سنة اولى حرية

بقلم: بثينة الناصري

لطول عهدي بالديكتاتورية لم تكن لدي – مثلي مثل غيري من المتخلفين في هذه البقعة الطافحة بالنفط من العالم – صورة واضحة عن معنى الحرية والديمقراطية التي تريد الولايات المتحدة الامريكية ان تجعلنا امثولة لهما امام العالمين. حتى اتيح لنا اخيرا ان نعرف بشكل لايقبل المجادلة او الشك ماذا تعني "حرية" وماذا تعني "ديمقراطية". عرفنا ذلك على يد معلم خصوصي لم يجد بدا من ان يأتي الينا في عقر دارنا ويعرض خدماته مجانا في الوقت الحاضر، فإذا اعجبتنا السلعة (ولا بد ان تعجبنا رغم انوفنا) نستطيع ان ندفع ثمنها لاحقا.. ولكن ليس من حقنا ان نردها او نستبدلها. وسأحدثكم هذه المرة عما تعلمته من معاني "الحرية" وسأترك الحديث عن "الديمقراطية" لمرة قادمة.
ومن الدرس الاول للحرية، عرفنا - نحن ابناء الكلاب وابناء الزانية (هذه هي اوصافنا الجديدة التي ينادينا بها جنود معلمنا كلما وقعت اعينهم علينا في شوارع العراق) – ان الحرية تعني ان يكون اول انجاز لاعادة اعمار العراق هو اعادة افتتاح سجن ابو غريب، وان اول عقد يمنح لشركة امريكية هي (KBR) هو لبناء سجون على غرار غونتنامو التي بنتها ذات الشركة في تلك القاعدة الامريكية، وان سلطة التحالف قد حددت مبلغ مليار دولار لبناء السجون في العراق، وان اول اثر من آثار بغداد زاره دونالد رامسفيلد (لا ياسيدي، ليس المتحف او ماشابه) كان غرفة الاعدام في احد السجون!
والحرية تعني ان تمتلئ تلك السجون بألوف العراقيين الذين لا يعرف احد مكانهم او التهم التي اعتقلوا من اجلها وان تنتهك آدميتهم في اماكن قذرة وغير صالحة للبشر وان يتعرضوا لكل انواع التنكيل والقهر حتى صار من المعتاد ان (يختفي) الناس من الشوارع. كما حدث للمهندس العراقي قيس السلمان الذي يحمل الجنسية الدنماركية والذي كان قد غادر العراق في اواخر السبعينات لمعارضته حكم صدام حسين وعاد مع "التحرير" لانه يحب الامريكان ولانه يريد ان يساهم بخبرته في اعادة اعمار العراق. في 6 حزيران/يونيو كان في شارع ابو نؤاس ببغداد عندما تعرضت سيارته الى نيران امريكية. وقف قيس السلمان بجانب السيارة يلوح بجوازه الدنماركي. واستمعوا الى قصته يرويها بنفسه كما كتبها الصحفي البريطاني روبرت فيسك "توقفت سيارة مدنية فيها جندي امريكي ثم جاءت مركبات عسكرية اخرى مليئة بالجنود. قدمت لهم اوراقي التي تثبت اني خبير مهندس ولكنهم بطحوني ارضا وقيدوا يدي خلف ظهري بقيود بلاستيكية وحديدية وكذلك قدمي ووضعوني في احدى مركباتهم. بعد عشر دقائق مررنا بجمع من الصحفيين والكاميرات. اخرجني الامريكان مرة اخرى. فكوا قيودي وبطحوني على الارض وقيدوني ثانية امام الكاميرات قبل ان يدفعونني الى داخل المركبة (!) بعد ذلك اخذوني الى معسكر كروبر في مطار بغداد الدولي حيث يوجد حوالي 2000 سجين في خيام ساخنة لاهواء فيها. كانت الخيمة التي وضعوني فيها تحوي 130 سجينا من مختلف صنوف الناس: المثقفين والاطباء والجامعيين وكذلك القتلة واللصوص. في الصباح اخذوني للتحقيق امام ضابط استخبارات عسكرية. قدمت له الاوراق التي تثبت عملي في مشاريع المساعدات الامريكية ولكنه وضع على قميصي قطعة مكتوب عليها «قاتل محتمل»" بعد اكثر من شهر اقتيد الى شارع الرشيد حيث اطلق سراحه قائلين له "آسفين" ولكن لم يكن ذلك قدر اسفه هو ايضا لانه احب امريكا وصدقها. في خلال هذه الفترة لم تبلغ عائلته او الحكومة الدنماركية. كان مجرد مواطن "اختفى" من شوارع بغداد.
