هيكل يعتزل الكتابة الصحفية

هيكل فضل دائما لقب الجورنالجي

القاهرة - أعلن الكاتب المصري الشهير محمد حسنين هيكل اعتزاله الكتابة بعد بلوغه سن الثمانين في شهر أيلول (سبتمبر) الماضي 2003، واستأذن قراءة في "الانصراف"، مقدماً لهم كشف حساب بتاريخه وأسباب الاعتزال.
قال هيكل في مقال مطول نشرته صحيفة "الأهرام" المصرية على أربعة صفحات في عددي الثلاثاء والأربعاء أنه فكّر في الانصراف عن الكتابة عدة مرات في مناسبات مختلفة، منها مرة عام 1999 عرف فيها أنّ هناك خلايا سرطانية تنشط في جسمه، لكنها أصبحت ضعيفة الآن، ومنها ما قبل أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001.
وشدّد هيكل على أنّ "الانصراف نيتي وليس الاختفاء، بمعني أنه الابتعاد وليس الغياب، فما زال لديّ ما أريد أداءه ضمن جدول أعمال يكفيني‏،‏ حتى وإن ظهر علي شكل ملفات خام أصلية وأصيلة أو قد أفكر فيما هو معروض عليّ كحلقات تليفزيونية مصورة موثقة".
وروى هيكل رحلته في الكتابة منذ بداية حياته الصحفية حتى وصوله إلي مرتبة عالية في المهنة، كما عرض للعقبات التي واجهته، خاصة في ظل حكم الرئيس المصري الراحل أنور السادات من منع للكتابة ومضايقات ثم سجنه سنة 1980.
ثم تحدث الكاتب البارز عن فترة تولي الرئيس مبارك السلطة فقال "كتبت لمجلة‏ المصور‏‏ مجموعة من ستة مقالات عرضت فيها تصوري للممكن والمطلوب في مرحلة مستجدة، وطلبت من الأستاذ‏ مكرم (محمد أحمد)‏‏ عارفاً طبيعته‏،‏ مقدراً لالتزامه المهني وتمسكه‏؛ ألا ينفرد في هذه المقالات الستة بقرار، ورجوته ملحاً ومخلصاً أن يراجع قبل أن ينشر‏".‏
وحدث بعد أسبوعين أنّ مجموعة المقالات الستة التي كتبتها للمصور عادت إليّ يحملها الدكتور‏ أسامة الباز،‏‏ مصحوبة برسالة شفوية رقيقة تقبلتها برضا واحترام وملخص الرسالة‏: أنّ ما كتبته في المقالات الستة يسبِّب إحراجاً في الوقت الحاضر، ثم إنّ الأمر متروك لي، وكان ردي دون تحفظ أنني آخر من يخطر له إحراج نظام لا يزال يحاول، أوائل سنة ‏1983، تثبيت أوضاعه واستجماع خطوطه للقيام على مسؤولية الوطن في ظرف دام ومحتقن، وأزحت المقالات الستة جانباً، لم أنشرها لا في مصر ولا خارجها، حتى بعد مرور عشرين سنة".
وروى هيكل قصة المرض الذي ألم به فقال "في سبتمبر (أيلول) ‏1999‏؛ دقّ جرس له رنين، فقد وقع في أثناء مراجعة طبية دورية أن‏ّ علي هيكل‏، أكبر أبنائي وأقرب أطبائي،‏ وهو أستاذ في كلية الطب بجامعة القاهرة‏،‏ اكتشف وجوداً ملحوظاً لخلايا مريبة‏،‏ سرطانية بطبيعتها‏، ومع أنّ نشاطها‏ الآن‏‏ ضعيف ومحصور؛ فإنّ أحداً لا يستطيع ضمان ألا تشتد ضراوتها وتزيد سرعتها وتنفلت منتشرة، وقرّر‏ علي‏‏ أن يتوسع في الفحص، وإذا بؤرة خطيرة أخري تظهر علي صور الأشعة‏".‏
ومضى هيكل متابعاً "التقى لفيف من الأطباء وجلست أمامهم وإذا الإجماع أنّ الموضع الأول للخطر يحتاج إلى علاج بالإشعاع‏،‏ في حين يحتاج الموضع الثاني إلى مبضع جراح، وكان هناك اتفاق على أنّ الجراحة أولى بالسبق، والإشعاع عليه الدور بعد أسابيع، والولايات المتحدة الأمريكية يتحتم أن تكون مقصدي وبسرعة. وسألت إذا كانت هناك بدائل أخرى في مصر أو قريباً منها، ولم يقبل‏ محمد عبد الوهاب‏ ورد بأنه‏: إذا كان الأكثر تقدماً في إطار ما أقدر عليه؛ فلماذا القبول بغيره في شأن يتعلق بالصحة".
