سحر الموجي وحورية البدري وقهر الرجل

بقلم: أحمد فضل شبلول

أوجه شبه كثيرة تجميع بين الروايتين "دارية" لسحر الموجي، و"عودة الموناليزا" للدكتورة حورية البدري. غير أن أهم شبه بينهما هو التعرض لقهر الرجل الذي يمثل الزوج في كلتا الروايتين، وطلب الطلاق من كلا الزوجتين، والذي يتحقق بالفعل لشيرين زوجة د. مجدي في "عودة الموناليزا"، ولم يتحقق لدارية زوجة سيف في "دارية" حتى هذه اللحظة.
ولعل عنوان "عودة الموناليزا" تقصد به حورية البدري عودة ابتسامتها لها ـ حيث كان يشبهها زوجها أيام الحب الأولى بالموناليزا ـ بعد أن تحقق فعل الطلاق والحصول على حريتها في نهاية الرواية.
كلا البطلتين مثقفتان، فدارية شاعرة فنانة تعرضت كثيرا للإهانات من زوجها الذي قضت سنواتها الأولى معه في حالة حب مصحوبة باعتذار دائم عن أي تقصير في حياتها الزوجية، فاتهمها بالغباء، وبدأ يضيق عليها الخناق، ويعلق على كل تصرفاتها، وعلاقاتها بصديقاتها، والتحكم في إيقاع حياتها، ومحاولة احتوائها كطلفة صغيرة لا تُجيد فهم الحياة، وأنه الوحيد المُدرك للأشياء والأمور والذي يفهم في كل شيء، بل كان يسفِّه إبداعَها الشعري الذي بدأ يأخذ طريقه للنشر في الصحف والمجلات عن طريق صديقتها الفنانة التشكيلية هادية، ثم في صورة دواوين شعرية منشورة.
أي أنه في جملة قصيرة، صادر حريتها كامرأة مثقفة ناضجة، وأم لطفلين (أمينة، وجاسر).
إنه يقول لها صراحة: "أنا ما بحترمش المثقفين دول. فاكرين نفسهم يعرفوا كل حاجة. مجرد كلام في الأدب والسياسة وشوية أبيات شعر بيرددوها زي البغبغانات، وتلاقيهم في أمور الحياة العملية ما يعرفوش حاجة .. الثقافة دي زي دروشة. انغلاق العقل على جانب واحد نظري. والباقي صفر".
ويوحي لها بفشلها في الحياة الثقافية أو الأدبية بقوله لها: "ما لكيش وجود خارج الأسرة. أنت بتكتبي الشعر تحت تأثير أزمة. علشان تهربي من الواقع".
وبالفعل تبدأ دارية في الإحساس بالاختناق الحقيقي في علاقتها مع زوجها سيف. وتنجح في نقل هذا الإحساس إلى القارئ. وقد لاحظ أبوها ذلك، فبدأ يحتضنها ويشجعها على الانفصال عن ذلك الزوج غير الكفء لها ولأولادها، ولكن الزوج ركب رأسه ورفض فكرة الطلاق، بعد أن كان يلوِّح بها، بل استخدم حقه القانوني في منعها من السفر لحضور مؤتمر شعري في لبنان. ونسمع ذلك الحوار في صالة مطار القاهرة الدولي:
(المسافرة دارية محمد شمس الدين. الرجاء التوجه لمكتب مدير الجوازات.
أسرعت الخطى. وقلبها يدق بعنف توقع الآتي. سألت أول ضابط قابلها:
ـ مكتب مدير الجوازات فين؟
ـ إنت دارية شمس الدين؟
ـ أيوه فيه حاجة؟
ـ لأ. ولا حاجة.
ـ ولا حاجة إزاي. فيه إيه؟
ـ بسيطة بسيطة .. سيادتك مش هتسافري.
صرخت في مكتب مدير الجوازات:
ـ مافيش معايا أطفال على الجواز. ومعايا تأشيرة مؤتمر. يعني راجعة تاني بعد ست أيام.
ـ أنا آسف يا أستاذة. جوزك طالب سحب الجواز. هابعت أجيب لك الشنطة من على الطيارة).
