أسماء الأصوات في حنجرة الأرض للشاعر حميدة عبد الله حميدة

بقلم: أحمد فضل شبلول

يثير ديوان "بحنجرة الأرض متسع للنشيد" للشاعر المبدع حميدة عبد الله، جملة من القضايا الأدبية والنقدية واللغوية، منها على سبيل المثال استخدامه للتناص الشعري، وتوظيفه لبعض الآيات القرآنية، واستخدامه المقصود لبعض الألفاظ العامية في سياق فصيح، ومنها محاولاته الناجحة في استخدام الشكل البيتي ضمن قصيدة الشعر التفعيلي (مثل الجزء البيتي من بحر الرمل في قصيدة "نهاية مقترحة للقصيدة والكارثة" ص 55)، وغيرها من القضايا التي لو توقفنا عند كل منها لتتطلب منا ذلك وقتا طويلا.
على أنني سأتوقف ـ هنا ـ عند ظاهرتين لفتتا انتباهي في هذا الديوان هما:
1 ـ استخدام الشاعر لأسماء الأصوات
هذا الاستخدام يشي بوعي الشاعر الشديد وتمكنه من اللغة ومفرداتها، "فأسماء الأصوات جانب من جوانب اللغة تشترك فيها مع غيرها من اللغات، بل عدَّه بعض اللسانيين ـ في علم اللسانيات القديم والحديث ـ أصل اللغات الإنسانية، منه استحدثت ألفاظها، وعن محاكاة الأصوات الطبيعية كدوي الريح وخرير المياه نشأت كلماتها"( )،
وأسماء الأصوات عند النحاة هي "كل لفظ حُكِيَ به صوت يتناسب مع حروفه ونبرته".
ولعل كثرة استخدام الشاعر حميدة عبد الله لأسماء الأصوات في ديوانه مرتبط بالظاهرة الثانية التي لاحظناها في هذا الديوان وهي:
2 ـ اهتمام الشاعر بالخارجي والمعلن، أكثر من اهتمامه بالداخلي أو بالعالم الجواني، فهو على عكس شعراء الرومانسية الذين يهتمون بالذات وانفعالاتها والإبحار داخل النفس، وخصوصا عندما تكون هذه النفس معذَّبةً وقلقةً.
وليس معنى ذلك أن الشاعر ـ في هذا الديوان ـ غيرُ معذَّب وغير قلق، بل على العكس، فكل قصائد الديوان تحمل شحنة هائلة من العذاب والقلق والتوتر والحيرة، ولكن الشاعر ينجح في تصدير هذه الأحاسيس والمشاعر إلى خارجه، فيكون المدى أكثر اتساعا ورحابة من النفس الإنسانية التي لم ير حميدة أن فيها انطوى العالم الأكبر، أو على حسب تعبير الشاعر: وتعلم أنك جرم صغير
وفيك انطوى العالم الأكبر
إن أداءه يجيء عكس أداء شعراء الرومانسية الذين يحفظون المشاعر والأحاسيس بداخلهم فتعذبهم وتؤرقهم، فلا يجدون سوى معجم الرومانسية الشهير من وجدانيات العذاب والسهر والضنى والألم والوحشة والغربة .. الخ هذا المعجم الوجداني الذي يحمل الشحنة الانفعالية أو النفسية لحظة الإبداع.
ولهذا السبب كثر توجه الشاعر حميدة عبد الله إلى الآخر، سواء كان هذا الآخر:
‌أ ـ أصدقاءه الشعراء من أمثال: عبد العظيم ناجي، أحمد الشيخ، مختار عثمان، عبد المنعم كامل، عبد الرحمن عبد المولى، ناصر فرغلي، أحمد شاهين، .. الخ"..
‌ب ـ أو كان هذا الآخر شخصية قابلها الشاعر في الحياة من أمثال: أروى، أم أروى، إسلام، نَصَف (اسم امرأة شابة)، صاحب الأوتيل، الشيخ المعكنن، راقصات البار، الجرسون، الجنود، الشرطي، التلاميذ، البنات، العساكر، الجار، البنت اللعوب، لاعب الكرة، صاحب البار، اللصوص، مطرب الكبريه، .. الخ ..
