أذربيجان تتطلع الى دور جديد تحت الاشراف الاميركي

بقلم: هشام القروي

يبدو أنّ أذربيجان تحولت إلى قاعدة أساسية للنفوذ الأميركي، في وسط آسيا والقوقاز والشرق الأوسط، إذ أنّها (أذربيجان)، بما تقدمه من تسهيلات كبيرة للولايات المتحدة في منطقة آسيا الوسطى والقوقاز؛ إنما توفر وجوداً أميركياً مباشراً، وتسمح بإحكام الطوق العسكري الأميركي على الدول المجاورة.
يحدث هذا في الوقت، الذي يحاول فيه حلف شمال الأطلسي "ناتو"، مد نفوذه إلى منطقة بحر قزوين؛ بهدف فصل إيران من الشمال والشمال الشرقي عن روسيا والصين، حسب بعض المصادر.
من هذا المنظور، فقد تكون الولايات المتحدة وجدت، عبر أذربيجان، موطئ قدم لها في بحر قزوين؛ الذي ظهرت أهميته الاستراتيجية، بعدما تبين مقدار الثروات، التي يدخرها في باطنه من النفط والغاز، وما تحمله هذه الكنوز من دلالات للولايات المتحدة، باعتبارها المستهلك الأول في العالم للنفط ومشتقاته؛ حتى أصبح يقال إنه أصبح بديلاً للخليج.
ولكن يشار في المقابل إلى أنّ إيران رأت في هذا التقارب "نوعاً من التحريض، الذي تمارسه أذربيجان، معتبرة هذا الطوق على حدودها الشمالية من بحر قزوين ودول آسيا الوسطى والقوقاز؛ انتهاكاً صريحاً لحقوق الدول المطلة على بحر قزوين، وفي مقدمتهم إيران".
وتستند طهران في موقفها هذا إلى اتفاقيتين أبرمتا سنة 1921 و1940 بين الاتحاد السوفياتي السابق وإيران، يخولان بموجبهما حرية الملاحة، وتحديد مناطق صيد، الخاصة بكل منهما، غير أنّ مقتضيات الاتفاقيتين تحولتا إلى مجرد حبر على ورق، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي؛ مما أفرز وضعاً جديداً، لم تعد إيران تشارك بموجبه في الوجود على شواطئ البحر طرفاً واحداً فقط هو الاتحاد السوفييتي؛ وإنما أصبح هناك أربعة شركاء؛ هم روسيا وأذربيجان وتركمانستان وكازاخستان؛ التي كانت قد توصلت معظمها في البداية إلى اتفاق حول طريقة توزيع ثروات بحر قزوين، باعتباره بحيرة مغلقة، تتقاسم دوله ثرواته بصورة متساوية.
ويعني ذلك أن تحصل كل دولة على نصيب عشرين في المائة. وبناء عليه فإنّ نصيب إيران من مساحة البحر سوف ينزل من عشرين في المائة إلى أحد عشر في المائة، وسيتضاءل بالتالي نصيبها من احتياطيات النفط من 33 مليار برميل إلى ملياري برميل فقط، خصوصاً بعدما تقدمت أذربيجان بمذكرة للأمم المتحدة، تطالب فيها بتخفيض نصيب إيران.
ولأن أذربيجان وجدت نفسها غير مرتاحة لهذا التقسيم؛ فقد أبرمت اتفاقاً مع اثنتي عشرة شركة غربية للتنقيب في بحر قزوين، في شكل اتحاد شركات. ولكن حصة الأسد في هذه الصفقة عادت إلى شركات أميركية، بحيث منعت شركة النفط الإيرانية من الانضمام إلى هذه المجموعة، بعد أن كان نصيبها خمسة في المائة من أسهمها، وحلت إحدى الشركات محل الشركة الإيرانية، غير أن "بريتش بتروليوم" أعلنت آنذاك تعليق عملياتها في المناطق المتنازع عليها، بعد أن اعترضت بارجة حربية إيرانية سفينتي استكشاف بريطانيتين…
يرى بعض المراقبين أنّ الولايات المتحدة كانت وراء القرار، الذي اتخذته شركة النفط الأذرية، بتنحية إيران، وتغيير مسار خطوط النفط عن طريق الأراضي الإيرانية، رغم أنه أنسب الخطوط، وأقلها تكلفة، وأكثرها أمناً، في الوقت الذي يتعين فيه التذكير بما صدر عن إيران في الآونة الأخيرة من تحذيرات قوية لأذربيجان، بسبب سياستها الرامية إلى عسكرة بحر قزوين.