هكذا تشعر دارية بالضآلة والضياع والسيطرة والمهانة الإنسانية، إزاء تصرف زوجها الذي يرفض تطليقها، ويتفنن في إهانتها والتحكم فيها على هذا النحو، مستغلا مواد القانون المدني أو قانون الأحوال الشخصية، التي تقف معه، أو في صفِّه تماما.
***
أما شيرين بطلة "عودة الموناليزا" فقد خاضت فترة كفاح مع زوجها مجدي الذي حصل على الدكتوراه، وعُين في الكلية نفسها التي تخرجا منها. ولكنه في صعوده بدأ يدوس على زوجته ويهملها ويهينها ويحسسها أنه أفضل منها، وأنها تتمتع بقدر كبير من الغباء، وغير قادرة على اتخاذ المواقف والقرارات، وأنها مريضة نفسيا، ويحاول أن يجعلها تجلس في البيت، ولا تُعين في الكلية على الرغم من تفوقها.
قال لنفسه بعد حصولها على ليسانس الآداب بتفوق: "سأقعدها في البيت .. إنها امرأة، والمرأة مكانها البيت، سأطلب منها ترك العمل، وستطيعني، إنها تحبني وتفعل أي شيء لإرضائي".
بل إنه أراد أن يكبلها بالأولاد، ويعلن عن رغبته في المزيد من الإنجاب، حتى تنشغل بهم، وبعملها داخل البيت، ولا تستطيع مناقشته في أي أمر من الأمور الخارجية، وتظل معتمدة عليه (اقتصاديا) أي في الصرف عليها وعلى المنزل والأولاد، على المدى القصير والطويل.
***
غير أن الأمر الأساسي والجوهري الفارق بين الروايتين، هو ربط حورية البدري أحداث روايتها بالأحداث العامة للبلد، أي ربط العام بالخاص أو العكس، أما سحر الموجي فاكتفت بالمشكلة الخاصة لبطلتها دارية، ولم تحاول أن تسير في أي خط آخر سواء مواز أو متقاطع مع أحداث وشخصيات روايتها.
ففي حرب أكتوبر 1973، يتهرب مجدي من الذهاب إلى الجبهة، بحجة أن أحدا لم يستدعه إلى القوات المسلحة وتسأله شيرين: ألم يستدعوك للجيش؟
قال بضجر: لا
ـ لقد استدعوا الجميع!
ـ لا تخشي شيئا، فقد أسقطوا اسمي من قوائم المطلوبين للجيش ..
ـ لماذ؟
ـ تمكنتُ من ذلك وكفى .. لا أريد كلاما بهذا الشأن مرة أخرى.
وفي عبارة ذكية يتداخل فيها العام، وهو انتصار أكتوبر 1973 بالخاص، تقول لنفسها: "عادت الرمال الصفراء .. عادت الصحراء الحبيبة .. لكنك يا شيرين لن تعودي أبدا". أو قولها: "لكنك يا مجدي فقدتها .. يوم الانتصار الذي لم تشترك في صنعه ..".
أما دارية فقد استطاعت الهروب المؤقت من مشاكلها مع زوجها سيف بالسفر إلى ألمانيا في بعثة دراسية، فتقابل هناك الفنان التشكيلي المصري أحمد نور الدين، خريج فنون الإسكندرية، وصاحب مرسم في المنيا، وعشة على النيل، وتنشأ بينهما علاقة عاطفية ما، بعد أن تأكدت أنه الشخص الذي تراه في أحلامها وكوابيسها.
ولكن هل ينقذها نور من أزمتها النفسية مع زوجها سيف، أم يضيف لها متاعب عاطفية أخرى؟
لقد مرَّ الفنان بأزمة سابقة، لم يرد بعدها الارتباط الرسمي بأية امرأة، فهو يريد أن يعيش حرًّا لفنه وحسب، ومن ثم لا تجد دارية الأمان عند نور، حتى بعد رجوعهما إلى مصر، وتعدد لقاءاتهما العاطفية والفكرية. لذا تستمر أزمتها في التصاعد على الرغم من توسلها كثيرا بالآيات القرآنية، خاصة آية الكرسي التي ترددها في لحظات كثيرة من خوفها وروعها، كما تقرأ لأولادها المعوذتين. تقول على سبيل المثال: "أجلس على الطرف الأيمن لسرير أمينة. أقرأ لها المعوذتين، بينما أمسِّدُ شعرها. فتغمض عينيها في هدوء. "وأنا كمان يا مامي. اقري لي قرآن" أنتقل إلى سرير جاسر. أفعل نفس الشيء".