‌ج ـ أو كان هذا الآخر من الشخصيات الأدبية أو الفكرية أو التراثية التي لها صلة بعالم الشاعر وقراءاته وثقافته بعامة من أمثال: هوميروس، أوديسيوس، بنلوب، حور (حورس ابن إيزيس)، دانتي، أبو العلاء، سارتر، أبو نواس، باشلار، امرؤ القيس، قيصر، عمرو بن قميئة (رفيق امرئ القيس في رحلته إلى قيصر)، هند، سعاد، ليلى، قيس، أمير الشعراء، أمية، عثمان بن عفان، كليب، جساس، هابيل، المتنبي، فيروز، أبو ذر، عباس (خروج عباس وتجلياته "اسم قصيدة") أبو جهاد، أو القبائل العربية من أمثال: وائل، خزاعة، فزارة، عبس، طيء، زبيد، خثعم، تغلب، جرهم، بكر، قضاعة، ربيعة، مضر .. الخ.
‌د ـ وأحيانا تكون الشخصية الخارجية التي يستعين بها الشاعر شخصية طير أو حيوان مثل: الدجاجة، الكلب، القط، الرئم، الهوام، الحمام، اليمام، السمانة، النوارس، البجع، شاهين، مهرة، العصافير، الغزال، القطا، القنافذ، دابة الأرض، الصقر، ناقة البسوس، ناقة الله، القبرات، الحجل، الزرازير، العنقاء (طائر أسطوري) .. الخ.
ولأن الشاعر دائما ما يلجأ إلى الخارج على النحو الذي أوضحناه من قبل، فقد كثر استخدامه للمكان الخارجي بجمالياته المختلفة مثل: الأرض التي ذكرها كثيرا في قصائد الديوان (وليس النفس أو الروح) وهنا يطل علينا عنوان الديوان "بحنجرة الأرض متسع للنشيد"، كما يطل علينا أيضا الإهداء الذي يقول فيه الشاعر "إلى أبي الذي حرَّض على الأرض كلَّ طيور هواه، وحرَّضت الأرضُ عليه كل أشجارها"، إلى جانب: المدينة والمدن أو المدائن، العواصم، البلاد، الشوارع، زقاق، الميدان، عمارة، الأوتيل، مأوى، البار، المركب، الترام، الحصن، الباب، القد، الجسد، المحطة، الطرقات، البيادر، مقهى حباتر، قرية بولين، نجد، الرصافة والجسر، مكة، سِقط اللوى، الدخول، المدرسة، الفصل، الصحراء، البيت، البنايات، بيروت، السفارات، عكاظ، وادي الغضا، دير عاقول، باريس، طيبة، القيروان، الأطلال (وقد تدل الأطلال على أثر نفسي، ولكن عند حميدة تجئ الأطلال هنا كأثر لمكان، وليس أثرا نفسيا، مما يعمق ما ذهبنا إليه من قبل من أن التوجه إلى الخارج هو ما يشغل بال الشاعر ويجعله ـ بلا وعي ـ ينتقي مفرداته الدالة على هذا التوجه الخارجي) مرزا (قرية الشاعر وهي من قرى شرق الإسكندرية) كربلاء، القدس، الجزيرة، الجبل، المخيم، البراري، مملكة، الممالك، السكك المتربات، الحقول، الشرفات، بيارة، الدروب، ذات العماد (وهناك من يقول إن إرم ذات العماد هي الإسكندرية، وهناك من يقول إنها دمشق)، تربة، المقهى، دغل، الإسفلت،.. الخ.
أيضا يتيح العالم الخارجي الذي يتوجه إليه الشاعر فرصة تطعيم قصيدته بالألوان، ولاشك أن إضفاء عنصر اللون يعطي القصيدة أبعادا ودلالات نفسية وواقعية، ومن الألوان التي استخدمها الشاعر في قصائد هذا الديوان: الأرندج (وهو كما يشير في حواشي ص 25: الأسود)، وهناك: الأبيض، الأسود، الأخضر، القمحي، القرمزي، القزحي أو قوس قزح، غبش البحر: أي لونه في آخر الليل، الأحمر الذي لم يرد ذكره صراحة، ولكن ورد عن طريق لفظة (الدم) التي تناثرت على الكثير من صفحات الديوان وفي أغلب قصائده، وعلى أية حال لم يسرف الشاعر في استخدام الألوان تحقيقا لمقولته في ص 87 ،"أخاف الهلْكَةَ بالألوان".
