بعد المستوطنات، هل يودي جدار الفصل العنصري بخريطة الطريق؟

بقلم: ماجد كيالي

باتت قضية الجدار العازل الذي تقيمه إسرائيل، في أراضي الضفة الغربية المحتلة، من أهم القضايا التي تعكّر مسار التسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بعد قضية الاستيطان. وربما أن هذا الجدار قد يودي بخطة "خريطة الطريق"، في حال أصرّت إسرائيل على الاستمرار ببنائه، وفق مخططاتها الحالية.
على ذلك لم يكن مستغربا، أن هذه القضية، كانت على رأس أجندة رئيس الوزراء الفلسطيني محمود عباس لدى أول زيارة له، قبل أيام، إلى البيت الأبيض للقاء الرئيس الأمريكي جورج بوش؛ الذي بادله المخاوف من هذه الخطوة الإسرائيلية.
والجدار الفاصل الذي تعمل الحكومة الإسرائيلية بنشاط على بنائه، منذ أكثر من عام، يبلغ ارتفاعه ثمانية أمتار، ويتضمن منطقة عازلة على جانبيه، عرض كل منهما حوالي 50 مترا، بحيث ان كل كيلو متر من الجدار يحتل نحو 50 ألف متر مربع (نحو 50 دونم).
والمشكلة الأخطر، بالنسبة للفلسطينيين، أن الجدار يأخذ مسارين، أحدهما غربي الضفة الغربية ويمتد على مسافة طولها 300 كلم (أنجز نصفها تقريبا)، ويهدف لعزل الضفة عن إسرائيل. والثاني شرقي الضفة، وطوله حوالي 700 كلم، وهو يهدف لعزل الضفة عن غور الأردن والبحر الميت. وفي بعض المواقع يتّخذ الجدار شكل أسلاك شائكة معزّزة بخنادق بعمق أربعة أمتار من الجانبين، مع أسلاك كهربائية ومجسّات الكترونية وكاميرات، ودوريات حراسة مخولة بإطلاق النار، وكلها مرتبطة بمحطات مراقبة، تبعد عن بعضها البعض 200 متر.
وخطورة هذا الجدار، أنه ليس جدارا أمنيا، فحسب، على ما تدّعي إسرائيل، وهو يختلف جوهريا عن خطة "الفصل من طرف واحد"، التي يتبناها بعض القياديين الإسرائيليين، إذ أنه إنه أكثر وأخطر من هذا وذاك، فهو، أولا، بمثابة ترسيم واقع سياسي جديد، تحاول إسرائيل، من خلاله، استباق نتيجة التفاوض على الحدود، مع الفلسطينيين، من طرف واحد، وبما يتعارض مع مبدأ إنهاء الاحتلال الذي بدأ في العام 1967. فالجدار في كلا الحالين، أي في قاطعه الشرقي أو الغربي، يقتطع أراض فلسطينية بعرض 8 ـ12 كلم، وهو ما يشكل مساحة قدرها 25 بالمئة من مساحة الضفة الغربية؛ وهو أمر يرفضه الفلسطينيون!
ثانيا، أن هذا الجدار لا يأخذ مسارا طوليا مستقيما، على طول الحدود المفترضة بين إسرائيل والضفة، إذ أنه في كثير من الحالات يأخذ خطا متعرجا الهدف منه ضم العديد من المستوطنات، التي تتوغّل في عمق الأراضي الفلسطينية، ولا سيما في مناطق نابلس ورام الله والقدس وبيت لحم. ويعني ذلك أن هذا الجدار لا يهدف إلى حماية إسرائيل من عمليات المقاومة الفلسطينية، بحسب ما تروّج إسرائيل لتبرير اغتصابها مزيد من أراضي الفلسطينيين، وإنما هو يهدف، أيضا، إلى ضمّ المستوطنات والأراضي المحيطة بها، ما يغيّر الواقع السياسي والجغرافي والديمغرافي في الضفة الغربية.
ثالثا، يشكّل هذا الجدار عائقا حيويا أمام التواصل الطبيعي بين المدن الفلسطينية، وهو يصعّب عيش الفلسطينيين من الناحية الاقتصادية والاجتماعية، أما من الناحية السياسية فإن هذا الوضع من شأنه أن يجعل الكيان الفلسطيني المفترض أشبه بدويلة معازل (بانتوستانات) متفرقة، وغير قابلة للحياة.
رابعا، إن هذا الجدار لا يقدّم كثيرا في مسألة حماية إسرائيل، كما بينت التجربة، وبالعكس من ذلك فإنه سيجعل الاحتكاكات العدائية، بين الفلسطينيين والإسرائيليين، مستمرة وربما أكثر ضراوة؛ حتى بعد قيام الدولة الفلسطينية المفترضة، في حال بقي في مساره الحالي.
خامسا، ثمة هدف سياسي على غاية من الأهمية لهذا الجدار وهو يتمثل بإبقاء الكيان الفلسطيني، المفترض، تحت رحمة السيطرة الإسرائيلية، من مختلف النواحي، ولا سيما لجهة منع التواصل بينه وبين دول الجوار (الأردن وربما مصر أيضا).