إذن تلجأ دارية إلى القرآن الكريم لتهدئ من روعها وتحافظ على أمنها الداخلي، مع نفسها وأولادها. بالإضافة إلى لجؤها إلى كتابة الشعر، وقراءة شعر الآخرين من أمثال: سعدي يوسف، وأمل دنقل وجبران خليل جبران (لما باكتب شعر، باكون في أحسن حالاتي)، واستحضارها لنفتيس الفرعونية المعادلة لشيطان الشعر عند العرب عندما تريد الكتابة.
أما الشعر في "عودة الموناليزا" فنجده على يد عبد العزيز الزميل القديم لشيرين ووجدي، الذي أصبح صحفيا وشاعرا، وكان يكتب قصائد لا تروق لشيرين عندما كانا طالبين. وعلى الرغم من أنه كان يحبها إلا أنها اختارت مجدي. ومع ذلك احترم رغباتها وحريتها في اتخاذ قراراتها الخاطئة، وفضَّل الابتعاد عنها، وعندما عرف قصتها الأخيرة معه، بدأ يظهر مرة أخرى ويزور الكلية، ويجري التحقيقات الصحفية حول الفساد الذي أصاب قسم علم النفس بعد أن تركه أستاذهما الدكتور طاهر، وتولته الدكتوره بثينة التي كوَّنت ثنائيا شريرا مع د. مجدي. لقد كتب عبد العزيز قصيدة من كلمة واحدة قالها لشيرين، هي "أوحشتني".
(فاجأتها كلمته: أوحشتني ..
ـ ماذا؟
ـ ابتسم: هذه هي آخر قصائدي
ـ أين القصيدة؟
ـ "أوحشتني" .. انتهت القصيدة.
ـ ضحكت: قصيدة من كلمة واحدة!
ـ تكفي ..)
وتبدأ رحلة حب جديدة مع عبد العزيز، ومع منظمة حقوق الإنسان.
وبذلك تنتهي رواية "عودة الموناليزا" نهاية سعيدة لبطلتها. ونقرأ آخر كلمات الرواية: "جففت دموعها .. ابتسما .. وتوجها لينضما لمجموعة الباحثين عن حقوق الإنسان".
أما رواية "دارية" فمازال الأمر معلقا بين دارية وسيف، خاصة بعد أن تخلى عنها نور الدين.
لم يبق لدارية غير الكتابة التي فيها شفاؤها، وتنتهي الرواية بقول دارية: "أسحب من جانبي ورقة بيضاء، وقلما. أكتب".
***
لاشك أن كلا البطلتين دارية، وشيرين، امرأتان عصريتان مثقفتان، تبحثان عن الاحترام المتبادل، والثقة في النفس، من خلال احترام زوجيهما والثقة فيهما، ولكن بانهيار هذا الأساس، تنهار حياتهما مع الزوجين، وتبدآن سلسلة من المتاعب والمصاعب الزوجية والحياتية بعامة، وهما مقتنعتان بسلامة موقفهما، وصحته أمام الزوجين والأولاد والمجتمع، غير أن مواد القانون في صف الزوج في أغلب الأحوال، وهو ما لعب عليه سيف مع دارية، وكان من الممكن أن يلعب عليه د. مجدي مع شيرين، لولا أن شخصيته الجوفاء وخوفه من د. طاهر الذي يعرف عنه وعن أسرار حياته الكثير، وحبه الأبوي لشيرين، وتشجيعه لها بأن تستكمل دراستها العليا، لتنال الدكتوراه، منعه من التلاعب القانوني مع شيرين، وفضَّل أن يطلقها أخيرا حتى لا تتعرض حياته لفشل أكبر، خاصة بعد عودة د. طاهر لرئاسة القسم بعد أن نحَّتْ إدارة الجامعة د. بثينة من رئاسته بعد الاطلاع على سلسلة من الفضائح داخل القسم التي نشرها عبد العزيز في المجلة التي يعمل بها.
