دمشق تختار الدبلوماسية في مواجهة بيئة سياسية صعبة

دمشق - من هنري معمر باشي

اختارت سوريا الضعيفة عسكريا والمهددة بعقوبات اميركية والمحاطة بدول معادية تدور في فلك الولايات المتحدة، النهج الدبلوماسي للرد على الغارة التي شنتها اسرائيل الاحد على اراضيها في سابقة منذ ثلاثين سنة.
لكن الشكوى السورية امام مجلس الامن الدولي قد تبقى بدون صدى بسبب معارضة الولايات المتحدة قرارا يدين "العدوان الاسرائيلي" والعلاقات الصعبة القائمة حاليا بين واشنطن ودمشق.
واعرب مسؤول سوري الاثنين عن الامل "في ان تشجب الولايات المتحدة هذه العملية لتبرهن على حرصها على السلام والاستقرار في منطقتنا المتوترة جدا".
واستدعي سفراء الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الامن الدولي الاثنين الى وزارة الخارجية السورية لتوضيح موقف دمشق لهم.
وطلبت سوريا الاحد في مجلس الامن الدولي الذي التأم على عجل بناء على طلبها، ادانة "العدوان العسكري الاسرائيلي".
لكن سفير الولايات المتحدة في الامم المتحدة جون نيغروبونتي كان شديد الوضوح عندما قال ان بلاده تعتبر ان ليس هناك حاجة "لقرار جديد حول الشرق الاوسط".
واسوأ من ذلك استخدم عبارات قاسية حيال دمشق عندما اعلن ان "سوريا في الموقع الخطأ من مكافحة الارهاب".
ولم ينفك القادة السوريون يؤكدون على تعاونهم مع الولايات المتحدة في مجال مكافحة الارهاب بعد هجمات الحادي عشر من ايلول/سبتمبر 2001 لكن في الظرف الحالي لا تعلق سوريا آمالا كبيرة على الارجح حول مصير شكواها امام مجلس الامن.
وكانت سوريا باعتبارها عضوا غير دائم العضوية في مجلس الامن الدولي اقترحت قبل اسبوعين مشروع قرار باسم المجموعة العربية يدين قرار اسرائيل المبدئي ابعاد الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات لكن الولايات المتحدة استخدمت حقها في النقض لتحول دون تبنيه.
الا ان الشكوى الجارية قد تمكنها من ان تظهر ان الاسرة الدولية ليست متضامنة مع الولايات المتحدة في حين تسعى هذه الاخيرة جاهدة الى تبني قرار جديد حول العراق وفق ما افاد مصدر في دمشق.
وحتى الان استفادت سوريا من ادانة البلدان العربية والاوروبية -لاسيما فرنسا التي اكدت ان الغارة الاسرائيلية تشكل "انتهاكا غير مقبول للقانون الدولي". كذلك دانت بريطانيا حليفة الولايات المتحدة الغارة ودعت اسرائيل الى "احترام القانون الدولي".
وجاءت هذه الردود نفحة اوكسجين لسوريا التي هي في حاجة اليها في وقت تواجه فيه تهديدا بعقوبات اميركية من خلال مشروع قانون تجري مناقشته في الكونغرس تحت عنوان "محاسبة سوريا".
واذا تمت المصادقة على هذا القانون فانها ستكون صفعة لسوريا لكنها ستثير ايضا استياء الدول الاوروبية التي تتفاوض حاليا لتتوصل الى اتفاق شراكة مع دمشق والعرب.
واعتبر باتريك سيل المتخصص البريطاني في الشؤون السورية ان رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل "شارون يمتحن كل مرة تسامح واشنطن وان المصادقة على هذا القانون سيسهل مهمته لان من مصلحة رئيس الوزراء الاسرائيلي ان تقاطع سوريا".
وفي هذا الاطار تدرك سوريا التي تدرك ضعفها العسكري على غرار البلدان العربية الاخرى في مواجهة اسرائيل، تجد نفسها لاول مرة في تاريخها تواجه بيئة جيوسياسية في هذا الحد من الصعوبة.
فعلى شرقها ينتشر اكثر من مئة الف جندي اميركي في العراق وفي جنوبها عدو اسرائيلي قوي بالدعم الاميركي وفي شمالها تركيا التي تبقى تدور في فلك واشنطن والمقربة من اسرائيل بالرغم من تقاربها اخيرا مع دمشق.