تحالف الحرب والسيطرة والحصار

بقلم: محمد الحمامصي

أعترف أنني لست من هواة متابعة السينما العربية قديمها وحديثها أولاً لكونها مليئة بالثغرات على المستويين الفني والتقني فضلاً عن ضعف حبكتي القصة والسيناريو، وإن لم يمنع ذلك وجود استثناءات، أما السينما الأجنبية خاصة منها الأمريكية والأوروبية فإنني شغوف بمتابعتها ليس لكونها عالية الجودة الفنية والتقنية ومحكمة على مستوى القصة والسيناريو، ولكن أيضاً كونها تنطلق ضمن استراتيجية تكشف الأبعاد الخفية التي تدور فيها الأفكار داخل المجتمع، خاصة أفكار مجتمع النخب السياسية والاقتصادية والثقافية والفكرية، ومن ثم فإن هذه السينما تقرأ الماضي والحاضر وتطرح رؤى المستقبل وفقاً لتطلعات الغطرسة والهيمنة والسيطرة والاستباحة، والتي غالباً ما تحملها المراكز البحثية في كافة تخصصاتها، وأيضاً باعتبارها جزء لا يتجزأ من التوجه العام للدولة والمجتمع.. أما السينما العربية فهي تنطلق من استراتيجية (العكعكة) (سمك لبن تمر هندي) فهكذا الحال من السياسة الى الاقتصاد.. وهلم جرا، ليست هناك أفكار وإن وجدت فهي لا تخرج عن كونها تنازلاً أو خضوعاً أو استسلاماً تاماً غير مشروط، ومن ثم فهي لا تصنع قيماً ولكن تفتت القيم الموجودة فلا يعود لها وجود..

ما دفعني الى الإدلاء بهذا الاعتراف دون أن يكون مطلوباً مني، هو أن ما حدث هذا الأسبوع بدءاً من تهديد الرئيس الفلسطيني عرفات بالطرد والتصفية وردود الفعل العربية ومروراً بتهديد سوريا ومشروع الكونجرس الأمريكي لمحاسبتها وانتهاء بشريط بن لادن والظواهري، لا يخرج عن كونه فيلما أمريكياً إسرائيليا مشتركاً كتب له القصة والسيناريو والحوار المجرم آرييل شارون ومساعده جورج دبليو بوش اللذين شاركا في بطولته أيضاً مع كولن باول وايهود أولمرت نائب شارون وبعض المسئولين الأوروبيين والكومبارس العرب، وهو يأتي استكمالاً لسلسلة متصلة من الأفلام المفتوحة النهايات والتي لا تخرج مهمتها عن إرباك المياه الراكدة عربياً وزغللة العيون وإلهاء العقول للتعتيم على الخطط الإجرامية الرامية الى الإطباق على منطقة الشرق الأوسط ومن ثم العرب والمسلمين لشل حركتهم وتكميم أفواههم وكتم أنفاسهم ومحو هويتهم الدينية والحضارية، وهو ما يأتي بثمار جيدة في ظل سياسات الانحناء والتنازل، وقد تم تصوير الفيلم في أنحاء عدة من العالم، كما حظي عرضه بالعناوين الرئيسة في وسائل الإعلام الغربية والعربية.