الحرية تعني ان تكون نائما في منزلك وفجأة تحلق المروحيات فوق رأسك ويقتحم جنود غلاظ باب بيتك بالدبابات ويبدأون في اطلاق النار عشوائيا وحين تصرخ بهم بالانجليزية التي يفهمونها : "سوف افتح الباب.. ارجوكم اعطوني فرصة" كما فعل الدكتور طالب عبد الجبار فجر يوم 31 يوليو/تموز، يندفع الجنود الى الداخل.. يضربونه بأخمص البنادق فلما يقع يركلونه في اضلاعه فيكسرونها ثم يقيدوه. وبعد ذلك يقول له قائد المجموعة "آسف.. لقد اخطأنا العنوان" ولكنهم مع ذلك لا يخطؤون في ان يقتادوا أبناءه الثلاثة الى السجن.
وياللصدفة، علي احمد (68 سنة) اخذوا ابناءه الثلاثة ايضا وهو معهم بعد ان اقتحم الجنود الاميركان منزله في الساعة الثانية والنصف فجرا، ويروي انه ظل مقيد اليدين لمدة اربعة ايام في احد القصور ا لرئاسية دون ان يخبره احد لماذا اعتقل هو واولاده، ثم نقلوهم مع اخرين الى ملعب بغداد ثم الى المطار ثم اطلق سراحه بعد شهر دون ابنائه (لسبب ما يحب الامريكان الاحتفاظ بأبنائنا).
اما فرح فاضل فتاة المحمودية ذات الثمانية عشر ربيعا فلم تكن محظوظة مثل هؤلاء، فعندما داهم الامريكان منزل اسرتها (بسبب اخبارية خاطئة ايضا) ووقفت في الشباك تحاول ان تكلمهم باللغة الانجليزية التي تجيدها (ظنا منها انهم قوم متحضرون) رموها بالرصاص وعاجلوها بقنبلة يدوية.. قطعت ساقيها واحرقت بدنها. كما حدث لابن الجيران مروان الذي خرج من داره ليستطلع الامر.
العبرة في هذه القصص؟ هو الا تحاول في عهد الحرية هذا ان تجادلهم باللغة الانجليزية فهذه ليست اللغة التي يفهمونها لأنهم مدربين على ان يكونوا آلات قتل صماء بدون عقل او تمييز.
والحرية.. حريتهم.. ليست فقط ان تسجن بدون وجه حق ودون ان يعلم احد بمكانك وانما هي ايضا في ان يتم تعذيبك بشكل تتمنى معه الموت. ها هو بول وولفوفتز مساعد وزير الدفاع يحدث وكالة الاسوشيتد بريس خلال زيارته الى العراق فيقول ان ديفيد كي خبير وكالة المخابرات المركزية للبحث عن اسلحة الدمار الشامل في العراق ابلغه بأنهم يجدون صعوبة في حمل الاسرى من العلماء العراقيين على اخبارهم بما يعرفونه عن اسلحة الدمار الشامل. يقول وولفوفتز بالنص "لقد ضغطت على ديفيد لأعرف لماذا يرفض هؤلاء الناس الكلام قلت له لماذا لا تساومهم؟ قال : ليس هناك معنى للمساومة في هذا المكان. ان الواحد منهم يعرف ان الاعتراف خلاص له فسوف يعدم بشكل اسرع او يقل تعذيبه".
الحرية.. حريتهم.. هي ان يتحول كل مكان فسيح في العراق الى سجن: القصور الرئاسية والملاعب وحتى المطار الذي طالما اوحى للناس انه المكان الذي تحلق فيه طائرا نحو الانطلاق والحرية.