***
ولعل هذا التوجه (التوجه إلى الخارج بدلا من الداخل) يتجلى أكثر في اختيار الشاعر لعناوين قصائده وموضوعاتها، فنرى على سبيل المثال: جمرة لامرأة، التي يقول في مطلعها: من يصطفيني ..؟
أصطفي مدنًا بكاملها، ويخذلني يقيني ..
إنه يبحث خارج نفسه عمن يختاره أو يصطفيه، بعد أن اصطفى هو الخارج بكامله أو بعد أن اصطفى مدنا بكاملها، وبعد أن خذله الداخل المتمثل في اليقين. لذا تبدأ رحلة البحث خارج الذات المأزومة، وخارج النفس المهزومة أو التي هزمها يقين الشاعر، فأصبح يعيش بلا يقين، لعل هذا الخارج بعوالمه المختلفة، ومفرداته اللانهائية يكون عوضا عن هزيمة الشاعر الداخلية وخذلانه أمام يقينه الذي لم يعد يقينا.
وربما يعود انفلات اليقين وتشظيه في كيان الشاعر، إلى رغبته في التعايش مع الخارجي فقط، على حساب الداخلي، فتمرد يقينه عليه وخذله عند أول مواجهة مع الواقع النفسي.
ومن هنا تبدأ المعركة ويبدأ النزال الذي ينتصر الشاعر فيه ـ بقصائده في هذا الديوان ـ للخارجي في كل مرة يحدث فيها هذا الاصطدام.
تأتي بعد ذلك عناوين قصائد مثل: ثلاثية للجسد، فراغ (وهو فراغ خارجي وليس داخليا) والتي يقول في مطلعها: كنت منتظرا بالمحطة هذا القطار البهيج بالإضافة إلى قصائد: تغادر بيروت أشكالها، خروج عباس وتجلياته، تنهض الآن مرزا، أسطورة الحجارة المضيئة، مقعد في طقس امرأة حمقاء ودميمة التي يقسمها إلى قسمين: القسم الأول بعنوان "منظر متكرر"، والقسم الثاني "تعليق أسفل المنظر المتكرر"، ولعل هذا التقسيم يجيء متوائما مع فكرة التوجه إلى الخارج المطروحة في هذه الدراسة، فالمنظر خارجي، والسيناريو المرسوم تجيء كلماته وصوره على النحو التالي: وجلسنا والمقهى كان يضج
المارة يختلطون كرمل الصحراء
دخان الشوايات يئجُّ
صفير العربات .. سؤال الشحاذين المر،
صراخ الحامل في الباص، وثمر الوقت الفج
نداء الباعة يرسم في الأفقِِ الورقَ الماليَّ
البعل المتخم بالعوز يسبُّ السلطة والأسعار
ومخبول يشدو (سهران لوحدي أناجي طيفك الساري)
ولعل هذا المنظر المتكرر وما به من (ضجيج، وأجيج، وصفير، وصراخ، ونداء، وسب، وشدو) يرجعنا إلى ما أ شرنا إليه في أول الدراسة عن ظاهرة أسماء الأصوات التي تعد الظاهرة الأولى اللافتة في هذا الديوان.
***
الصوت عكس الصمت، وهو النداء أيا كان نوعه، وفي تعريف مجمع اللغة العربية الوارد بالمعجم الوسيط، الصوت: الأثر السمعي الذي تحدثه تموجات ناشئة من اهتزاز جسم ما.
وتقول الموسوعة الطبية الإلكترونية لجسم الإنسان: "إنه لابد للأصوات التي نسمعها من قطع رحلة عجيبة في الأذن، وبرغم أن طول هذه الرحلة لا يتعدى بوصتين، إلا أن الأصوات تمر في أنواع كثيرة من أشكال المادة، فهي تمر بهواء وبأغشية وعظم وسائل. ولا تنتهي رحلة الأصوات بذلك، بل لابد لها من أن تتحول إلى إشارات عصبية تنقلها الأعصاب إلى المخ حتى يتعرف عليها ويفهمها ويعرف معناها" ( ).
والصمت هو السكوت والخرس، وديوان "بحنجرة الأرض متسع للنشيد" ليس ديوانا صامتا، وشاعرنا ليس أخرس، بل هو شاعر مشاغب، ومشاغبته فاعلة ومثيرة ومتحققة في كثير من قصائد هذا الديوان، ولنبدأ من الحنجرة مدخلا إلى أصوات الديوان:
أثبت الشاعر كلمة (الحنجرة) بضم الحاء أي الحُنجرة، وأثبتها القاموس المحيط بالفتح، والجمع: حَنَاجِر، والحنجرة (في المعجم الوسيط): جزء من مجرى النَّفَس في الرقبة، وهي العضو الذي يشارك في إحداث الأصوات.
