الترام القديم والإنترنت و«بحرٌ آخر» في استانبول

بقلم: أحمد فضل شبلول
الملابس الوطنية التركية لم يعد لها وجود

لم أجد شيئا مميزا أستطيع اقتناءه في استانبول، اللهم إلا نموذجا مصغرا لآيا صوفيا مصنوعا من الكريستال، لم أستطع شراءه لارتفاع سعره، فقد كان يباع بخمسة وخمسين مليون ليرة تركية. غير أنني اقتنيت طبقا نُحاسيا صغيرا مرسوما عليه آيا صوفيا بالألوان، كذكرى للزيارة.
عدا ذلك لم أجد سوى البضائع الأوربية، والملابس القطنية والكتانية العادية التي نجد كثيرا منها في جميع البلدان، ومعظمها كان موجودا في شارع الاستقلال بمنطقة تكسيم، ذلك الشارع الذي تسير فيه عربتا ترام قديمتان مُجددتان، على خط حديدي واحد، كنوع من إضفاء الطابع الفلكلوري على الشارع المكتظ بالمشاة الأتراك والأجانب. وقد أعد هذا الشارع الطويل للمشاة فقط، ولذلك الترام الفلكلوري الذي يقطع الشارع جيئة ورواحا. وقد ذكرني هذا الترام بترام الإسكندرية القديم الذي كان يسير في وسط البلد.
أيضا هناك شارع عثمان بك، الذي يعد من أهم الشوارع التجارية، فضلا عن أسواق أمين أونو (أمينانو) الشعبية وأسواق با يزيد، التي كنت أتوقع أن أرى فيه ملابس تركية فلكلورية، أي لها الطابع التركي المميز، غير أنني لم أجد أيضا شيئا من هذا.
***
إلى منطقة سريير، ذهبنا عن طريق إحدى البواخر التي تسير في مياه البسفور، وقضينا وقتا ممتعا هناك، فبعد أن ترجلنا من الباخرة وهبطنا أرض سريير طارت إلى أنوفنا رائحة الأسماك والجمبري، فالمطاعم هناك كثيرة وبأسعار في متناول اليد. داخل المنطقة رأينا البيوت التركية القديمة المصنوعة من الأخشاب، كما شاهدنا بيوتا على الساحل بها جراجات للقوارب والمراكب الصغيرة، التي يملكها أصحاب تلك البيوت، وكأن القارب أو المركب سيارة لها جراجها الخاص أسفل البيت الخشبي.
أيضا كانت لنا جولة في منطقة قاضي كول، حيث تجولنا في شوارعها، وأحسسنا بأن أسعارها أفضل من مناطق أخرى في استانبول. هناك لاحظت يافطة على أحد البيوت، مكتوب عليها بالإنجليزية "مقهى إنترنت"، فاستأذنتُ من زملائي وصعدتُ إلى إحدى الشقق التي بها المقهى، وجلستُ أمام أحد أجهزة الكمبيوتر، وتصفحتُ بريدي الإلكتروني، وأرسلتُ منه رسائل لبعض الأصدقاء، غير أنني لاحظت أن بعض المواقع لا تفتح هناك مثل موقع "ميدل إيست أونلاين"، الذي لم يفتح على الإطلاق في استانبول، أيضا موقع "محيط" لم يفتح، ولم أدر السبب في ذلك، مع أن هناك مواقع أخرى بالعربية فتحتْ أبوابها لي، مثل موقع "مصراوي"، وموقع "جريدة الأهرام" الذي عرفت منه خبر وفاة الفنانة أمينة رزق، وبعض المواقع الأخرى.
سعر الساعة في ذلك المقهى كان مليون وثلاثمائة وخمسين ألف ليرة تركية، بينما في مناطق أخرى كان سعر الساعة مليوني ليرة.
في مقهى آخر بمنطقة تكسيم (الأوربية) وجدت إلى جواري إحدى الفتيات تفتح بريدها على موقع "مكتوب"، وكان باللغة العربية، ففرحتُ كثيرا وبدأتْ رحلة التعارف، وعرفتُ أنها من ليبيا، وأنها متزوجة من دبلوماسي ليبي يعمل بالقنصلية الليبية في استانبول. وحاولتْ ـ من خلال جهازها ـ فتح بعض المواقع التي كنتُ أريد متابعتها كميدل إيست أونلاين، ولكن كل التجارب فشلت. ثم اكتشفت أن الذي يجلس إلى جواري من الناحية الأخرى يشكو من عدم فتح موقع "هوتميل" الذي يحتوي على بريده الإلكتروني، وعندما سمعني أتحدث بالعربية، وأنني أشكو من عدم فتح بعض المواقع، شاركنا الحديث السريع، فكان شابا كويتيا يحاول أن يفتح بريده الإلكتروني على "هوتميل"، وعندما فشل في ذلك انصرف ولم يدفع شيئا للمشرف على المقهى، لأنه لم يمكث سوى خمس دقائق فاشلة. أما أنا فقد أكملتُ الساعة، ودفعتُ مليوني ليرة، بعد أن تجولتُ على بعض المواقع التي اقترحتها عليَّ زوجة الدبلوماسي الليبي التي تأتي كثيرا إلى هذا المقهى لتتابع بريدها الإلكتروني، ومواقعها المفضلة، وقد كتبتُ لها اسم موقع "ميدل إيست أونلاين" لتحاول الدخول عليه، إذا تيسر لها ذلك من أي مكان آخر، ووعدتني بذلك.
***
في شوارع استانبول وجدتُ بائعي الكتب القديمة يعرضون كتبهم على الأرصفة، ويباع الكتاب القديم بمليون ليرة تركية فقط. وعندما سألتهم عن وجود كتب عربية، لم أجد ردا، وبعدما ألقيت نظرة متفحصة على الكتب المعروضة أمامي، لم أجد أي كتاب عربي مفروش على الرصيف. كان معي نسخٌ من ديواني "بحرٌ آخر" المترجم إلى اللغة الفرنسية، فقلتُ أضع نسخةً أو نسختين على الرصيف إلى جوار تلك الكتب القديمة، ليس من أجله بيعها، ولكن من أجل عرضها، فإذا بيعت فثمنها لصاحب الفرش، وليس لي.
بصعوبة أفهمتُ أحد البائعين، فرفض الفكرة، ولم أيأس، فحاولت مع آخر، وتدخل زميلي حسن الأشقر بالشرح، وأفهمناه أن ما بداخل الكتاب شعر عربي له ترجمة إلى اللغة الفرنسية بداخل الكتاب نفسه، وقمنا باستغلال اسم الشاعر التركي المعروف ناظم حكمت على سبيل المثال، ليفهم الرجل ما نعنيه، أو نقرب إليه ما نريده، فوافق على عرضه على الرصيف إلى جوار بقية كتبه، دون الرجوع إليه بمطالبة مالية في حالة البيع.
تُرى هل اشتراه أحد ؟ أحمد فضل شبلول ـ استانبول