العار

بقلم: حمزة الحسن

يبدو أن عقدة الشعور بالذنب لدى الشعراء الأمريكيين إزاء جريمة دفن آلاف الجنود العراقيين أحياءً في حرب الخليج الثانية قد تجذرت في الوجدان العام النظيف والحساس والنقي.فمن قبل كانت الشاعرة جنيفر ميدن وفي قصيدتها «دفن قبل الأوان» قد تحدثت بمرارة عن سوء الحظ "والذوق!" كما تقول الذي دفع هؤلاء الضحايا إلى الصحراء للموت، خنقا، بالرمل القادم من جرافات صنعت في أمريكا رمز الحرية.
( في ملاجئهم تحت الأرض خنقوا بالرمال).
بصراحة متناهية تقول جنيفر.
لكن لا أحد، أقول لا أحد أبدا، تحدث عن هذه الجريمة لا في أوساط الشعراء العراقيين، ولا في أوساط السياسيين، ولا في أنصاف السياسيين أو أرباعهم، وهم كثر في قاعات الحرب وفي أوقات السلام. هل هناك وقت للسلام؟!
لا أحد، أقول لا أحد.لا أحد يأتي، لا أحد يذهب، هذا فظيع. يقول صموئيل بيكت.
إن أخلاقية العراقي سياسيا كان أم بائعا جوالا أم مسؤولا، تتوقف عند الشارب والجنس والمراة.كل شيء عدا ذلك يهون.
ليس مهما الاغتصاب السياسي.
ولا الاغتصاب الثقافي.
ولا تزوير التاريخ، أو غياب التعددية،
ولا تدمير الجغرافية،
وإهدار الثروة،
وقتل الأبرياء،
وقتل عشرات الآلاف.
كل ذلك، وغيره، ليس مهما أبدا في العرف الأخلاقي العراقي.ليس، حسب هذا التقليد المتخلف، الاحتلال هو انتهاك للشرف. لا ليس كذلك. مع أن اغتصاب الأرض والسيادة والهوية والثروة هو انتهاك للشرف بكل معانيه وبأدق وأصدق معانيه. ومع ذلك لا يغضب العراقي على الشرف الرفيع إلا من ملاحظة أو وجهة نظر. عندها يكون الشرف الرفيع قد أهدر والكرامة جرحت.
الخطر كله في حفرة الجنس، وفي شارب الفحل، وفي عقال الشيخ، وفي عمامة الفقيه، وفي سمعة الرفيق. فمادمت رؤوس هؤلاء مرفوعة ولو على ضيم، وقهر، وعبودية، فكل شيء يهون. كم مرة قلت نحن بحاجة لمراجعة مفهوم" رفع الرأس". فليس الشريف هو من تسلم حرائره من الأذى، بل من تسلم أرضه. العلاقة عضوية بين الأرض والعرض. إن أي حشرة أو سحلية أو عصفور يدرك هذه الحقيقة بالبداهة.
الارهاب من كل مكان ليس انتهاكا للشرف حسب هذه العقلية.
هدر ثروة اجيال، وموت الاطفال،
وبيع النساء خاتم الزواج من أجل رغيف،
وسرقة المصانع، والحقول،
أو الجسد من اجل قنينة حليب للرضيع،
كل هذا، وغيره، ليس خللا في الشرف.
لتدخل كل دبابات العالم هذا الوطن المشاع، لكن حذار من دخول ما ينتهك" حفرة" الشرف الرفيع، ويخرق المقدس، وتنتهك الحرمة، وتهدر الكرامة. وهل كرامتنا مصنوعة من المني فقط؟!
كأن كل هذا الخراب، والجيوش، والضحايا، والسرقة، والاهدار، والفاشية، والقبلية، والخيانة، واستجلاب قوى اجنبية، كل هذا لا شيء.
اليس دفن هؤلاء الجنود الشباب الزهور هو أقذر جريمة حربية في العالم؟
أم أن هؤلاء جنود الطاغية؟ وقتلهم حلال؟ وليس مهما على أية قبلة؟!