سادسا، ربما أن إسرائيل تحاول من وراء التهديد الذي يمثله هذا الجدار، خلق المزيد من الضغوط على القيادة الفلسطينية لإجبارها على التجاوب مع التصورات الإسرائيلية المتعلقة بحل قضايا اللاجئين والقدس والحدود؛ المعنى أنه من المؤكد أن لهذا الجدار وظيفة تفاوضية، بالنسبة لإسرائيل، التي اعتادت على خلق مثل هذه الوقائع في سياق صراعها التفاوضي مع الفلسطينيين.
على ذلك فإن معضلة الجدار هي معضلة عملية التسوية ذاتها، فإسرائيل تتصرف في كل القضايا (اللاجئين والقدس والمستوطنات والحدود والأحوال المعيشية والأمنية)، وكأنه ليس ثمة شريك لها، أو كأن التسوية شأن يخصها لوحدها!
وعلى ضوء المخاطر التي يشكلها هذا الجدار فإن الفلسطينيين معنيون بتنظيم مقاومتهم لهذا الجدار وتصعيدها في مختلف المحافل الدولية، باعتبارها تقويضا لعملية التسوية ولخطة "خريطة الطرق"، وباعتبارها أمرا يتنافى مع القوانين والتشريعات الدولية المتعلقة بالأراضي المحتلة، ومن ضمن ذلك قرارات مجلس الأمن الدولي رقم 242 و338 و1397، ومبدأ الأرض مقابل السلام.
وإضافة إلى ذلك فإن الفلسطينيين بامكانهم إدانة هذه الخطوة من الناحية الأخلاقية، أيضا، فبناء الجدار، بشكله الراهن، هو فرصة مناسبة لتعرية إسرائيل وإبرازها على حقيقتها أمام الرأي العام العالمي، بوصفها دولة عنصرية واستعمارية، شبيهة بنظام الفصل العنصرية (السابق) في جنوبي أفريقيا؛ وهو ما يتعارض مع الصورة التي تحاول إسرائيل تقديم نفسها بها إلى العالم، باعتبارها دولة ديمقراطية وحداثية وتنتمي إلى الحضارة الغربية.
ويؤمل أن تدمج السلطة الفلسطينية وسائل المعارضة السياسية والدبلوماسية للجدار، بوسائل المقاومة الشعبية، المدنية والسلمية، أيضا، لا سيما أن المتضررين مباشرة، من هذه الخطوة يناهز عددهم أكثر من نصف مليون من الفلسطينيين؛ وهو ما يعطي هامشا واسعا للقيادة الفلسطينية في تكثيف الضغوط على الطرف الإسرائيلي، من مختلف الجهات.
عموما فإن بناء الجدار يواجه معارضة إسرائيلية ودولية كبيرة. فالرئيس بوش، كما قدمنا، ولدى استقباله محمود عباس، دعا إسرائيل إلى التخلي عن مخططاتها في بناء الجدار الذي شبّهه بالثعبان، مبديا معارضته له. وكانت مستشارة الأمن القومي الاميركي كونداليسا رايس حثّت إسرائيل على وقف بناء الجدار، مبدية انزعاج الإدارة الأمريكية من هذه الخطوة التي تخلق واقعا سياسيا مشبوها، على حد قولها.
وعلى الطرف الإسرائيلي فإن نوعامي بلومنتال (حزب العمل)، مثلا، تعتقد بأن بناء الجدار هو بمثابة عودة إسرائيلية إلى عهد الغيتو. وبرأي يولي تامير (عضو كنيست من العمل) فإن الجدار، بخطوطه الراهنة، يشكل خطرا على إسرائيل التي ستضطر إلى ضم حوالي 450 ألف فلسطيني، بينهم 212 ألف يقطنون شرقي القدس. وبحسب تامير فإن شارون "الذي يعد بعدم تطبيق حق العودة، لأي فلسطيني، إلى دولة إسرائيل يقوم بضم نصف مليون فلسطيني إليها، وهذا (برأيها) تناقض منطقي وسخيف".(يديعوت أحرونوت 27/6). أما المحللة عميرة هس، وهي متعاطفة مع الفلسطينيين، فترى في مصطلح "جدار" تعبيرا مضللا. لذلك فهي تعتقد بأن ما يجري بناؤه هو بمثابة منظومة من التحصينات ستفرض خطوط "الدولة" التي ستطرح على الفلسطينيين في إطار خريطة الطريق: ثلاثة جيوب معزولة عن بعضها البعض، من دون غور الأردن ومن دون المنطقة الزراعية الخصبة بين جنين وقلقيلية ومن دون "القدس الكبرى"، التي تشمل المساحة بين مستوطنات جفعات زئيف في الشمال الغربي وبيتار في الجنوب الغربي ومعاليه ادوميم شرقا". وأخيرا يعتقد الخبير الاستراتيجي شلومو غازيت، بأن إقامة الجدار هو بمثابة "دعوة للفلسطينيين للشروع بانتفاضة جديدة..في ظروف اشد صعوبة من التي عرفناها في الألف يوم الماضية". (معاريف 9/7)
على أية حال فإن معركة الجدار هي ذاتها معركة الاستيطان والحدود والقدس، وهي معركة على شكل وماهية التسوية، بين الفلسطينيين والإسرائيليين؛ ومن دون ضغط دولي حازم على الإسرائيليين، ومن دون مقاومة مناسبة من الفلسطينيين، فإن إسرائيل، كعادتها، ستمضي بمخططاتها لا تلوي على شيء. ماجد كيالي