وفي الموسوعة الطبية السابق الإشارة إليها، "الحنجرة: هي العضو الذي يحدث الصوت وتقع أعلى الرقبة من أسفل العظم اللمى، وحنجرة الرجل تكون أكثر بروزا في الرقبة عن حنجرة السيدة".
والحنجرة هي الحلقوم والحُنجور (بضم الحاء).
والنَّشيد والنِّشْدَة (بالكسر): الصوت، والنشيد أيضا رُفْعُ الصوت مع تلحين، وأنشد الشعر: قرأه، وتناشدوا: أنشد بعضهم بعضا، واستنشد الشعر: طلب إنشاده.
ولعل الشاعر يرمي من وراء عنوان ديوانه غير التقليدي القول إنه على الرغم من كل المآسي المحيطة بالعالم وكل الأوجاع والآلام التي تحملها أمنا الأرض على كاهلها ـ وأيضا البحر حيث هناك حنجرة البحر ص 28 ـ فإنه ما زال هناك متسع للنشيد والغناء والطرب والأمل، وما زال هناك متسع للكثير من الأصوات، لذا كثرت في الديوان أسماء الأصوات، وكثر استخدام كلمات مثل: (الكلام، الكلمات، قال، يقول، تقول، نحكي، يسأل، يقرأ، يتحدث ومنها: "حديث القرى، حديث المدن، حديث التي .."، أم الكلام، طلقات الكلام، جدل الكلمات، صدمة الكلمات، في وضح الكلام، كلام الماء، ما جدوى الكلام .. الخ) ويبلغ الاعتماد على طاقة الجذر اللغوي (قول) مداه في قوله: "قلت أقولُ لها قولةً" ص15 وحرف القاف ـ المتكرر هنا ـ أحد الحروف المجهورة، ويذهب الأزهري في التهذيب إلى أن القاف أمتن الحروف العربية، وأصحها جَرْسًا. والقول هو الكلام، أو كل لفظ مَذَلَ (أي أفشى) به اللسان تاما كان أو ناقصا.
وما دام هناك قول، فهناك استماع وإنصات، وهناك أيضا تساؤلات كثيرة، وقد كثرت علامات الاستفهام وأدواته، كما كثرت أفعال الاستماع والتنصت في قصائد الديوان، مثل قوله: تتنصتين ..
إذن: ماذا يقول الصوت، صوتي في قرار الماء
كما كثرت كلمة "الصوت" نفسها كثرة بالغة مثل (الصوت الأحن، صوت المياه، صوت المدى والكلام، صوت فيروز، ماذا يقول الصوت، صوتي في قرار الماء، صوته ينبوع، صوتك علقت فيه المسافة، صوتكم والحصار .. الخ)، على النحو الذي يشكل ملمحا مهما أو ظاهرة واضحة أمام عين القارئ وفي أذنه، وبذا يتحقق عنوان الديوان تحققا عمليا ـ وعى بذلك الشاعر أم لم يع ـ ولنبدأ تتبع هذه الظاهرة:
1- الهمهمة في قوله (همهمات الروح) ص 4، و(همهمات الأرض) ص 70. والهمهمة: ترديد الصوت في الصدر، أو هي الصوت الخفي، وتردُّد الزئير في الصدر من الهَمِّ، وكل صوت معه بَحَحٌ، وهي أيضا أصوات البقر والفيلة وأشباه ذلك.
2- الهسهسة في قوله (عاكفات في دم البحر المهسهس) ص5. وهساهس في قوله (هساهس رواد مقهى حباتر) ص 28. وهسيس في قوله (زربيَّةٌ من هسيس الأصائل) ص 75. والزربية: الوسادة تبسط للجلوس عليها. ج: زرابي. وفي التنزيل العزيز: وزرابي مبثوثـة.
ولنا أن نتخيل تلك الصورة البديعة في قوله إلى أبي جهاد (رمز الجهاد الفلسطيني): أنتَ قرةُ عينِ البلاد
وتفاحة القلب
زربيةٌ من هسيس الأصائل
يأوي إليها المخيم في ساعة القيظ
تأوي إليها العروبة في ساعة الحشد والحمحمة.