تبدأ أحداث الفيلم بفشل محاولة اغتيال الشيخ أحمد ياسين زعيم ومؤسس حركة المقاومة الإسلامية حماس، وإعلان شارون (الخيار إما نحن أو هم)، تلا ذلك تكثيف وزراء شارون الدعوة الى طرد عرفات أو اغتياله أو اختطافه، هذا في الوقت الذي هدد فيه عاموس جلعاد رئيس الإدارة السياسية الأمنية في وزارة حرب شارون بعمل عسكري ضد سوريا، وعقب عملية استشهادية يغادر شارون نيودلهي عائداً الى إسرائيل بعد قرار اختصار زيارته التاريخية للهند، ليعقد جلسة أمنية مصغرة، حيث يعلن إيهود أولمرت نائبه بعدها أن قتل عرفات خيار مطروح أمام حكومته، وأن هذه الحكومة لا تستبعد التخلص من عرفات في إطار محاولاتها استئصال من وصفهم برؤوس الإرهاب والمحرضين عليه، ثم يأتي بيان الحكومة ليعلن أنها لن تتعامل مع أي مسئول فلسطيني يأتمر بأوامر من الرئيس عرفات.
وتتواصل أحداث الفيلم الأمريكي الإسرائيلي المشترك حيث تخرج علينا قناة الجزيرة الفضائية عشية الذكرى الثانية لهجمات 11 سبتمبر بفيلم لابن لادن والظواهرى يتعهدان فيه بمزيد من الهجمات ضد أمريكا، ويستحوذ هذا الفيلم بعض الوقت حيث تقوم الاستخبارات الأمريكية بتحليل صوتي بن لادن والظواهري ومكان التصوير و.. إلخ، لكن وزراء شارون وحكومته لا يكفون عن تهديد عرفات بقرارات الطرد والاغتيال والتصفية، ويقف المسئولون العرب والجامعة العربية مطالبين اسرائيل بالتراجع عن قرارها ضد ذلك، ثم يأتي دور كولن باول وزير الخارجية الأمريكي ليعلن رفض بلاده تصفية عرفات أو نفيه، محذراً من أن الغضب سيجتاح المسلمين في كل مكان في العالم إذا تم نفي الرئيس الفلسطيني أو قتله، في نفس الوقت الذي يكرر فيه اتهاماته لسوريا بأنها لا تفعل ما يكفي لإنهاء دعمها للنشاط الإرهابي بما فيه تسلل المقاتلين عبر الحدود إلى العراق، وترد سوريا أنها مستعدة للتعاون الكامل مع الولايات المتحدة وأنها خصم لدود للإرهاب الدولي، وتتصاعد حدة الأحداث وتقدم السودان الذي يرأس المجموعة العربية في الأمم المتحدة، رسمياً مشروع قرار عربي الى مجلس الأمن يرمي الى المطالبة بتراجع “اسرائيل” عن قرارها بإبعاد عرفات، أو تهديد سلامته. وتؤكد فرنسا تأييدها للقرار، وتنضم إليها روسيا و مندوبو 11 دولة، وتمتنع بريطانيا وألمانيا وبلغاريا عن التصويت، فيما تستخدم واشنطن “الفيتو” ضد القرار، ويشير مندوبها لدى المجلس جون نيجروبونتي وجود “خطة سلام جيدة تماماً مطروحة على المائدة” ستتم مناقشتها على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا الشهر، ومن الأمم المتحدة الى الكونغرس الذي يناقش مشروع قانون محاسبة سوريا باعتبارها دولة راعية للإرهاب وداعمة له فضلاً عن وجودها العسكري في لبنان وتطوير أسلحة دمار شامل.. الى هنا أترك للقارئ والمشاهد الكريم بقية الفيلم حيث يخشى الغرب من أن يكون الفيتو الأمريكي تصريح بقتل عرفات..
أعود الى هدف الفيلم حيث قام بالتعتيم على أكبر استراتيجية لإحكام السيطرة والحصار على مجموع الدول العربية والإسلامية خاصة العراق وإيران وسوريا والسعودية وباكستان وأفغانستان.. وسوف نتوقف مع مؤشرات تكوينه قبل أن نعرض أيضاً مؤشرات مهماته..
استراتيجية السيطرة والحصار تقوم على تحالف حرب يضم الخماسي إسرائيل ــ أمريكا ـ الهند ـ تركيا ـ مجلس الحكم في العراق ومؤشرات تكوينه كالتالي:
قبيل الزيارة التاريخية للمجرم شارون الى الهند بأسبوعين أبلغت أمريكا حكومتي إسرائيل والهند أنها لا تعارض حصول الهند على طائرات مخصصة للتجسس والإنذار المبكر من إسرائيل، وبعد أقل من أسبوع من الزيارة قرر رئيس الوزراء الهندي القيام بزيارة لتركيا، وذلك في نفس الوقت الذي: بدأ فيه وزير داخلية تركيا زيارة مفاجئة لإسرائيل (10/ 9) ــ ووافقت فيه الإدارة الأمريكية في خطاب لها للكونجرس على تقديم القرض المقرر لتركيا والبالغ قيمته 8.5 مليار دولار ــ وتلقي فيه أحمد الجلبي الرئيس الحالي لمجلس الحكم الانتقالي العراقي دعوة من الحكومة التركية لزيارة أنقرة وإلقاء خطاب أمام البرلمان التركي ــ وقرر فيه مجلس الحكم الانتقالي العراقي إرسال وفد الى أمريكا للقاء المسئولين وعلى رأسهم جورج دبليو بوش، وبالطبع سوف يقابله أحمد الجلبي باعتباره الرئيس الحالي لمجلس الحكم..