ولماذا سكتنا، خاصة الشعراء، عن جريمة دفن آلاف الضحايا في الرمل وبعد إعلان وقف إطلاق النار؟ حتى دون أن نذكر بهم في كل سنة كما تفعل كل شعوب الأرض. بعض هؤلاء الشعراء الذين هتفوا لهذه الحرب يتحدثون هذه الأيام عن " حرب أخرى، غير متوقعة!" وعن حرية غريبة، وعن وطن ليس عراقنا الذي نعرفه. بل أنهم صوروا عودتهم للعراق كعودة كلكامش منتصرا على ربيع سقوط الجنرالات مع أن كلكامش لم يكن واشيا أو سياسيا صغيرا أو حالما بفتات من محتل، بل كان صانع أسئلة وجودية كبرى عن معنى الحياة والموت.كانوا يعتقدون أن قادة البنتاغون هم باعة بلابل في سوق الطيور في بغداد أو واشنطن.
كيف، إذن، يصبح الدكتاتور ظاهرة شاذة، إذا كنا نحن نتعامل مع حياة البشر بطريقة مهينة مثله تماما ونسكت عن جرائم دفن أبرياء؟ الصينيون إلى اليوم يطالبون اليابان بالاعتذار عن جريمة قتل احياء خلال الاحتلال وكل شعوب العالم فعلت ذلك. إلا نحن. اللغز؟ سهل جدا: صرنا نرى الحياة بعيون مشوهة هي ذاتها عيون الدكتاتور وهذا هو المأزق.
لا يهزنا قتل الألف ولا المليون ولا الخمسة ولا يهزنا أن يكون الوطن في خطر.
يهزنا فقد أن تكون "نقرة " الشرف المعتمة في خطر.
نحن سجناء داخل جلودنا.
كل واحد مسجون في معطفه أو داخل نفقه السري.
كل واحد منا منفى داخل قميصه.
كل واحد يقوده مداسه. الإنسان الذي ليس سيدا على أرضه، ليس سيدا على جسده.
العلاقة عضوية بين حرية الأرض وحرية الجسد.
كيف،إذن، نطالب العالم باحترامنا، إذا كنا نحن لا نحترم لا الحياة فينا أو في غيرنا ولم نحتج على موت علني جماعي مفتوح، ولا نهتز أبدا إلا إذا تعرض الشارب أو حفرة الجنس للخطر؟
ماذا سيحدث لو أن الولايات المتحدة دفنت مثل هذا العدد من الجنود أو الأرانب أو الكلاب في فرنسا أو السويد، مثلا، بالرمل؟ ألف لوحة" جارنيكا" أو مذبحة سترسم على ملايين الجدران.
متى نؤمن أن الفاشية هي انتهاك للشرف؟
وأن الكذب هو انتهاك للشرف؟
ومتى نصدق أن الاغتصاب الجنسي يوجد عند اغتصاب الوطن؟ وان الجسد مغتصب ما دامت الارض مغتصبة؟
متى نعيد النظر في مفهوم الشرف السائد وهو مفهوم قذر؟
متى نؤمن أن الكرامة البشرية لا تقع على حافات الأعضاء التناسلية فحسب؟
الا نخجل حين يأتي الاحتجاج على قتلانا من شاعر أو شاعرة أجنبية تبكي وكالة عنا؟
أليس هذا احتجاجا أيضا، بل تقززا، من سكوتنا؟
الشاعرة باميلا لوليس كانت تسمع نشرة أخبار تلفزيونية في 26 شباط/فبراير 1991 حين سمعت عن دفن الجنود العراقيين أحياء، وخنقا بالرمل، فقررت تصفية حسابها مع المؤسسة البربرية. وماذا يملك الشاعر من وسيلة غير الكلمات؟
الم يقل جان جنيه بكل شجاعة وصراحة وقوة "إن حياتي ومؤلفاتي كلها ليست سوى تصفية حساب مع المجتمع؟"
هل سنخجل من قصيدة باميلا؟
أم من الجرافات؟
أم من عيون الجنود المندهشين أمام كثافة الرمل الحار والنعاس المباغت كالخدر، كالنشوة، كالموت، كالجريمة؟

* قصيدة: الجندي المجهول
* الشاعرة باميلا لويس
(أخبار تلفزيونية،26، شباط/فبراير 1991)
دفنه الأمريكيون
في قبر ضحل من رمل براق،
جديد إزاء صحراء شاحبة،
صوّره فريق تلفزيوني عابر.
لن نعرف أبدا
ماذا دفع شابا
ليبحث عن طعام لزملائه
ويعود ميتا مع هداياه؟
بكيت عليه
كل دمعة حبة أرز
وقليل من الماء. * حمزة الحسن، روائي عراقي مقيم في النرويج موقع الاعزل: كتابات حمزة الحسن
www.geocities.com/alaazal