حق الفيتو وحق الدفاع عن النفس

بقلم: نضال حمد

كانت أنظار الناس في العالم تتجه بالذات صوب نيويورك، ليس بسبب ذكرى الهجمات عليها، بل من أجل متابعة جلسة مجلس الأمن الدولي المخصصة للنظر في قرار الحكومة الإسرائيلية طرد الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات أو قتله أن اقتضت الضرورة، أو إن أقتضى مزاج الضابط الذي سيقود العملية المحتملة، فهو من سينفذ القرار المحدد متى وكيف سيتم قتل رئيس دولة فلسطين المحتلة، وذلك في مقر سجنه في مبنى مقاطعة رام الله، وقد يكون القتل منقولا مباشرة عبر الفضائيات وشاشات التلفزة العالمية والإقليمية والمحلية، فقد أصبحت هذه المشاهد عادية جدا. وكل شيء أصبح ممكنا وواردا في عالم اليوم، عالم القطب الواحد والقوة الواحدة المهيمنة على هذا العالم.
كيف لا تقوم إسرائيل بعملية غبية وغير مسئولة تقضي بقتل عرفات أو إبعاده عن وطنه ودولته المحتلة؟
فإسرائيل بإمكانها القيام بذلك لأنها مدعومة بالفيتو الأمريكي الجاهز كلما اقتضت الضرورة ذلك، وخير مثال على العداء الأمريكي المتأصل في نفوس قادة تلك الدولة، والذي يظهر كل يوم بشكل علني منذ تسلم بوش الابن سدة الرئاسة والحكم في بلاد رعاة البقر سابقا ورعاة البشر لاحقا.
فأمريكا قررت استعمال حق النقض الفيتو ضد مشروع القرار القاضي بوقف إسرائيل عند حدها وإلزامها بعدم التعرض للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات. ولأنها مؤمنة أيمانا مطلقا بعدائها المطلق للفلسطينيين والتزامها الكامل بكيان إسرائيل الذي يحتل أرض فلسطين. كل هذا يحدث مع أن الشعب الفلسطيني لم يكن في يوم من الأيام البادئ بالعداء لأمريكا، بل العكس هو الصحيح. فهذه الدولة العظمى التي ينبغي بها أن تكون مضرب المثل بالعدل والمساواة والأنصاف والتعاون والصدق والتسامح والتضامن، بدأت ومنذ أن احتلت العصابات الصهيونية ارض فلسطين حملة عداء غير طبيعية للحقوق الفلسطينية، كل ذلك من أجل كسب ود اللوبي اليهودي الكبير والقوي والثري الذي يسيطر على بعض مراكز القوى والقرار في الولايات المتحدة. واستمرت السياسة المنحازة للولايات المتحدة، تلك السياسة التي تتسلح بالفيتو لتعطيل أي دور عالمي أو أممي في حل المشكلة المستمرة بين الاحتلال الإسرائيلي والشعب الفلسطيني الواقع تحت نير الاحتلال حتى هذه الأيام.
أن الذي ينظر للدور الأمريكي في عملية السلام الجارية في المنطقة يعرف أن أمريكا ليست وسيطا عادلا ولا نزيها، وأنها مجرد قاعدة خلفية ثابتة وجدت لضمان أمن إسرائيل وتفوقها في المنطقة، وعندما تقتضي الظروف تقدم تلك القاعدة نجدها أصبحت موجودة عندنا وفي بلادنا، كما هو الحال في الاحتلال الأمريكي للعراق والوجود نفسه في باقي الدول العربية الأخرى، من الكويت حتى موريتانيا وجيبوتي. لكن حتى هذا الوجود المكلف لتلك القوات في بلاد العرب والمسلمين والمشرقيين لن يستطع منع الشعوب صاحبة الحقوق والقضايا العادلة من الاستمرار في الكفاح لأجل نيل تلك الحقوق. وبالتأكيد فأن الشعب الفلسطيني المجاهد والمكافح والمناضل بكافة الوسائل التي يسمح بها القانون الدولي، سوف لن يتوقف عن كفاحه وسيواصل نضاله ويتابع جهاده من اجل نيل الحرية وتحقيق الاستقلال الوطني وبناء الدولة وعاصمتها قدسه العربية الأبية.
الشعب الفلسطيني صاحب حقوق عادلة وقضية من أكثر قضايا العالم عدالة وطنية و أخلاقية، فأرضه احتلت وسرقت وسلبت بشكل همجي استئصالي وعلى مرأى العالمين، وتم تقسيم أرض فلسطين لدولتين، الدولة اليهودية والأخرى العربية، عبر قرار دولي شاركت فيه الأمم المتحدة.فقامت الدولة اليهودية كما قامت حينها بناء على القرار الأممي، ولكنها لم تعلن عن حدودها حتى يومنا هذا، وظلت تلك الدولة الوليدة تتوسع وتشن الحروب والغزوات، حتى احتلت الأرض الفلسطينية كاملة، وكذلك بعض الأراضي العربية المجاورة، ولازالت تعتقل الشعب الفلسطيني في وطنه المحتل، بعدما شردت أكثريته في العالمين، ولغاية الآن ترفض الاعتراف بمسئوليتها عن معاناة اللاجئين الفلسطينيين، وكذلك ترفض الاعتراف بقرار الأمم المتحدة الذي ينص على حقهم بالعودة والتعويض كذلك. ولازالت إسرائيل تضم وتستوطن وتهود أراضي الفلسطينيين و حتى أراضي جيرانهم مثل هضبة الجولان العربية السورية المحتلة، ومزارع شبعا اللبنانية.ورفضت الدولة التي سماها الرئيس الأمريكي بوش في قمة القبة دولة اليهود فقط، مع أن من ضمن سكانها مليون نصف المليون عربي فلسطيني هم أصحاب الأرض وسكانها الأصليين، كل مبادرات السلام الدولية ولم تقبل سوى بمفاوضات سلام على طريقتها هي، وكما تراها مناسبة وبوسيط دولي وحيد هو الولايات المتحدة الأمريكية، التي لا تنطبق عليها صفة الوسيط العادل لأنها شريك لإسرائيل في العداء للفلسطينيين خاصة وللعرب عامة.
من هنا وبعد هذه اللمحة السريعة يستطيع القارئ الكريم فهم الموقف الأمريكي واستعماله لحق النقض الفيتو في كل مرة يبحث فيها موضوع فلسطين بجدية في مجلس الأمن الدولي، ويستطيع كذلك فهم حالة العداء الشديد للولايات المتحدة التي تسود العالمين العربي والإسلامي. نضال حمد - اوسلو