في يوم صبرا وشاتيلا

بقلم: نضال حمد

أتذكر كيف كنا في مثل هذا اليوم قبل 21 عاما مضت، ننتظر ردة فعل إسرائيل والقوات اللبنانية على مقتل الرئيس اللبناني المنتخب في حينها بشير الجميل.
كان لمقتله في حادثة تفجير قوية، استهدفت مقر للقوات اللبنانية في بيروت الشرقية آثارا هامة وأساسية على المنطقة بشكل كامل. فموته السريع وبهذه الطريقة أدى لتغيير خريطة المنطقة، ولتبديل اضطراري كامل في مشاريع كل من بيغن ووزير دفاعه المتوحش شارون، وبالتالي في برامج وخطط مجلس حربهما المصغر وحكومتهما الإسرائيلية اليمينية المتطرفة.
فهذه الحكومة كانت تخطط بدورها، لاستثمار غزو لبنان و الحرب التي أطلقوا عليها أسم "سلامة الجليل" لتنفيذ مخطط إسرائيلي شامل يستهدف عروبة لبنان أولا، وتصفية منظمة التحرير الفلسطينية والمخيمات الفلسطينية في لبنان ثانيا.
لقد استطاعت القوات الغازية تدمير البنية التحتية اللبنانية وكذلك الفلسطينية في البلد العربي الصغير المساحة والكبير الفعل، لكنها لم تتمكن من القضاء على المقاومة الفلسطينية وقادتها، وفي المقدمة منهم الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، فقد قاد الأخير معركة بيروت المحاصرة بذكاء وحنكة، فكان مقاتلا ومفاوضا في آن واحد.
لكن في نهاية الأمر توجب عليه وعلى القوات الفلسطينية الخروج من بيروت بعد اتفاقية أدارها بشكل محبوك ومكوكي المبعوث الأمريكي اللبناني الأصل فيليب حبيب.
نتيجة تلك الاتفاقية انسحبت القوات الفلسطينية نهائيا من بيروت الغربية ومخيماتها، وأبحرت السفن تقل أبطال بيروت المحاصرة إلى عدة دول وعواصم عربية وغربية.
كانت الاتفاقية تنص على أن القوات المتعددة الجنسيات بقيادة الأمريكان سوف تقوم بحفظ الأمن وحماية المدنيين في بيروت الغربية و حول مخيماتها الفلسطينية مثل صبرا وشاتيلا ومار الياس وبرج البراجنة.
لكن هذه القوات تركت المدنيين وخاصة الفلسطينيين في مخيمات بيروت ولم تقم بحمايتهم، مما ساهم وساعد في تنفيذ مجزرة صبرا و شاتيلا الشهيرة، تلك التي قادها واشرف عليها الجنرال المتغطرس، وزير دفاع إسرائيل أرييل شارون.
بدورها دمرت حملة سلامة الجليل الكثير من بنيان لبنان، وتسببت بالويلات والمذابح والمجازر بحق المدنيين من اللبنانيين والفلسطينيين بحيث أنها أدت لمذبحة صبرا و شاتيلا التي أودت بحياة عدة آلاف من الأبرياء ومن المدنيين اللذين قتلوا وذبحوا ونحروا أو طمروا وهم أحياء يرزقون تحت التراب، بواسطة بلدوزارات كبيرة وبشر من الوحوش.
في مثل تلك الأوضاع المشحونة بالعداء والكراهية والعنصرية والتعطش لسفك الدماء، مارست العقلية الإسرائيلية الدموية أساليبها المعروفة، واستعملت لأغراضها تلك بعض القادة الانعزاليين من مجرمي الحرب الأهلية اللبنانية، ومن ذوي العقلية المشابهة للعقلية الصهيونية، وذلك لتنفيذ المجزرة، فكانت العملية الذميمة والقبيحة ، عملية المذبحة التي قادها شارون وأشرف على تنفيذها كل ايلي حبيقة وغيره، وذلك بالتنسيق مع جنرالات القوات الإسرائيلية التي كانت تحتل لبنان.
المهم أن المجزرة حصلت فأدت لهزة كونية في العالم. ومثل المذابح العديدة التي تعرضت لها بعض الشعوب والأمم والجماعات في العالمين، ولم تقل رهبة وهمجية عن مذابح الهولوكوست والنازية في الحرب العالمية الثانية، كما أنها جاءت لتعيد للذاكرة الفلسطينية والعربية الطرية، سلسلة المذابح والمجازر التي قامت بها العصابات الصهيونية عندما احتلت فلسطين، ونكبت الشعب الفلسطيني عبر تهجيره وتشريده في جهات الدنيا الأربع.