إذن هناك قوى أخرى في المجتمع، غير قوة القانون، تستطيع التحكم في آلية العلاقة بين الرجل والمرأة، خاصة عندما تصل إلى طريق مسدود، كما رأينا في العلاقة بين شيرين ومجدي.
ولعل اتصال شيرين بالمجتمع، وربط المؤلفة الخاص بالعام في روايتها كما ذكرنا من قبل وكما نقرأ أيضا: "بعد زيارة الرئيس لإسرائيل من الممكن أن نتوقع حدوث أي شيء". و "لقد قُتل الرئيس .. الخ". كل هذا كان مبررا لأن يتدخل المجتمع الصغير في حل إزمتها مع زوجها.
أما في دارية، فلم يكن للعام وجوده في الرواية. لقد انكفأت المؤلفة على شخصية دارية وحاولت أن تسبر أغوارها النفسية، دون مراعاة للقوى الاجتماعية التي حولها، لذا فلم تجد حلا لمشكلتها مع زوجها.
ومن هنا تنجح الكاتبتان حورية البدري وسحر الموجي، في نسج عالمهما الروائي وتقدمه إلى الأمام، فالمقدمات تؤدي إلى النتائج في كلتا الروايتين. الأولى من خلال ربط الخاص بالعام، ومن ثم وجدت حلا لمشكلتها لدى القوى الاجتماعية الصغيرة، أما الأخرى فلم نجد هذا الربط عندها، ومن ثم ظلت منكفئة على ذاتها، بدون حل لمشكلتها مع زوجها. ولو حدث العكس لما كان مقنعا للقارئ على الإطلاق، بل كان سيشير إلى خلل ما في البناء الروائي كله.
***
تنوعت الأساليب والأدوات الفنية في الروايتين، ولعلنا من خلال الاستشهادات السابقة، نرى أن سحر الموجي اعتمدت على العامية في الحوار، والفصحى في السرد والوصف، وأن حورية البدري لم تلجأ إلى ذلك، وإنما اعتمدت على الفصحى المبسطة في الرواية كلها سواء كان الحوار أو السرد أو الوصف.
أيضا، نظرا لأن دارية شاعرة في المقام الأول، فقد أوردت سحر الموجي قصائد كثيرة في المتن الروائي، سواء لدارية أو لشعراء آخرين. ويبدو أن قصائد النثر هي المسيطرة على إنتاج دارية الشعري، ولو كان سيف زوجها على دراية بالخلاف القائم حاليا بين أصحاب قصيدة النثر، والنقاد والشعراء الآخرين الذين لا يؤيدون هذا الاتجاه لرأينا منه مواقف فنية أو نقدية مغايرة لاتجاه شاعرتنا، ولأخذها تكئة على فشل مشروعها الشعري، وبالتالي فشلها في حياتها الزوجية.
ونحمد الله أن سحر الموجي لم تجعله من أصحاب هذه المواقف النقدية، وإلا لتحولت الرواية إلى محاكمة ودفاع فني عن هذا الاتجاه أو ذاك، الأمر الذي كان بالتأكيد سيؤثر على عملية البناء الروائي بعامة.
وكانت المؤلفة ذكية في اختيار لبنان على وجه التحديد لتشارك دارية بأشعارها في المؤتمر الشعري المقام هناك، وعلى الرغم من عدم سفرها، إلا أن هذا يؤكد خبرة المؤلفة بالحياة الأدبية في العالم العربي، فمن لبنان انطلقت صيحة قصيدة النثر على إيدي بعض الشعراء من أمثال: أدونيس ويوسف الخال، ومحمد الماغوط وغيرهم، والتي اشتعلت في الوطن العربي كله بعد ذلك.
أما حورية البدري فقد توسلت بطلة روايتها ببعض الأسماء اللامعة في الحياة الأدبية مثل: نهاد شريف صاحب قصص الخيال العلمي، وإشاراتها إلى أشعار شعراء الأرض المحتلة، وما إلى ذلك في هذا السياق الوطني الذي ربطت فيه الخاص بالعام.
