عقلنة الجرائم

بقلم: هشام القروي

في الفترة المتراوحة بين 1948 و 1996، أحصيت ما لايقل عن اثني عشرة جريمة جماعية منظمة ( أي بكلمة أخرى : مجزرة) ارتكبتها القوات الصهيونية ضد مدنيين فلسطينيين، حتى أنه لا مفر لمن يفكر قليلا في التاريخ الحديث جدا للدولة اليهودية، أن يلاحظ أنه قد لا تكون هناك دولة اخرى في العالم وعبر التاريخ الانساني كله، في حجم اسرائيل، ارتكبت في مدة وجيزة كهذه نسبة مشابهة من الجرائم. بطبيعة الحال، هناك الرايخ الثالث، وهناك الفترة الستالينية للاتحاد السوفياتي... ولكنكم ستلاحظون أن المقارنة غير جائزة، لأن الحجم البشري والجغرافي متفاوت جدا. فهذه اسرائيل الصغيرة التي تكاد تقوم على صخرة في بحر العرب او صحرائهم، تقترف ضدهم في فترة وجيزة ما يتجاوز في الرعب والدموية كل ما ارتكبه الاستعماريون البريطانيون والفرنسيون طوال قرن. انني بالكاد أبالغ. بل ان المبالغة تلغي نفسها بنفسها اذا ما وضعنا في الاعتبار مرة أخرى، حجم اسرائيل، وحجم بريطانيا وفرنسا ... هناك فعلا وضع ينفلت من كل عقلانية حين يتعلق الامر باسرائيل.
في مايو / ايار 1998، اجتمع في باريس بعض المثقفين الفلسطينيين والاسرائيليين للنقاش، حول تاريخ اسرائيل وظروف النكبة. كان من بين الحاضرين في تلك الندوة السادة ادوارد سعيد، والياس صنبر ونور مصالحة عن الجانب الفلسطيني، وبيني موريس وايلان باب وايتامار رابينوفيتش، عن الجانب الاسرائيلي. وفيما عدا هذا الاخير، فان كلا من موريس وباب ينتمي الى ما يصطلح عليه "مؤرخو ما بعد الصهيونية". وهو تيار في الفكر الاسرائيلي الحديث يرى أن الصهيونية لم تعد صالحة للفترة الحالية مثلما كان الحال قبل تاسيس الدولة، وان هذه الدولة قامت على أساس مظلمة ارتكبتها ضد شعب آخر، وقع تجاهل حقوقه لدى التأكيد على ان اليهود كانوا دائما ضحايا.
ويبدو أن تلك الندوة فشلت في تحقيق أرضية مشتركة للسرد التاريخي بين الفلسطينيين والاسرائيليين. فبالرغم من ايجابيات التوجه الجديد المسمى "ما بعد الصهيونية"، الذي يعترف بما كان الفلسطينيون يؤكدونه، فان مسألة نتائج حرب 1948 تبقى في صلب القضية القائمة الى الآن. ولا شك أنه بالنسبة للفلسطينيين، فان مسألة السلام النهائي لا يمكن أن تقوم على اساس تسوية القضايا العالقة منذ 1967، بل منذ 1948. ولا شك أن اعتراف اسرائيل بذنبها تجاه الفلسطينيين الذين طردتهم من الارض في 1948، هو الذي سيسمح بايجاد حل لمشكلة 4 مليون لاجئ يعيشون الآن موزعين على القارات الخمس، فيما أغلبيتهم لا تزال متواجدة في البلدان العربية المجاورة وأوضاع أكثرهم دقيقة.
وقد رأى الباحثون الفلسطينيون – ادوارد سعيد مثلا- أنه مع اعتراف مؤرخي "ما بعد الصهيونية" بوقوع ظلم ضد الشعب الفلسطيني في 1948، فانهم يؤكدون في نفس الوقت على أن ذلك كان ضروريا. وهم يرفضون الاعتراف بأنه كانت هناك خطة للطرد الجماعي للفلسطينيين قام ديفيد بن غوريون بتنفيذها. فيقول المؤرخون الاسرائيليون المعنيون أنه لا توجد وثيقة تثبت برنامج افراغ فلسطين من سكانها الأصليين. ويرد الباحثون الفلسطينيون على هذا الكلام بقولهم : هل توجد وثيقة كتبها هتلر أو وقعها بخط يده تقول انه سوف يرسل اليهود الى غرف الغاز؟
ومن ثم، فان مؤرخي ما بعد الصهيونية لا يتجاوزون حدودا معينة في تحديدهم للحقائق التاريخية، وهذا سلوك يشاطرهم اياه العديد من أعضاء اليسار ويسار الوسط في اسرائيل، مثل حزب "ميرتز" أو أتباع شمعون بيريز. وهذا أيضا ما يفضح التناقض في الوعي الاسرائيلي الذي يصفه البعض بالشيزوفرينية الثقافية، اضافة الى التناقض بين الصهيونية والديمقراطية، اذ كيف يمكن لنظام يضطهد شعبا بأسره ان يكون ديمقراطيا؟
وفي النهاية، فالقول ان الطرد الجماعي للفلسطينيين كان ضروريا، هو نوع من عقلنة اللاعقلاني، اذا كان اللاعقلاني جريمة. وهذا ما يمكن أن ينطبق على كل المجازر التي ارتكبها الاسرائيليون. فهي من نفس المنطق "ضرورية". وعندما يحاولون تبرير ما يقومون به من تدمير منظم للبيوت والمؤسسات الفلسطينية، بكونه استجابة للمتطلبات الامنية، فهذا أيضا نهاية في عقلنة الجريمة. ذلك أنه في البداية، كانت هناك جريمة. وهو ما يعترف به مؤرخوهم كما قلنا. الا انهم لا يذهبون الى حد الاعتراف بأن الجريمة لم تكن لها أي ضرورة، وانها بالتالي تستوجب التكفير والاصلاح وطلب الغفران. هشام القروي