وأضاف‏ "أنّ الجراحة الشائعة عموماً في مثل هذه الحالات تختصر الطريق باستئصال الكلية، لكن هناك أستاذ أمريكي استطاع تحقيق اختراق مهم يركز على الكشط والتطهير، ومع أنها جراحة متناهية في الدقة؛ إلا أنها تساوي المخاطرة لأنها،‏ في حال نجاحها‏،‏ تحتفظ بالكلية شبه سليمة وقادرة على أداء وظائفها، وفي دقائق تلاقت الآراء علي الدكتور أندرو نوفيك الجراح المشهود له عالمياً في هذا التخصص، ثم تلت ذلك إشارات إلى الدكتور باتريك كوبليان أستاذ الإشعاع الذي لفت الأنظار في الولايات المتحدة؛ ليتولى الجزء الثاني من العلاج".
وأوضح محمد حسنين هيكل أنه "عقب تلك التجربة عاودني مرة أخري هاجس الاستئذان في الانصراف، لكني اعتبرته علي نحو ما في تلك الظروف، تنكراً وربما جحودا".
كما أكد هيكل أنه كان يفكر في الاستئذان قبيل أحداث 11 أيلول (سبتمبر)، ولكن، كما قال، "انقضت مفاجأة أحداث 11 سبتمبر في الولايات المتحدة وما ترتب عليها، بل وما سبقها منذ استولت المجموعة الإمبراطورية الجديدة علي سلطة القرار في البيت الأبيض، وأخذتني عن كل هم آخر، فقد بدا المشهد الدولي للجميع وكأنه تساقط كتل ضخمة من جبل مهول مسه جنون زلزال، ثم راح الأعتى من هذه الكتل يتدحرج متدافعاً منقضاً على العالم العربي، وأحسست أنّ الحاجة إلى الاستئذان في البقاء أشدّ إلحاحاً من خاطر الاستئذان في الانصراف، وتبدي لي أنّ المشاركة في البحث عن رؤية مشتركة للمستقبل القادم أولى وأحق بصرف النظر عن اختفاء أوراق وملفات وكتب تخص زمانها الذي يضيع‏، وإن لم يضع".
وحاولت شيئاً من تلك المشاركة خلال مجلة "وجهات نظر" التي طرحت نفسها منبراً رصيناً يحاول أن يستكشف ويستطلع، وشجعني أنّ مقالاتي فيها تنشر في الوقت نفسه بعدد من صحف العالم العربي.
وختم هيكل بالقول "ظني أنه ربما يكون من شيء أقدمه فائدة لزمن قادم ولجيل لم يولد بعد‏،‏ لعلّ هذا الجيل يتجاسر ويستدعي كامل همته ويُقبِل علي المراجعة والفرز دون رهبة من أباطرة السيطرة وقهرهم وغارات أمراء الانتقام وحرابهم وطالبي الثأر يطاردون الماضي دون أن يخطر لهم أنهم شُرِّدوا خارج التاريخ إلي التيه في قفار موحشة".
وشدّد الكاتب البارز على أنّ "الانصراف ليس سقوطاً في بئر الغيبوبة، ولا سجناً في قبو قلعة نائية، وحول الرأس والرقبة قناع من حديد وحول الأيدي أغلال من صلب وفي الأقدام أساور تمسكها سلاسل محبوكة تجرح وتدمي إذا تحرك الأسير‏؛ أي أنه لا يزال‏، علي نحو ما‏،‏ جهد الدارس الممارس، ولكن من ركن ناء بعيد‏،‏ هناك على طرف قصي".
وأضاف "في خاتمة المطاف؛ فقد استقر عندي أن الاستئذان في الانصراف وجب، مشيراً إلى أنه اتصل بناشري كتبه والصحف الأجنبية التي يعمل معها وأبلغهم اعتذاره"، ومضى مسترسلاً "من صدق تكريم الحياة ووجوب احترامها؛ أنّ الناس لا يصح لهم أن يتسمّروا حيث هم حتى آخر قطرة زيت في المشكاة، وإنما الأفضل أن تظل لديهم بقايا همة تسمح لهم، بعيدا عن الزحام‏، بالنظر إلى حركة التقدم الإنساني العظيمة ومتابعة حيوية التاريخ الهائلة، قادرين على ذلك بأشواق تيسِّرها بقية من عافية وعقل، تحفظ لهم صلة ممكنة بعصور مذهلة، ومتوحشة، تقوم الآن فعلاً على تغيير الدنيا شكلاً وموضوعا‏؛ روحاً وحركة".
وكان عدد من الكتاب المصريين ورؤساء تحرير الصحف قد كتبوا منذ شهر تقريباً مطالبين محمد حسنين هيكل بالتخلي عن فكرة اعتزال الكتابة، بيد أن كل المقالات والرجاوات لم تفلح في إثناء هيكل عن عزمه الاعتزال عن الكتابة، مفضلاً ما يدور في عالم "متوحش" من طرف قصيّ.