اعتمدت المؤلفتان أيضا على الوصف الشاعري في بعض الأجزاء، والذي يحمل الكثير من الدلالات النفسية، أو شجن الروح الكاتبة، ومن خلال هذا الوصف نكتشف المكان بإيحاءاته المختلفة، الذي تدور فيه أحداث الروايتين. ففي "دارية" نكتشف القاهرة وفرانكفورت من خلال رؤية البطلة أو الكاتبة.
تقول دارية على سبيل المثال:
"أرى الشارع الذي يطل عليه جامعا السلطان حسن والرفاعي مربعا كبيرا، تضيئه مصابيح صفراء قوية. الوقت ليل. لا أحد هناك. ولا مخلوقا واحدا. أبي يمسك يدي. يقود خطواتي حول اتساع المكان وضخامة أبواب الروح المزخرفة بنقوش النحاس والفضة، مع ارتفاع المآذن المتقابلة" .. الخ.
أما في "عودة الموناليزا" فنكتشف من خلال الوصف، بحر الإسكندرية في إحدى حالاته التي هي في الوقت نفسه إحدى الحالات النفسية التي تمر بها شيرين.
تقول على سبيل المثال:
"نظرت لطيور النورس التي عادت تحلق حول معطف مجدي السابح مع موج البحر، ثم تبتعد باحثة عن الأسماك في المياه التي تنعكس زرقة السماء على صفحتها النقية .. تواصل كفاحها اليومي وأصواتها المنطلقة الصاخبة .. يقترب الموج بالمعطف من الحاجز المرتفع لصخور الكورنيش .. يرتطم به، ثم يسحبه معه إلى داخل البحر" .. الخ.
ولعل المعطف الذي يتلاعب به الموج في هذه الجزئية من الوصف، هو المعادل الموضوعي لشيرين نفسها في إحدى حالاتها النفسية.
ومن ملامح الاختلاف بين الروايتين أيضا، مراوحة سحر الموجي في أسلوب الكتابة بين الاعتماد على صوت الراوي أو السارد، وصوت الشخصية نفسها، فعلى سبيل المثال تبدأ سحر الموجي روايتها على لسان السارد الذي يقول: "تأزمت علاقة "دارية" و"سيف". كان واضحا منذ البداية أنه لا يوجد ما يربط بين هذا الرجل وتلك المرأة".
ثم في مكان آخر تتجه الكاتبة لتنطق الشخصية نفسها، بوساطة ضمير المتكلم، فتقول على سبيل المثال:
"أستيقظُ على صوت بكائي. تندفع روحي إلى غرفة الطفلين..".
أما في "عودة الموناليزا" فيظل الاعتماد على صوت الراوي العليم أو السارد هو سيد الموقف منذ البداية وحتى النهاية مثل:
"تغير أسلوب مجدي معها .. أصبح متذمرا دائما ولا يحترمها، بل يهينها كثيرا .. منحته بعض العذر في الغضب أو التضجر .. لكن أن يهينها .. هذا كثير".
ولم يظهر صوت الشخصية، أو ضمير المتكلم، إلا في أوقات الحوار فحسب.
ولهذا منطقه في الرواية، فكون دارية منكفأة على ذاتها وعلى مشاكلها الخاصة، منحها بعض الخصوصية التي جعلها تنطق بنفسها بدلا من السارد أو الراوي في أماكن أو أوقات كثيرة خاصة أثناء الأحلام والكوابيس والتصورات الخاصة بها.
أما شيرين فحركتها مع المجتمع، جعل منها شخصية منفتحة أو مفتوحة أمام الراوي أو السارد الذي لم يمنحها فرصا كثيرة للحديث عن نفسها بنفسها، اللهم إلا أثناء الحوار مع الآخرين.
***
ولعلي كقارئ للروايتين معًا، أستطيع ـ في النهاية ـ أن أقترح ذهاب دارية لمقابلة د. شيرين بقسم علم النفس بكلية الآداب جامعة الإسكندرية، لتطرح عليها مشكلتها مع سيف، بعد أن حلت شيرين مشكلتها مع د. مجدي. وتقترح عليها عرض المشكلة على جمعية أو منظمة حقوق الإنسان التي هي وأستاذها د. طاهر، والشاعر والصحفي عبد العزيز أعضاء فيها، فبالتأكيد ستجد هناك يد العون والمساعدة. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية