حكومة أردوغان: تطور للممارسة الإسلامية في السياسة التركية أم انسلاخ عنها؟

أردوغان: هل هو علماني في عباءة اسلامي؟

اسطنبول - ربط كاتب مختص بالشؤون التركية تجربة حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا حالياً بمحاولة إجهاض المشروع السياسي الإسلامي في البلاد، عبر تفريغه من الداخل.
إذ يلاحظ الكاتب الإسلامي مصطفى محمد طحان الذي يعتبر من أبرز المتابعين للشأن الإسلامي التركي في العالم العربي؛ أنّ تجربة حزب العدالة والتنمية في تركيا تحظى باهتمام الأوساط السياسية في منطقة الشرق الأوسط وربما في العالم الغربي كذلك.
ويشير طحان في مقال تلقته وكالة "قدس برس" إلى أنّ أكثر المهتمين بالأمر هي "الأوساط الإسلامية التي تحرص أن تقول إنّ هذا الحزب هو تجربة إسلامية جديدة، بوجوه جديدة، ومنطلقات وأفكار جديدة، تعمل على التوفيق بين الديمقراطية والإسلام، وتحسم صراع الهوية بين الإسلامية والأوروبية، وتصالح بين ألوان الطيف السياسي في تركيا فتستقطب المزيد من أصوات الإسلاميين والعلمانيين اليمينيين واليساريين، وتتفاهم مع الجميع عربياً وأمريكياً وإسرائيلياً".
وأعاد مصطفى محمد طحان وضع الحدث في سياق تاريخي، مستعرضاً الأوضاع منذ سقوط السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، وانتقال الحكم من قائد الجامعة الإسلامية إلى حزب الاتحاد والترقي القومي الطوراني الذي حكم البلاد وأدخل الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى.
ويشدّد الكاتب الذي نشر عدداً من الكتب في الشؤون التركية على أنّ "سقوط الدولة الإسلامية منذ إسقاط السلطان عبد الحميد وحتى عام 1924 تاريخ إسقاط الخلافة بشكل رسمي؛ لم يمرّ بسلام، فقد ثار الشعب في الأناضول، وسقط منه حوالي ربع مليون شهيد، وصنفت الدولة التركية الحركة النقشبندية الصوفية بأنها المعارض الأهم للنظام العلماني".
وفي عام 1970 قرّر جناحا المعارضة الإسلامية: الحركة النقشبندية بزعامة الشيخ محمد زاهد كتكو، والحركة النورسية التي أنشأها سعيد النورسي؛ إنشاء حزب النظام الوطني، فالوقت قد حان في رأيهم لتصعيد الموقف والتقدم خطوة إلى الأمام.
واستمر تحالف الجماعتين الإسلاميتين وشكلا عام 1972 حزب السلامة الوطني الذي خاض الانتخابات وحصل علي خمسين مقعداً من مقاعد البرلمان، وشكل أول حكومة ائتلافية مع حزب الشعب الجمهوري بزعامة بولنت أجاويد. وهذا التحالف الذي كان سبباً في انفصال الشريكين النورسيين والنقشبنديين؛ هو، في تقدير الكاتب، من أعظم المكاسب التي استفادت منها الحركة الإسلامية (التركية) على امتداد ثلث قرن.
فقد شهد البروتوكول الموقع بين الحزبين، تراجع حزب الشعب الذي وقع معاهدة لوزان التي تؤكد إلغاء المظاهر الإسلامية في البلاد وتكريس سقوط الخلافة، مثل الاعتراف بالإسلام السياسي والائتلاف مع الحزب الذي يمثله، وتقرير تدريس مادة "الأخلاق" أي الدين الإسلامي في المدارس الحكومية، وإمكانية أن يلتحق خريجو المدارس الدينية بكل الكليات الجامعية في البلاد، بما فيها كلية الشرطة، وكانوا من قبل لا يستطيعون دخول أية كلية باستثناء كلية الشريعة. كما تسلم حزب السلامة الوطني وزارة الداخلية التي تلعب دوراً هاماً في حياة الدول، بالإضافة إلى سبعة وزارات أخرى ومنصب نائب رئيس الوزراء. وقد اتفق الحزبان على إخراج مساجين الرأي ودعم الحريات العامة وحرية الصحافة، بينما "هذه الشروط لا يستطيع إبرامها إلا رجل ذكي محنك مثل نجم الدين أربكان"، كما يرى الكاتب الذي استعرض مسار السياسة التركية عبر نصف القرن الماضي.
أما التناول المفصلي لملف حزب العدالة والتنمية فيتعلق بهويته، فهل هو "استمرار للحركة الإسلامية التركية باستراتيجية جديدة؟ أم أنه تورغوت أوزال جديد؟
وطحان يشير هنا إلى الحدث السابق المهم الذي وقع في أعقاب انقلاب أيلول (سبتمبر) 1980، والمتمثل في تعيين تورغوت أوزال مستشاراً للانقلابيين. وكان أوزال أحد شخصيات حزب السلامة فقد ترشح عن الحزب في منطقة أزمير، وكانت "وظيفته الأولى هي الترويج للانقلاب والتهجم علي حزب السلامة. فقد أدركوا أنّ إسلامياً فقط، يستطيع أن يجهض هذه الصحوة الإسلامية الكبرى"، حسب ما يقرِّر.
