نزيف العقول العربية مستمر

أبوظبي- من عبد الناصر نهار
وداعا

ذكر الشيخ حميد بن أحمد المعلا وزير التخطيط بدولة الإمارات أنه ووفقاً لإحصاءات جامعة الدول العربية وبعض المنظمات المهتمة بظاهرة هجرة العقول العربية، فإن الوطن العربي يسهم بـ 31% من هجرة الكفاءات من الدول النامية، حيث يهاجر 50% من الاطباء و23 من المهندسين و15% من العلماء من مجموع الكفاءات العربية متوجهين الى اوروبا والولايات المتحدة وكندا بوجه خاص، فيما لا يعود 54% من الطلاب العرب الذين يدرسون بالخارج الى بلدانهم.
وأوضح المعلا أن دول اوروبا الغربية وأمريكا تحتضن حالياً أكثر من 450 الف عربي من حاملي الشهادات والمؤهلات العليا، وتقدر الخسائر الاجتماعية العربية من جراء ذلك بحوالي 200 مليار دولار، في حين يشكل الاطباء العرب في بريطانيا وحدها حوالي 34% من مجموع الاطباء العاملين فيها، وتستقطب ثلاث دول غربية غنية هي امريكا وكندا وبريطانيا نحو 75% من المهاجرين العرب.
وتحدث وزير التخطيط الإماراتي خلال ورقة العمل التي قدمها للمؤتمر الاقليمي حول الهجرة العربية الذي تنظمه جامعة الدول العربية في القاهرة بالتعاون مع منظمة الهجرة الدولية خلال الفترة من 2 الى 4 سبتمبر الحالي، عن أسباب هجرة العقول العربية للخارج موضحاً أنها تستند الى عوامل عدة وأسباب اقتصادية واجتماعية وثقافية، تؤثر في تطور الاقتصاد القومي العربي وفي الترتيب الهيكلي للسكان والقوى البشرية. وتكتسب هذه الظاهرة اهمية في ظل عدم توفير البيئة المناسبة للسيطرة التامة على الكفاءات في اي قطر عربي مما نتج عنه تزايد أعداد المهاجرين خاصة من الكوادر العلمية المتخصصة. وذلك بسبب عدم الاهتمام بتطوير البحث العلمي وتحديث مناهج التعليم ثم ضيق الحريات الفردية والجماعية وانخفاض مستويات الدخل وعدم كفاية المردود المادي لحياة لائقة، بالإضافة الى جاذبية الوسط العلمي وتوفير معامل البحث العلمي وفرص البحث المرتبطة بها في البلدان المتقدمة، وضعف عملية التنمية في بلدانهم وعجزها عن استيعاب الطاقات المنتجة ذات الكفاءة العالية، وما ينتج عن ذلك من تردي الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية وعدم الاستقرار السياسي أو الاجتماعي والمشكلات التي تعاني منها عملية التطور، اضافة الى ان العديد من هذه الكفاءات لا تجد ذاتها في مجال عملها.
وفي ما يتعلق بآثار هجرة الكفاءات ونتائجها أوضحت الورقة أنه على الرغم من أن العديد من الدول أصبحت تخصص أموالاً طائلة لتكوين أبنائها وتأهيلهم، انطلاقاً من العناية بالأفراد وتحسين ظروفهم ورفع قدراتهم وكفاءاتهم العلمية والعملية وهو ما أصبح بمكانة الشرط الضروري لتحقيق غايات التنمية، غير أن أعداداً كبيرة من أبناء الدول العربية قد اضطروا بفعل ظروف مختلفة إلى الهجرة والاقامة في الدول المتقدمة، وهو ما حرم وطنهم الأم من الاستفادة من خبراتهم ومعارفهم في الوقت الذي تشتد فيه حاجته إلى ذلك، مما نجم عنه تأثير سلبي عميق في مسار التنمية في هذه الدول.
وذكر الوزير الإماراتي أن العولمة وما تطرحه من تحولات اقتصادية واجتماعية شائكة على مستوى العالم تمثل تحديا كبيرا للدول النامية بصفة عامة والدول العربية بصفة خاصة، وستكون معامل طرد يدفع نحو هجرة الكفاءات العلمية والفكرية العربية الى الخارج خاصة الكوادر المتخصصة في تخصصات حرجة ودقيقة، مما يعد ظاهرة تسهم في نزيف العقول العربية وبالتالي حرمان الوطن العربي من الكوادر القادرة على تطوير بلدانها علميا واقتصاديا، في الوقت الذي يعتبر فيه البحث العلمي احد ادوات ومفاتيح القرن الحادي والعشرين الذي يتسم بالعولمة وثورة المعلومات.
وأكد المعلا أنه انطلاقاً من إدراكنا الكامل لما تتيحه العولمة من حرية انتقال القوى العاملة وفي حال استمرار عجز الدول العربية عن خلق الظروف الكفيلة بوقف هجرة كفاءاتها العلمية والفكرية الى الخارج، فإن مسيرة التنمية الاقتصادية والاجتماعية ستظل معطلة ومتعثرة، وكلما تأخر تحقيق اهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية فسوف يقود ذلك الى مزيد من هجرة الكفاءات، وسيشكل مصدر قلق دائم للدول العربية التي لم تتمكن من توفير الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية الكفيلة بالسيطرة على كفاءاتها، مما يترتب عليه حرمان الوطن العربي من الكوادر القادرة على تطوير بلدانها علميا واقتصاديا.
وطالب وزير التخطيط الإماراتي جامعة الدول العربية أن تدعو كافة الدول العربية الى العمل على امتلاك زمام المبادرة والقدرة على اتخاذ القرار السياسي والاقتصادي المناسب للحد من هذه الظاهرة، بالاضافة الى ضرورة حث الدول العربية على تبني موقف موحد يتم فيه تنسيق الجهود الاقتصادية والسياسية العربية، والسعي لإحداث تكامل بين هذه الجهود في الوقت الراهن وفي المستقبل من اجل ضبط ومراقبة حركة هجرة الكفاءات العربية لاتخاذ الخطوات والاجراءات التصحيحية في حينه.
كما طالب أن تتبنى الجامعة الدعوة الى انشاء صندوق باسم "صندوق دعم الكفاءات العربية" يؤطر لإنشاء كيان من خلال الجامعة يتم فيه تسجيل كافة الكفاءات العربية النادرة من العلماء والتقنيين في الخارج، وربطهم من خلال شبكة اتصال بالجامعة العربية بهدف دعم جهودهم البحثية وتشجيع ربطهم بالوطن الأم بما يكفل في نهاية المطاف عودة هذه العقول المهاجرة لخدمة المجتمع العربي.