وليس خافيا أن الولايات المتحدة حاولت في السنوات الأخيرة، أن تمد مظلة حلف شمال الأطلسي "ناتو" إلى منطقة بحر قزوين، مما أثار قلق إيران وروسيا والصين، بينما طالبت أذربيجان حلف الأطلسي بإنشاء قاعدة له في شبه جزيرة أبشوران الاستراتيجية الأذربيجانية المطلة على بحر قزوين.
ويرى خبراء أنّ تطوراً استراتيجياً من هذا النوع سيكون سبباً في خنق إيران من جميع الجهات، خاصة بعدما أكدت كل من إيران وروسيا عزمهما على مواصلة التعاون، لتنفيذ البرنامج النووي الإيراني، بعدما حلت روسيا سنة 1995 محل الشركات الألمانية، العاملة في هذا المجال، جراء ضغوط أميركية، تزعم أنه موجه لأغراض عسكرية، بينما تؤكد إيران أنّ برنامجها يندرج في سياق الاستخدامات السلمية، إذ إنه سيعمل على توفير عشرين في المائة من حاجتها إلى الكهرباء.
وترى الولايات المتحدة في المقابل أنّ الأهداف الاقتصادية، التي تذكرها إيران "ليست منطقية"؛ لأنّ هذا البرنامج سيكلف إيران مليارات الدولارات، وهو لا ينطوي على فائدة كبيرة لبلد يملك مخزوناً ضخماً من النفط والغاز، لا يحتاج معه إلى طاقة أخرى، بحسب الرؤية الرسمية الأميركية.
وتتحدث مصادر الاستخبارات الأميركية عن وجود مكوِّن عسكري في البرنامج النووي الإيراني، وأنّ هناك منشآت سرية أقيمت تحت الأرض، لإنتاج مواد قابلة للانشطار، تصلح لصنع الأسلحة النووية، وعن وجود منشأتين يتم بناؤهما حالياً لتخصيب اليورانيوم وإنتاج الماء الثقيل. أما طهران فتؤكد من جانبها أنها كانت قد زودت الوكالة الدولية للطاقة النووية، في وقت سابق، بمعلومات كاملة عن برنامجها، وتبدي دوماً استعدادها لتفتيش منشآتها النووية من جانب الوكالة الدولية، معلنة في الوقت ذاته عن ردها لأي هجوم مرتقب على منشآتها النووية، من قبل الولايات المتحدة، أو الدولة العبرية، وأنها ستتصدى بقوة وبأي خيار على أي هجوم يمسّ سيادة بلادها.
وحين تثار مسألة المكوِّنات العرقية الإيرانية، فان بعض المصادر تعتبر هذا الملف "الأكثر سخونة وخطورة"؛ ذلك أنّ جارة ايران، أذربيجان وجدت فيه مرتعاً لإثارة النزعات القومية لدى الأذريين، الذين يشكلون أكبر القوميات، بنسبة ثلاثين في المائة من سكان البلاد، ودفعت بعض وسائل الإعلام الأذرية إلى تحريض الأذريين في إيران على التمرد على حكومتهم، بحكم أنّ أغلبهم يتمركز في إقليم أذربيجان، الذي يقع في شمال إيران، ويجاور في الوقت نفسه جمهورية أذربيجان.
ويتحدث البعض عن ضلوع "إسرائيل" في إثارة هذه النزعة، ذلك أنها كانت من أوائل الدول، التي اعترفت بجمهورية أذربيجان، وفتحت سفارتها في باكو سنة 1992. فمنذ هذا التاريخ بدأت الدولة العبرية تقوم بعمليات استخبارية سرية، بهدف تقييد النفوذ العسكري الإيراني في أذربيجان، للحصول على الأخبار والمعلومات عن إيران والدول الإسلامية.
ومن المفهوم أنّ الدولة العبرية تدرك جيداً أنها بالتشجيع على إثارة هذه النزعات القومية الأذرية؛ يمكنها أن تعرِّض ركيزة أساسية من ركائز الوحدة الإيرانية للضعف والخلل، ذلك أنّ الإيرانيين يشعرون بمرارة بالغة كون جمهورية أذربيجان، التي ظلت حتى وقت قريب جزءاً من إيران، لم تعد تقنع الآن بأنّ إيران تعترف باستقلالها وسيادتها ووحدة أراضيها، بل تنادي بضم أراضٍ إيرانية إليها. هشام القروي