حيث صنع الشاعر صوتا وقت الأصيل ـ هو الهسيس ـ للوسادة التي تبسط للجلوس عليها.
والهسهسة: صوت حركة الدرع والحلي، وحركة الرِّجْل بالليل ونحوه، وكل ما له صوت خفي. والهسيس: الكلام الخفي، وهساس الجن: عزيفها في القفر، والهساهس من الناس: الكلام الخفي المُجَمْجَم.
3- النباح في قوله (كلب يعذبه النباح) ص 6. والنَّبْحُ: صوت الكلب، ونَبَحَ الكلب والظبي والتيس والحية، والنبَّاح: الكلب الضخم الصوت، والنَّبْحاء: الظبية الصيَّاحة، والحية تنبح في بعض أصواتها، والتيس ينبح عند السفاد، والنبوح: ضجة القوم وأصوات كلابهم.
4- المواء في قوله (وراقصات البار يبعثن الفضول، وذلك القط السيامي الأنيق يخش فيما بينهن، يموء .. أنت الآن أفضل) ص7. والمُواء: صوت القط، وصوت السُّنَّور، ماء يموء مواءً.
5- الوشوشة في قوله (النخل والطير النبيل يوشوش الجسد المعبأ بالتواصل) ص8. والوَشْوَشَةُ: كلام في اختلاط، وتَوَشْوَشُوا: همس بعضهم إلى بعض.
6- الصهيل في قوله (للبحر لا تنفك تصهل خيله) ص 8. ويصهل في قوله (حرِّضْ على بقعة الصمت جرحك يصهل) ص 46. والصهيل: صوت الفرس، وهو من أصوات الخيل.والصَّهَلُ (محركة) والصهْلُ: حدة الصوت مع بحح. وصهل الفرس صهيلا فهو صهَّال: صوَّت.
7- الهديل في قوله (والحمام السيد الهدَّال مبدع وقته) ص 9. والهديل في قوله (ويرمي هديلا على حنطة الصبح) ص18. وفي قوله (يا هوىً يا هديل) ص 34 والهديل: صوت الحمام، وخُصَّ بعضهم به، أو هو خاص بوحشيِّها. وقال ابن بري: وقد جاء الهديل في صوت الهدهد.
8- البقبقبة في قوله (والحمام السيد الهدَّال مبدع وقته: بقبقبقو بقبقبقو) ص9. والبقبقة: حكاية صوت الكوز في الماء، يقال: بقبق الكوز بالماء أي صوَّت، وبقبقت القدر غلت، والبقبقة: صوت غليان الماء.
9- الزَّقْو أو الزُّقَاء في قوله (ربما "أروى" تنام الآن، تسرح في مباهجها وتزقو) ص 9. والزُّقَاء: صوت الديوك من الدجاج. وزقا الصدى يَزْقُو زَقْوًا وزُقَاءً: صاح.
10ـ الصوصوة في قوله (صوصوت الكائنات) ص18. وصوصوات في قوله (طقس من الشجر العتيق وصوصوات الفجر من عبق يهش) ص 67. لم أجد لها ذكرا في المعاجم، ولعلها تكون عامية.
11- النشيد في قوله (سأبوح إذن بنشيدي) ص 20. وفي قوله (واقلبْ الآن وجه النشيد) ص 46. وفي قوله (حرض بحنجرة الأرض متسعا لنشيد الرجال) ص 46 ومنها يُشتق اسم الديوان. والنشيد: رفع الصوت، وتناشدوا: أنشد بعضهم بعضا.
12- الصراخ في قوله (وأتمم لغة قدر هذا الصراخ الحميم) ص 20. وفي قوله (تغرق ثانية في اللهيب وتصرخ، أصرخ، بينا يداي وإسفنجة الماء فوق الجبين) ص26. وفي قوله (إنها هند: بنت الصراخ المر في الصحراء) ص 58. وفي قوله (كيما تمر الديار من النفي في طلقة النار والصرخة الجائحة) ص 74. وفي قوله (صراخ الحامل في الباص) ص 85. والصُّرَاخ: الشديد من الصوت، والصَّرْخة: الصيحة الشديدة. والصارخة: صوت الاستغاثة.
13- الغِناء في قوله (فاستمسكت بالغناء المتبل بالوجع المدني) ص 22. وفي قوله (يلملمن من وجع العشب في صرة من غناء) ص 35. وفي قوله (امرأة تشد غناءها للشمس) ص 90. والغناء من الصوت: ما طُرِّبَ به. وغنَّى الحمام: صوَّت.