والحرية.. هي ان يتحول العراق الى مقبرة جماعية. لا أقصد الثمانية آلاف جندي عراقي الذين دفنوا احياء في خنادقهم في الكويت بعد ان قامت القوات الامريكية القائدة لتحالف 1991 بردمها عليهم ولا مذبحة طريق الموت التي احرق فيها عشرات الالاف من الجنود والمدنيين العراقيين المنسحبين من الكويت ودفنهم الامريكان على عجالة بمقابر جماعية على جانبي الطريق لئلا تصورهم وسائل الاعلام.. ولا اقصد العشرات من الاسرى والجرحى الذين قتلهم القائد الامريكي في جنوب العراق ابان حرب 1991، ولا اقصد مئات الامهات والاطفال الذين احرقوا في ملجأ العامرية، ولا اقصد دفن عشرات المئات من الاجنة المشوهة بفعل اليورانيوم المنضب في ارحام امهاتهم. ولا اقصد موت ستة الاف طفل كل شهر بفعل الحصار الامريكي على العراق لأكثر من عقد من الزمان، فكل ذلك تاريخ قديم يحاول الامريكان مساعدتنا على ان نمحوه من ذاكرتنا. بل اقصد مذبحة الراشدية ليلة 6 نيسان /ابريل 2003 حيث يروي الطبيب محمود المشهداني انه بعد قصف الامريكان لقرية الراشدية بالقنابل العنقودية ابتدأ وصول الضحايا الى المستشفى العسكري الذي يعمل به. كانوا 250 وجميعهم من النساء والاطفال واستمر توافد الجرحى والقتلى حتى اليوم التالي. يقول المشهداني "رأيت اكثر من عائلة ابيدت جميعها. اتذكر عائلة من سبع نساء: الام وبناتها، وعندما جاء الاب للتعرف عليهن بدأ يزيح الاغطية عن الجثث ويقول «هذه فلانة.. وهذه فلانة» مرددا اسماءهن واحدة واحدة. لا انسى اما كانت تحتضن طفليها واحدهما ميت مفلوق الرأس ومخه يغطي صدر الام. حاولنا انتزاع الطفلين منها ولكنها كانت في حالة هستيرية لا تستجيب لأي شيء. لم تكن ثلاجات المستشفى تستوعب اعدادا اضافية وهكذا اضطررنا لدفن الاجساد المقطعة او تلك التي بدون رؤوس في مقبرة جماعية بحديقة المستشفى."
والمقابر الجماعية على قارعة الطرق العراقية، فعندما دخلت الدبابات بغداد كانوا يطلقون النار على أي سيارة يضعها سوء الحظ في طريقهم وخاصة في منطقتي الدورة والاعظمية حيث كان الاقتتال على اشده. وكان الناس لا يعرفون ماذا يفعلون بجثث اصحاب السيارات المحترقة والذين كانوا يمرون مرورا بالمنطقة وليسوا من ساكنيها. وهكذا كانوا يدفنونهم في مقابر سريعة على قارعة الطريق قرب هياكل ساراتهم المحترقة على امل ان يأتي اقاربهم للبحث عنهم فيعرفونهم من سياراتهم. وكانت بعض القبور تعلم بلوحات مكتب عليها "رجل" او "امرأة" او "طفلان في سيارة مرسيدس سوداء" او "رجل وطفل في سيارة نقل بيضاء" واحيانا توضع لوحة السيارة على القبر. ولن يطول الوقت حتى يكشف عن مقابر معركة المطار او المعارك الاخرى على طول العراق وعرضه حيث استخدمت الولايات المتحدة في معركة غير متكافئة اسلحة دمار شامل جديدة وقنابل نووية محدودة جربتها لاول مرة.
والحرية.. ليست فقط ان تضمن لك قبرا على رصيف الشارع وانما ايضا ان تجد نفسك تتمشى حيا بدون هدف على هذا الرصيف (اذا لم تتعثر بنقطة تفتيش تعيدك الى ما تحت الاسفلت) تتمشى طليقا من قيود الوظيفة وقد تم تسريحك بدون معاش سوى مكافأة الحرية الجديدة التي ترفل بها. الحرية هي ان تستمتع بالخروج في مظاهرات ترفع لافتات بالانجليزية تطالب بها بالعمل دون ان يستمع اليك احد، او ربما يستمع اليك فيرديك بالرصاص.