فذكرت العالم أجمع بالإرهابيين الذين اغتالوا المبعوث الدولي للسلام الكونت برنادوت، سليل العائلة السويدية المالكة، وسيط السلام والذي كان يدافع عن حق اللاجئين بالعودة لديارهم وبتعويضهم عن خسائرهم بعد العودة.
قتل برنادوت على أيدي رئيس وزراء إسرائيل السابق الإرهابي اسحق شامير، ودفن ملف قتله لأن القاتل إسرائيلي والإسرائيليون فوق القانون.
وماذا بعد؟ مات برنادوت وعاشت الصهيونية مع جرائمها وتوسعت وتعززت قوتها بفضل الظلم والمواقف الأمريكية والأوروبية التي هادنت إسرائيل ولازالت تهادنها، مما أدى لوقوع مجزرة صبرا وشاتيلا سنة 1982 ومجازر أخرى عديدة منها مجزرة قانا 1996 على زمن بيريس، ومجزرة مخيم جنين وغيرها في زمن بن اليعازر و موفاز و شارون القديم الجديد.
كل تلك الأعمال كانت تحدث بحجة إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وتحت شعار أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، ومنذ متى كانت فلسطين أرضا بلا شعب ؟ وهي مهد الشعوب والأمم والديانات والحضارات، منذ جد كنعان الأول وحتى استولت عليها عصابات الصهاينة بدعم من الانتداب البريطاني وبتساهل وتواطؤ من العالم أجمع.
الحقيقة المرة التي يجب تعلمها من تجارب السنوات الطويلة، ومن الأذى الذي لحق بالفلسطينيين، أنه لا طريق للفلسطيني لكي يستعيد حياته الطبيعية ويعيد ويسترجع أرضه المسبية، سوى بالمزيد من العلم والصبر والعمل والاستمرارية وعدم نسيان الأرض والحقوق أو التفريط بها، ومن ثم عبر مواصلة طريق السلام المدعمة بالقوة الطبيعية والإرادية، لأنه لا يمكن التفاوض مع الأعداء الأقوى بدون أن يكون هناك قاعدة قوية ومعقولة، تستند إليها الجهة التي تدير المفاوضات.
فمفاوضات الطرف الفلسطيني مع الإسرائيلي منذ مفاوضات أوسلو السرية وحتى يومنا هذا، لازالت تفتقد للقوة التي تساندها وتدعمها وتستطيع أن ترتكز عليها أطقم التفاوض الفلسطينية.
ونحن إذ نتحدث عن السلام لا لكي نتحدث فقط، بل لكي نؤكد أن السلام هدف فلسطيني منشود دائما، لكن لا يمكن قبوله بالشكل الذي تريده إسرائيل وتحاول جاهدة فرضه على الشعب الفلسطيني، فهذا ليس سلاما ولن يكون كذلك، فلا يمكن للمجرمين أن يقيموا السلام بالسكاكين وعبر النحر والذبح كما فعلوا في صبرا وشاتيلا وجنين، ولا يمكن للعقلية الدموية العنصرية التي تفعل أبشع الأفعال في فلسطين المحتلة أن تؤسس لسلام حقيقي وعادل، كما أنه لا يمكن للعقلية التي اخترعت جدار الفصل العنصري العازل في أراضي الشعب الفلسطيني المحتلة، أن تكون عقلية سلام وحسن جوار ووئام ومحبة ومستقبل أفضل لجميع سكان المنطقة.
ولا يمكن لحكومة فاشية متطرفة يعتبر شارون أقل أعضاؤها تطرفا، وتأمر بقتل الرئيس الفلسطيني أو طرده عبر قرار مجلس وزاري حكومي رسمي، كما أنها تعلن قرارها على الملأ غير آبهة بقانون دولي أو بنتائج ومخاطر هذا القرار الإرهابي الجائر. فالصمت عن سلسلة المجازر والمذابح والجرائم التي قامت وتقوم بها اسرائيل منذ نشأتها على تراب فلسطين المحتلة، هو الذي جعل الصهاينة يعتقدون أنهم فوق القانون، تطبيقا لنظرية تلمودية مفادها أنهم خير بني البشر وشعب الله المختار، وبما أنهم كذلك فهم يعتقدون أن من حقهم ارتكاب المجازر والمذابح والجرائم كي ترضى عنهم آلهتهم المتعطشة للدماء، دماؤنا نحن الفلسطينيين والعرب، وبما أنهم يعتقدون أن العالم سخر لخدمتهم فهم لا يأبهون بالقانون الدولي.
وطالما بقي هذا القانون بعيدا عنهم ولا يطاولهم بل أنه يعمل في خدمتهم، فأن دماء الأبرياء من الفلسطينيين ستبقى تسيل حتى يأتي الفرج من عند رب العالمين. نضال حمد - اوسلو