14- التغتغة في قوله (لحظة تستفيق من الحلم ثم تتغتغ (بابا)، تتغتغ (ماما) وتغرق ثانية في اللهيب) ص 26. والتغتغة: حكاية صوت الحلي، يقال: سمعت لهذا الحلي تغتغة إذا أصاب بعضه بعضا. ويذهب الأزهري إلى أن التغتغة: حكاية صوت الضحك، وقال الفراء: سمعت تِغْ تِغْ يريدون صوت الضحك. وأقبلوا تغٍ تغٍ: أي مقرقرين بالضحك. وتغتغ الشيء: سقطت أسنانُهُ فلم يُفهم كلامُه. وتغتغ كلامَه: ردده ولم يبينه. والتغتغة أيضا: رُتَّةٌ (أي عجمة) وثقل في اللسان، والمُتَغْتِع: متكلم لم يَكَد يُسمعُ كلامُه.
15- النشيش في قوله (النَّشِيش الذي يتصاعد من جسد الأرض والأفئدة) ص 28. والنشيش: صوت الماء وغيره إذا غَلَى. ونشَّ الماءُ نشيشًا: صوَّت عند الغليان أو الصب، ونش اللحم نشا ونشيشا: سُمع له صوتٌ على المقلى أو في القدر. والنشنشة: صوت غليان القدر، وصوت حركة الدروع والقرطاس والثوب الجديد. ونَشْنَشَ الدرعُ: صوَّت.
16- الأهزوجة في قوله (ابن عثمان ـ في شفة الليل ـ أهزوجة موصدة) ص 29. والهزج من الأغاني، وفيه تَرَنُّم، وصوت مُطْرِب، وصوتٌ فيه بَحَحٌ، وبه سُمي جنس من العروض، هو بحر الهزج، وتهزَّجَتِ القوس: صوَّتت عند الإنباض، أو عند خروج السهم منها. والهزج أيضا: صوت الرعد والذبان.
17- الهتيت في قوله (في يده بضع سنابل من "بولين" فواحدة للشاعر، واحدة للصياد، وواحدة لهتيت الجسد المحموم) ص 30. وفي قوله (هتيت حقل الفول) ص 70. والهَتُّ: صوت وقع قوائم البعير. وفي حديث إراقة الخمر: فهَتها في البطحاء، أي صبها على الأرض حتى سمع لها هتيت، أي صوت. والهتهتة: زجر البعير عن الشرب، فيقال له: هَتْ هَتْ. والهَتُّ: سرد الكلام، وهَتْهَتَ في كلامه: أسرع.
18- النغم في قوله: (هذا النغم الأوحد) ص 30. والنغم (محركة وتسكَّن): الكلام الخفي. مفردها نغمة، والنغمة أيضا: جرس الكلمة، وحسن الصوت في القراءة وغيرها.
19- الهتاف في قوله (نهتف الآن في مهرة الصبح أو مهرة الكدح كي لا نغيب) ص 32. وفي قوله (سأظل أهتف في البلاد/ أظل أهتف يا بلاد لمن نخيلك) ص 89. والهَتْفُ: الصوت الجافي العالي، وهتفت الحمامة: صوَّتت أو مدَّت صوتَها. والهتاف: الصوت العالي يرفع تمجيدا واحتفاء. وقوسٌ هَتَّافَةٌ وهَتوفٌ وهَتْفَى: ذات صوت.
20- الشدو في قوله (وبعد ـ تعلمت من خطوك الشدو والحمحمة) ص 33. وفي قوله (ومخبول يشدو "سهران لوحدي أناجي طيفك الساري) ص 85. وشدا الشعر: غنَّى به، أو ترنَّم.
21- الحمحمة في قوله السابق (وبعد ـ تعلمت من خطوك الشدو والحمحمة) ص 33. وفي قوله (في لوحة تتداعى بها وردة الحمحمة) ص 51. وفي قوله (تأوي إليها العروبة في ساعة الحشد والحمحمة) ص 75. والحمحمة: صوت البِرْذَوْن ( ) عند طلب الشعير. وحمحم الفرس: ردَّد صوته في طلب علف أو إذا رأى من يأنس به.