ويعود الكاتب بالأذهان إلى تحركات أوزال آنذاك، فقد زار البلاد العربية واتصل بالشخصيات الإسلامية، وزار مراكز التأثير الإسلامية في تركيا لإقناعهم بفكرة تشكيل حزب بديل، وحاول إقناعهم بأن أربكان الذي كان لا يزال في السجن غير مقبول لدى العسكر، و"الأفضل أن نتجاوز المرحلة بتغيير الوجوه". واستطاع تورغوت أوزال بمؤازرة أخوه كوركوت أوزال، الذي كان من دعائم حزب السلامة، أن يستقطب نسبة كبيرة من شعبية السلامة، وبعد ثلاث سنوات من الانقلاب، الذي أعاد العسكر فيه صياغة الحياة السياسية؛ إذ حلوا البرلمان وألغوا الأحزاب وأعادوا صياغة الدستور وأوجدوا مجلس الأمن القومي، ثم أطلقوا من جديد حرية تشكيل أحزاب جديدة، وأعادت الحركة الإسلامية تشكيل حزبها الرفاه عام 1983.
وفي الانتخابات البرلمانية فاز حزب أوزال بالأغلبية الكبيرة، فكل القوى الداخلية والخارجية تؤازره، ولم يحصل يومها حزب الرفاه إلا على 1.5 في المائة من الأصوات. ولقد انتهى الاستغراب عندما أبرق وزير الخارجية الأمريكي إلى أوزال مهنئاً بالفوز الكبير واصفاً إياه برئيس الوزراء، وفق ما يسجل الكاتب، في إشارة واضحة إلى تشابه الظرف الراهن ما سابقه قبل عشرين سنة.
وبعد هـذه البرقية وافـــق العسكر على تعيين أوزال رئيساً للوزراء، وبقي أوزال محلاً للتنازع بين الإسلاميين، حتى انتشر فساده وفساد أسرته الأخلاقي والمالي، وبعد أن جمع حوله الطبقة السياسية المتعفنة، وأسقـط تركيا في حفرة الديون التي كانت في حدود ثلاثين مليار دولار، فتضاعفت أضعافاَ كثيرة بفضل سياسته المنفتحة على الأمريكان وصندوق النقد الدولي، حسب تقديراته.
وفي ما يتعلق بحزب العدالة والتنمية؛ يؤكد الكاتب أنّ "زعماء الحزب الجديد قدموا تنازلات كبيرة لمؤسسات مشبوهة داخلية وخارجية عملت باستمرار على إغراق تركيا في أزمتها الاقتصادية والسياسية"، وفق تأكيده.
وهذه الأطراف التي يشير إليها منها "توسياد"، وهي مجموعة رجال الأعمال النافذة في تركيا، والتي تقدمت بمذكرة إلى العسكر نبهت فيها من "خطر الإسلام السياسي"، وكانت المذكرة بكل بنودها هي جدول أعمال مجلس الأمن القومي الذي أطاح بحكومة أربكان.
ومنها أيضاً العناصر العلمانية التي "انسلخت من أحزابها لتنضم إلى الحزب الجديد، ولتنفذ سياسة المؤسسات المشبوهة مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي الذي لم يخف ترحيبه لدعم التجربة الجديدة. ولقد اضطرت قيادات الحزب الجديد إلى تليين مواقفها للوفاء بتعهداتها المسبقة لهذه المؤسسات"، كما يشير الكاتب.
ويلفت مصطفى محمد طحان الانتباه إلى أنّ "مستوى التدين العام لدى الشعب التركي قد انخفض بوضوح (في عهد العدالة والتنمية). فالخطاب الاربكاني كان يركز على البعد الديني وأهميته في تعريف الهوية التركية، أما في الحزب الجديد؛ فيصرح قادته: نحن لسنا حزباً دينياً، نحن حزب أوروبي محافظ. ويؤكد رئيس الحزب: إنّ القرآن كتاب ديني، والديمقراطية شكل للحكومة، ومن الخطأ أن نضع الاثنين ضمن تقسيم واحد. وانتقد رئيس الحزب: استغلال الدين وتوظيفه في السياسة". أما "عندما كتب الأمريكان استراتيجيتهم الجديدة؛ فقد أثنوا على حزب العدالة والتنمية وقالوا: إنهم فصلوا الدين عن السياسة".
وبينما يطرح طحان السؤال "هل هذه الرؤية هي تخل تكتيكي مؤقت (من جانب حزب العدالة والتنمية)، في مواجهة مؤسسة الجيش والعلمانية، وتحايل على الواقع السياسي التركي؟ أم أنّ الأمر يصل إلى حدود حدوث تغييرات استراتيجية في نمط تفكير ورؤية الحزب على المدى البعيد؟"؛ فإنه يردّ على ذلك بأن يستدعي تصريحاً لرئيس الوزراء التركي وزعيم الحزب ذي الجذور الإسلامية يقول فيه "إنّ هذه هي رؤية الحزب الحقيقية، وسيلاحظ المتتبعون له صدقه في الالتزام بهذه الشعارات". ويتابع أردوغان مستغرباً "لقد غيرنا موقفنا فلماذا لا تريدون أن تصدقوا؟.(قدس برس)