عشر سنوات على اوسلو: عودة إلى المربع الأول

القدس - من كريستيان شيز
المصافحة الشهيرة اصبحت هي الأخرى جزءا من التاريخ

بعد عشر سنوات تماما على توقيع اتفاقات اوسلو التي بعثت الامل لدى الاسرائيليين والفلسطينيين بالتوصل الى السلام، لا يجد الطرفان اليوم سوى الخيبة في حين يبدو السلام بعيد المنال اكثر من اي وقت مضى.
ففي 13 ايلول/سبتمبر 1993، وقع ياسر عرفات، زعيم منظمة التحرير الفلسطينية والعدو الاول للدولة العبرية، مع رئيس الوزراء الاسرائيلي آنذاك اسحق رابين في واشنطن الاتفاقات التي اطلق عليها اسم اتفاقات اوسلو.
وظهر العدوان السابقان جنبا الى جنب في حديقة البيت الابيض، امام انظار الرئيس الاميركي السابق بيل كلينتون. ومد عرفات الذي بدا في لباسه التقيليدي معتمرا كوفيته الشهيرة السوداء والبيضاء، يده لرابين، فتردد هذا الاخير لحظة قبل ان يمد يده بدوره في مصافحة تاريخية.
العالم باسره حبس انفاسه. وبالرغم من بعض الاصوات القليلة المتفرقة التي ارتفعت منتقدة، الا ان الاحساس المسيطر سواء في اسرائيل او في الاراضي الفلسطينية كان بان النزاع الاسرائيلي الفلسطيني الذي بدا من المتعذر حله، اجتاز مرحلة لا رجعة فيها وبات في طريقه الى التسوية. فقد احيت اتفاقات اوسلو الامل في ان يتمكن العرب واليهود من العيش بسلام جنبا الى جنب في الارض المقدسة.
وان كان اعلان المبادئ حول "الحكم الذاتي في اريحا وقطاع غزة" بحسب الاسم الرسمي لاتفاقات اوسلو، لا ينص على ذلك، الا ان الكل يعرف ان نتيجته المنطقية كانت اعلان دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة.
وفي السنة التالية، عاد عرفات الى الاراضي الفلسطينية وشكل السلطة الفلسطينية التي كان من المفترض ان تقود الفلسطينيين الى الاستقلال.
وبعد عشر سنوات على تلك المراسم في البيت الابيض، نجد الضفة الغربية تحت الاحتلال مجددا وعرفات وقد بلغ الرابعة والسبعين رئيسا على سلطة لا وجود لها سوى على الورق ولا تبسط سلطتها على اي اراض، وهو محاصر في رام الله في حين تهدد اسرائيل بطرده او حتى تصفيته، طبقا لقرار اتخذته حكومة ارييل شارون الخميس بـ"التخلص" منه في الوقت الذي تراه مناسبا.
وبالطبع، فان اقدام اسرائيل على عمل كهذا سيعلن نهاية عملية السلام التي اطلقت قبل اكثر من عشر سنوات.
ويأتي هذا القرار الاسرائيلي في سياق الانتفاضة المستمرة منذ ثلاث سنوات والتي اسفرت عن مقتل 2596 فلسطينيا و819 اسرائيليا.
وتتعاقب العمليات الفلسطينية، فترد عليها حكومة شارون بغارات عسكرية يومية وتصفيات "محددة الاهداف" موجهة بصورة خاصة ضد قادة حركة حماس الاسلامية التي تشن عليها اسرائيل حربا شاملة.
ويلقي كل من المعسكرين على الاخر مسؤولية الوضع الحالي، فيتهم الاسرائيليون عرفات والفلسطينيين بمخالفة تعهداتهم بالتخلي عن الارهاب وبعدم تقبل حق الدولة الاسرائيلية في الوجود.
والفلسطينيون من جهتهم يشيرون الى انتشار المستوطنات بشكل ملفت في الاراضي الفلسطينية منذ 1993، حيث تزايد عدد المستوطنين باكثر من الضعفين في غضون عشر سنوات ليتجاوز 230 الف نسمة، فيؤكدون ان اسرائيل لم تنو يوما الموافقة على قيام دولة فلسطينية.
وبعد عشر سنوات على اوسلو، تتعاقب العمليات الاستشهادية وسط تأييد غالبية الفلسطينيين الذين يعتبرونها "اعمال مقاومة" مشروعة.
وفي المعسكر الاسرائيلي، اظهر استطلاع للرأي نشرت نتائجه الجمعة ان 37% من الاسرائيليين يؤيدون "تصفية" عرفات، في حين يؤيد 23% طرده.
فقد تلاشت "ذهنية اوسلو" ليحل محلها ما يطلق عليه الباحث الفلسطيني مهدي عبد الهادي اسم "ثقافة الانتقام"، وهو الاسم الآخر لشريعة "العين بالعين والسن بالسن". وقد خيم الخوف من الجانبين محل الثقة التي استلزم احلالها كثيرا من الجهد والعناء.
ورأى باحث فلسطيني آخر هو زكريا القاق ان المرحلة الحالية لا تشكل مجرد محطة من محطات "دوامة العنف"، بل نهاية حقبة. وهو يتوقع للسلطة الفلسطينية الزوال في غضون ستة اشهر.
وقال "انها بداية مرحلة جديدة في النزاع الاسرائيلي الفلسطيني. اما مرحلة الاوهام، فقد انتهت".