22- الحسيس في قوله (يا حسيس الطيور الونيسة حين تمير القلوب) ص 33. والحسيس: الصوت الخفي، قال تعالى في سورة الأنبياء الآية 102 لا يسمعون حسيسها وهو صوت النار. وفي الحديث "أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان في مسجد الخيف فسمع حسَّ حية" أي حركتها وصوت مشيها. وحَسْحَسة اللحم على الجمر: صوت نشيشه.
23- الهميس في قوله (آه من رقصات الحمام على حجرك البهرمان الهميس) ص 33. والهميس: صوت نقل أخفاف الإبل. وهي مشتقة من الهمس: وهو الصوت الخفي، وصوت حركة الإنسان. قال تعالى في سورة طه الآية 108 (وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا) والهمس أيضا: أخفى ما يكون من صوت القدم، وهو أيضا حِسُّ الصوت في الفم مما لا إشراب له من صوت الصدر، ولا جهارة في المنطق. ولنا أن نتصور الصورة الشعرية البصرية المبدعة لرقصات الحمام على الحجر البهرمان الذي يهمس (والبهرمان هو العصفر يصبغ به كالحناء).
24- الوسوسة في قوله (وأنت تمدين من نعمة معصمين / يوسوس حلي اكتداحك فيهن) ص 33. والوسواس: صوت الحلي. قال الأعشى:
25-
تسمع للحَلي وسواسا إذا انصرفت
كما استعان بريحٍ عِشْرِقٌ زَجِلُ

والعِشْرِق: شجر أو نبت. وأحسب أن الشاعر حميدة عبد لله قد استفاد في تصويره لصوت الذهب أو الحلي في قوله "يوسوس حلي" من صورة الأعشى في الشطر الأول. والوَسْوَسَة والوَسواس والوِسواس: الصوت الخفي من ريح. وكذلك حديث النفس والشيطان بما لا نفع فيه ولا خير.
25ـ الكركرة في قوله (وشَـعري يكركر في عب هم النساء) ص 35. وفي قوله (كركرة البط) ص 88. والكَرْكَرَةُ: صوت يردده الإنسان في جوفه. وكَرْكَرَ: ضحك. وكَرْكَرَ بالدجاجة: صاح بها. وكركرة الرحى: تَردادُها.
26ـ الجرس في قوله (الجرس الآن يدق) ص 57. والجَرْسُ والجِرْسُ والجَرَس: الحركة والصوت من كل ذي صوت. وفي الحديث: "فتسمعون جرس طير الجنة" أي صوت أكلها. وأجرس الطائر: إذا سمعت صوت مَرِّه.
27ـ الدقُّ في قوله (الجرس الآن يدق) ص 57. ومنها الدَّقْدَقَةُ: جلبة الناس، وصوت حوافر الدواب.
28ـ النَّدْهَةُ في قوله (واندهي قبرات المساء المغادر ميداننا) ص 61. ولعل الشاعر هنا يقصد المعنى العامي، لأن المعنى المعجمي نَدَهَ البعيرَ: بمعنى زجره وطرده بالصياح. والشاعر لا يقصد هنا هذا المعنى المعجمي وإنما يريد العكس، أي يريد اندهي بمعنى تعالي يا قبرات المساء. والنَّدْهَة (في المعجم الوسيط): الصوت.
29ـ الوهوهة في قوله (وهوهة البيوت) ص 70. والوهوهة: صوت في حلْق الفرس يكون في آخر صهيله.
30ـ الصياح في قوله (تنثني وترش طفليها صياحا) ص 67. وفي قوله (وتعض السكون فينبجس النبض: / كأكأة، وصياحا، وسقسقة، وثغاء) ص 78. وفي قوله (أيا صيحة أعشبت في الرمال) ص 82. والصُّيَاح أو الصِّيَاح: صوت كل شيء إذا اشتد، والصيحة الشديدة: صراخ وصرخة. أو هو (أي الصياح) الصوت بأقصى الطاقة.
31ـ السقسقة في قوله السابق ص 78 (وتعض السكون فينبجس النبض: / كأكأة، وصياحا، وسقسقة، وثغاء) والسقسقة: صوت العصفور، وسقسق العصفور: صوَّت بصوت ضعيف. وسِقْ سِقْ: زجر للثور.