الحرية.. هي حريتهم في تسليط الجار على جاره بالترهيب من نوع ما قاله جندي امريكي لفلاح في شمال العراق يوم 17 يوليو/تموز "ساعدني كي اجد الاشرار او ارجع بدبابات وادمر ارضك واسوي بيتك بالتراب" او بالترغيب حيث يمكنك ان تقبض نقودا لتسليم جارك بذنب او بغيره.
الحرية هي ان يقترح جون ابي زيد قائد القيادة الامريكية في العراق (ويوافقه رامسفيلد بعد ذلك) انشاء جهاز مخابرات قوي في العراق يعتمد على رجال المخابرات العراقية السابقين. ولله در الشعب المصري الذي قالها من زمان وكأن الحجاب كان مكشوفا عنه "وكأنك يابو زيد ماغزيت!!."
والحرية.. هي حريتك في تأسيس الصحف وحريتهم في رصد كل من يجرؤ على انتقاد سلطة الاحتلال ومداهمة مقرات تلك الصحف وتخريب ممتلكاتها واعتقال رؤساء تحريرها ومن هذه الحرية ايضا قصف مكاتب الفضائيات العربية المارقة وقتل واعتقال مراسليها.
الحرية هي ان تتخلص من قيود الماضي.. كل القيود.. ان تمحو تاريخك وارثك وعقلك وانتماءك.. فكل ماضيك كان طالحا، وكل افكارك كانت شرا، وكل ما حلمت به وكتبت شعرا فيه كان غثاء وكل حياتك كانت عبثا. كنت انسانا كسولا خاملا، تعيش مع البعران في بيوت قذرة تطل على شوارع قذرة ترتدي اسمالا وتحمل خناجر مسمومة. أليست هذه هي صورتك التقليدية في اذهانهم؟ عليك انت الان ان تصدقها. يكفي ان تقرأ البيان الصحفي الذي اصدرته سلطة التحالف في 17 آب/اغسطس والذي يبشرنا فيه هنري باسفورد المستشار في السلطة بأنه "لاول مرة في التاريخ (!) يبدأ في بغداد جمع القمامة على نطاق واسع، وهذا ليس اعادة تأهيل نظام قائم. ولكنه نظام يقام لأول مرة." الحمد لله يا سيدي الذي هداكم الينا لتعلمونا كيف نجمع القمامة. ألم اقل لكم ان الحرية.. حلوة.. وكذابة!
والان قد اسمع من يقول بصوت هامس: ان كل ذلك ليس بجديد اذا كان هذا معنى الحرية فقد كانت مثل هذه الحريات موجودة بشكل او بآخر في العهد السابق: السجون والتعذيب والمقابر الجماعية وتكميم الصحف والمخابرات، وان لم تكن على نطاق واسع واستعراضي بهذا الشكل. ولمثل هذا المتشكك اقول: هذه هو الدرس الاول في الحرية.. اذا فعلتها امريكا لابد ان تكون بشكل فخم وضخم يليق بمركزها في الكون ولابد ان يكون اسمها "حرية وديمقراطية" واذا فعلها غيرها من البديهي ان يكون اسمها "استبداد ودكتاتورية."
ولكن مهما يكون رأيك، فينبغي ان تعترف ان الجديد الذي تقدمه لنا الحرية الامريكية هو: الدش. حيث تستطيع ان تنفذ خلاله من واقعك المرير الى اضغاث احلام الفضائيات. ولابد ان تقر بأنك لم تكن تستطيع ذلك في عهد الديكتاتورية.
وأذكر اني بعد الاحتلال، حين راج ان العراقيين يتهافتون على شراء الدش تعبيرا عن حريتهم الجديدة، حاولت ان اتصل بولدي عمر في بغداد مرارا حتى تمكنت من سماع صوته يأتي متقطعا.. وبعد السلام والسؤال عن احوال الاحتلال هتفت به:
- اشتريت الدش ؟
- اشتريت.
وحاولت ان امازحه تلطيفا للكآبة التي خيمت على حديثنا:
- يعني على الاقل عندك الان حرية في الفرجة على العالم.
قال شيئا متقطعا لم افهمه وخشيت ان ينقطع الخط فسألته بصوت عال.
- قلت ان عندك الدش؟
وهنا جاء صوته واضحا وقويا:
- نعم.. نعم.. عندي دش.. ولكن كهرباء ماكو (غير متوفرة)!! بثينة الناصري