مؤشرات مهمة عمل التحالف الخماسي :
ــ في الوقت الذي تنتظر فيه سوريا فرض عقوبات أمريكية ما لم تسلم وترضخ الرضوخ الكامل لمطالب الإجرام الإسرائيلي والأمريكي، عرضت واشنطن على تركيا (تركيا تنتظر 8.5 مليار دولار قرضاً أمريكياً)أن تقوم بنشر قوات بطول الحدود العراقية السورية (يذكر أن أزمة تركية سورية نشبت عام 1998 نقلت خلالها تركيا وحدتين من جيشها الى الحدود مع سوريا)، ولأن سوريا حليفاً استراتيجياً لإيران، ولأن هناك عداء تاريخي بين إيران الشيعية وتركيا السنية، فلماذا لا تقف تركيا في مواجهة إيران وسوريا، في نفس الوقت الذي تستعد فيه إسرائيل مدعومة أمريكياً بـ (100) مقاتلة أمريكية من طراز إف ـ 16 لضرب إيران ممثلة في منشأتها النووية أو أي أهداف أخري، فهذه المقاتلة قادرة على الوصول للأراضي الإيرانية بعد إقلاعها من إسرائيل دون حاجة للتزود بالوقود، كما أن لديها رغبة ملحة لضرب سوريا وحزب الله في لبنان، إذن القوات التركية التي ستدخل العراق سواء لتقف على الحدود السورية العراقية أو الحدود التركية العراقية أو منطقة كردستان فهي تأتي تأميناً وحماية لمصالحها ومصالح حليفتيها أمريكا وإسرائيل في حال توجيه ضربة لكل من إيران وسوريا تحديداً لكن لا مانع من تهديد دول أخرى في المنطقة، فالأطماع التركية أبعد من حماية حدودها من المتمردين الأكراد أو اقتطاع جزء من العراق لضمه إليها، فهناك خطة تركية إسرائيلية برؤية أمريكية لإعادة توزيع مياه دجلة والفرات، أما مجلس الحكم فإن مهمته لن تتغير وهي تسهيل مأموريات الاحتلال وشركائه وتوفير العملاء وتقديم كل ما غلى ثمنه وخف وزنه من ثروات العراق تكلفة لبقاء العراق محتلاً ومباحاً، ومن ثم فإن استقراره مع حلفائه المحتلين يتطلب ردع أو ضرب الدول التي يمكن أن تعترض على ما سوف يحدث على الساحة العراقية كإيران وسوريا.. أما الهند فسوف تقوم بتأمين العديد من الجبهات التي يحتمل أن تثير القلاقل لأمريكا وإسرائيل على رأسها بالطبع جبهة باكستان وبنجلادش الإسلاميتين والنمر الشيوعي الصيني، فالرئيس الباكستاني برويز مشرف مهما قدم من تنازلات تقترب لحد فتح الأراضي الباكستانية للقوات والاستخبارات الأمريكية، فهو مؤهل لصفعة هندية تحت سمع وبصر الأمريكان ومساعدة إسرائيل، والمدهش حقاً أن يأتي خبر صفقة الأسلحة التي تعتزم أمريكا بيعها لباكستان وينتظر أن تبلغ قيمتها 9 مليارات دولار قبيل زيارة شارون للهند وموافقة أمريكا للهند وإسرائيل على بيع الأخيرة طائرات فالكون وأنظمة رادار متطورة للتجسس والإنذار المبكر للأولى.. إنها الحرب والحصار حتى التصفية أو الموت وما حدث لأفغانستان بدعم برويز مشرفة ليس بعيداً عن رأسه..
أيضاً عتم الفيلم الأمريكي الإسرائيلي على ما يجري على الساحة العراقية والنجاح المدهش الذي تحققه المقاومة العراقية في تكبيد قوات الاحتلال خسائر شبه يومية في العتاد والأرواح، وذلك دون دعم عربي معنوي أو مادي، بل هناك تخاذل وتنازل متجلي على كافة المستويات، وعلي الجانب الأخر قيام قوات الاحتلال بعمليات اعتقال وقتل بل وإبادة وتخريب ومجزرة الفلوجة التي راح ضحيتها 12 شرطي عراقي وطفلة تكشف تطوير الاحتلال لعملياته ضد الشعب العراقي، وأن هناك الكثير من المجازر التي تجري أثناء المداهمات الليلية المستمرة للقرى والتجمعات السكنية، ويضرب الاحتلال حولها سياج التعتيم، يكفي أن أحداً لم يجر إحصاء عن عدد الشهداء من الشعب العراقي الذين سقطوا برصاص قوات الاحتلال، أيضاً لم يسأل أحد عن المعتقلين والذين يزيد عددهم عن 10 آلاف.. أيضاً عتم الفيلم على ما يتم في العراق من بيع لثروات البلد وربما للشعب العراقي عن بكرة أبيه.
لكن تظل استراتيجية السيطرة والحصار للعرب والمسلمين والتي يقودها تحالف قابل للزيادة يضم إسرائيل وأمريكا وتركيا والهند ومجلس الحكم في العراق، هي استراتيجية حرب بدأت وستتواصل الى أن يتم القبض على العرب والمسلمين وإيداعهم سجون غونتانامو ومعالجتهم وفق قيم ومبادئ الحضارة الصهيونية الأمريكية.. محمد الحمامصي
كاتب وصحفي مصري hamamsi@yahoo.com