32ـ الثغاء في قوله السابق أيضا ص 78 (وتعض السكون فينبجس النبض: / كأكأة، وصياحا، وسقسقة، وثغاء). والثغاء: صوت الشاة والمعز وما شاكلها، وهو صوت الغنم والظباء عند الولادة، وهو أيضا صياح الغنم، وفي حديث الزكاة "لا تجئ بشاة لها ثغاء". وثغت الشاة: صوَّتت. وأثغى شاتَه: حملها على الثُّغاء.
33ـ الطلقة في قوله (واخجلي حين لا أستطيع سوى طلقات الكلام / وأنتم تراتيل تخضر من طلقات البنادق) ص 83.
34ـ الضجيج في قوله (وجلسنا والمقهى كان يضجُّ) ص 85. وأضج القوم إضجاجا: صاحوا وجلَّبوا.
35ـ الأجيج في قوله (دخان الشوايات يئجُّ) ص 85. والأجيح: صوت النار، والصوت الحاصل من اختلاط الكلام وحفيف المشي، وأجيج الماء: صوت انصبابه. ويستخدم الشاعر هنا أسلوب تراسل الحواس، فيجعل لصورة الدخان ورائحته المنبعثة من الشوي صوتا هو الأجيج، ثم يحول اسم الصوت إلى فعل مضارع هو "يئج"، مما يضفي على الصورة حركة وحيوية وتوهجا، ويجعلنا ننعت مثل هذه الصورة ـ وما يشابهها من صور ـ بأنها صورة متوهجة.
36ـ الصفير في قوله (صفير العربات) ص 85. والصفير: الصوت بالفم والشفتين. والصافر: كل ذي صوت من الطير.
37ـ النداء في قوله (نداء الباعة يرسم في الأفق الورق المالي) ص 85. والنداء بالضم والكسر: الصوت.
38ـ الصَّدْح والصُّدَاح في قوله (ومطرب الكبريه يصدح) ص 92. وصدح الرجل والطائر صدْحًا وصُداحًا: رفع صوته بغناء. وصَيْدَح: الفرس الشديد الصوت.
***
هكذا بدت ظاهرة أسماء الأصوات في ديوان "بحنجرة الأرض متسع للنشيد" للشاعر حميدة عبد الله، ويبدو أن هذه الظاهرة منتشرة بين جماعة "الأربعائيون" التي ظهرت في سماء الإسكندرية منذ سنوات قليلة ثم توقف نشاطها، وكان الشاعر حميدة عبد الله أحد أعضاء هذه الجماعة الوليدة. وقد قرأت شهادة لعميد هذه الجماعة الشاعر عبد العظيم ناجي يقول فيها: "كل شيء يتحول إلى عزف أوركسترالي آهل بالطرافة والفرادة والطزاجة: صوت مصمصمة الشاي، دردبة الماء في البعلوم، صوت قرقشة الليمون المخلل الذي كان يعشقه عشقا مجنونا، التجشؤ المباغت والكظيم أحيانا .. الخ"( ).
ففي هذه السطور القليلة وجدنا أسماء خمسة أصوات هي: العزف، المصمصة، الدردبة، القرقشة، التجشؤ.
ولعل الاحتفال بأسماء الأصوات على هذا النحو يعني الاحتفال بالحياة نفسها، فالصوت يمتد في المكان والزمان معا، أي يمتد في الحياة نفسها، ولنا أن نتخيل حياة بدون أصوات وبدون كلام وبدون حديث وبدون حوار، وبدون شعر .. كيف يكون شكلها؟
من هنا احتفل حميدة عبد الله بأسماء الأصوات في ديوانه هذا، منذ اختيار العنوان الدال "بحنجرة الأرض متسع للنشيد" وحتى آخر قصيدة فيه وهي "هتاف" وكما سبق القول فإن الهتاف هو الصوت العالي يرفع تمجيدا واحتفاءً.
وعلى ذلك فإن الديوان يمجد ويحتفي بالإنسان صاحب كل هذه الأصوات ومكتشفها في الطبيعة من حوله.

اشارات 1 ـ معجم الأصوات في اللغة العربية. حميد السيد رمضان وعدنان كريم، دمشق: دار طلاس. 1993، ص 8.
2 ـ الموسوعة الطبية لجسم الإنسان. القاهرة: مجموعة خليفة للكمبيوتر1997.
3 ـ البرذون: يطلق على غير العربي من الخيل والبغال. ج: براذين.
4 ـ أزمة الشعر في مصر : دراسات وشهادات. القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة (سلسلة كتابات نقدية ـ 52) 1996. ص 225 أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية