمرار حالة الطوارئ"، وفق تقديرها.
وقالت المنظمة إنّ "آثار القانون لم تعصف فقط بالعديد من الحقوق والحريات الأساسية، بل لعبت الدور الرئيس في عرقلة التطور الديمقراطي السلمي في المجتمع"، مضيفة أنّ "حالة الطوارئ تجاوزت بالمعني التشريعي حدود قانون الطوارئ، وأثّرت سلباً على روح البنية التشريعية المصرية التي مالت بقوة نحو التشدّد والإطاحة بالعديد من الحقوق والحريات التي كفلها الدستور المصري والمواثيق الدولية المعنية بحقوق الإنسان".
كما حذرت المنظمة في حينه من أنّ صلاحيات الحاكم العسكري المصري في ظل الطوارئ تشمل أيضاً تجاوزات من قبيل مراقبة الرسائل والصحف والنشرات والمطبوعات والمحررات وانتهاك حرمة الحياة الخاصة للمصريين، بما فيها مراقبة هواتفهم، فضلاً عن القيود التي تُفرض على تحريات الأشخاص وتفتيشهم والقبض عليهم، حسب توضيحها.
وقد امتد رفض العمل بهذا القانون مؤخرا إلى القضاة، بعدما طالبت محكمة أمن الدولة طوارئ بالإسكندرية في تشرين أول (أكتوبر) 2002 بإلغاء قانون الطوارئ المعمول به في مصر، وذلك في إطار حيثيات حكمها في ثمان قضايا عُرفت باسم قضايا "إثارة الشغب بالإسكندرية"، تتهم فيها شبان من جماعة الإخوان المسلمين. إذ حكمت المحكمة في هذه القضية ببراءة 35 متهماً من المنتمين للجماعة، وبالسجن ثلاثة أشهر على 66 آخرين وإطلاق سراحهم لأنهم قضوا المدة اعتقالاً. وكانت المفاجأة في مقدمة حيثيات حكم المحكمة أنّ القضاة ناشدوا الحكومة بالتدخل بتعديل تشريعي يلغي قانون الطوارئ ومحاكم أمن الدولة طوارئ.
فقد جاء في مقدمة حيثيات الحكم "إذا كان هناك ضرورة ماسّة للحكم بهذا القانون، فليحدِّد المشرّع الحالات التي يمكن إحالتها إلى هذه المحاكم بشكل دقيق ومحدّد، حتى يتم الحد من عدد القضايا التي تُعرض عليها"، حسب ما ورد فيه. القصة الكاملة لقانون الطوارئ وطبقت حالة الطوارئ في مصر عملياً منذ سنة 1951، أي قبيل قيام ثورة 23 تموز/يوليو 1952، وذلك بسبب الاغتيالات السياسية التي ازدهرت في هذه الفترة. وقد جري تجديد العمل بهذه الحالة عبر قانون جديد جرى سنه عام 1958، واستمر منذ ذلك الحين حتى الآن، دون أن تُرفع حالة الطوارئ عملياً سوى حوالي ثلاثة أعوام.
ويروي الدكتور عبد الحليم مندور المحامي قصة قانون الطوارئ في مصر قائلاً إنّ القانون المعمول به حالياً صدر بأمر جمهوري رقم 162 لسنة 1958، أصدره الرئيس المصري جمال عبد الناصر ليطبق في القطر السوري والمصري أيام الوحدة، وعندما انفصمت عرى الوحدة بطلت جميع التشريعات التي تنطبق على القطرين المصري والسوري .
بيد أنّ عبد الناصر لم يعرض هذا الأمر الجمهوري على مجلس الأمة (البرلمان في ذلك الحين)، ما يعني بطلانه وانقطاع آثاره بأثر رجعي، لعدم عرضه على مجلس الأمة طبقا للمادة 53 من دستور سنة 1956، التي توجب على الرئيس إذا أصدر قراراً في غيبة البرلمان أن يعرضه عليه، فإذا وافق ثلثا الأعضاء يتم قبوله، وإذا اعترض ثلثاهم الأعضاء يجري رفضه.
وعقب وفاة الرئيس جمال عبد الناصر وحكم خلفه أنور السادات، أنهى الأخير حالة الطوارئ عام 1980، ولكن عندما تولى الدكتور صوفي أبو طالب رئيس البرلمان المصري مؤقتاً الرئاسة بعد اغتيال السادات، بادر إلى إعلان حالة الطوارئ بالقانون 560 سنة 1981.
ويختلف حساب المصريين لفترة تطبيق قانون الطوارئ وفق حساب كل طرف للعمل بالقانون من ما قبل الثورة أو بعدها أو منذ وفاة الرئيس السادات. إذ يعتبر الفريق الأول أنّ الطوارئ استمرت منذ سنة 1939 وحتى الآن، باستثناء قرابة سبعة أعوام، بينما يرى الفريق الذي يحسبها منذ سنة 1967 أنّ هذه الحالة المثيرة للجدل استمرت 35 سنة حتى الآن، وستمتد إلى 38 عاماً بإضافة السنوات الثلاث الجديدة حتى أيار/مايو 2006، باستثناء حوالي 18 شهراً أثناء حكم السادات. ولكنّ الفريق الثالث الذي يحسبها منذ اغتيال السادات سنة 1981 يرى بدوره أنها مستمرة بلا توقف منذ قرابة ربع قرن.
ويمكن رصد فترات تطبيق العمل بقانون الطوارئ في مصر منذ عام 1939 على ستة مراحل على النحو التالي: من أيلول/سبتمبر 1939 إلى تشرين الأول/أكتوبر 1945 وكان المبرر هو الحرب العالمية الثانية. ثم من أيار/مايو 1948 إلى نيسان/إبريل 1950 وكان المبرِّر حرب فلسطين. وتليها المرحلة الثالثة من مطلع 1952 إلى حزيران/يونيو 1956، ومبرِّرها هو حريق القاهرة. ثم كان الموعد مع مرحلة ممتدة من تشرين الثاني/نوفمبر 1956 إلى 1964، بسبب العدوان الثلاثي البريطاني الفرنسي الإسرائيلي على مصر. أما المرحلة الخامسة فكانت من حزيران/يونيو 1967 وحتى أيار/مايو 1980، ومبررها العدوان الإسرائيلي لعام 1967، بينما تستمر المرحلة الحالية من تشرين الأول/أكتوبر 1981 وحتى الآن، ومبررها هو اغتيال الرئيس السادات في حادثة المنصة. (قدس برس) القاهرة – جمال محمد عرفة