قضية الأسلحة الإسرائيلية، والإيرانية، والكيل بمكيالين

بقلم: حسني محمد ذياب

تقر جميع القوانين والشرائع بأحقية أية دولة أن تعمل على توفير كل ما من شأنه حماية أمنها وأمن مواطنيها وحماية مكتسباتها والتصدي لأي اعتداء قد تتعرض له، وهذا من الأمور البديهية التي لا يختلف عليه اثنان.
ونحن مأمورون بنص القرآن الكريم بالاستعداد والتسلح لحماية أنفسنا من الأعداء، إذ يقول العلي القدير في محكم التنزيل:( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ ) [ الأنفال :60 ]، وهذا الإعداد والاستعداد له الكثير من المبررات ليس أقلها حماية الأنفس والدفاع عن الأموال والممتلكات، فالدول كل الدول تعد العدة وتستعد، وتقوم بشراء ما تحتاجه من الأسلحة وإذا استطاعت تقوم بتصنيع كل ما تحتاجه للدفاع عن أراضيها، من طمع الطامعين، وجور الجائرين، وأينما يممنا البصر نجد أن غالبية دول العالم تمتلك ترسانات من الأسلحة وتشتري وتصنع هذه الأسلحة وتطورها وتتسابق الدول للحصول على أحدث التكنولوجيا وآخر المخترعات، ولم نسمع أو نشاهد أن هناك من قام بمنع أو معارضة أو حتى انتقاد دولاً مثل الولايات المتحدة الأمريكية أو أي دولة أوروبية بسبب امتلاكها ترسانات من الأسلحة، أو بسبب قيامها باستخدام التكنولوجيا في مجال تصنيع هذه الأسلحة.
لكن الأمر يختلف، وتنقلب الأمور رأساً على عقب، ويدور المؤشر بدرجة 180 درجة عندما يتعلق بدولة إسلامية وبالأخص إن كانت الدولة عربية، فيصبح حصول هذه الدولة على أي سلاح لحماية نفسها والدفاع عن مقدراتها من المحرمات، حتى ولو كانت بنادق للصيد، فإنها تعتبر بأيد العرب أسلحة نووية، بل إن حليب الأطفال يمنع عن العرب ويعد من المحرمات لأنه ربما يستخدم في تصنيع وإنتاج الأسلحة الكيماوية، وذلك حسبما تروج الصهيونية العالمية.
إن من حق إيران، مثل أي دولة أخرى، أن تقوم بتطوير وانتاج الأسلحة لتعزيز دفاعاتها والاستعداد لأي عدوان قد تتعرض له، وأمر طبيعي أن يقوم أبنائها بخبراتهم وبمساعدة بعض الأصدقاء بتصنيع ما تحتاجه بلدهم من الأسلحة المتطورة، وتقوم هذه الدولة بتسخير التكنولوجيا لخدمة أبنائها، فلماذا كل هذه الضجة التي تثيرها إسرائيل حول الأسلحة الإيرانية، ولماذا تقوم الحكومة الإسرائيلية باستعداء العالم كله على إيران، وتروج بأن إيران أصبحت خطراً على أمن العالم وسلامته.
لماذا لا يجرؤ أحد على الإشارة إلى الأسلحة الإسرائيلية، ولماذا هذا الصمت العالمي المريب على الترسانة الهائلة من الأسلحة الإسرائيلية النووية والكيمائية والتقليدية، ألم تقوم إسرائيل بإجراء العديد من التجارب على إطلاق صواريخ بعيدة المدى وحاملة للرؤوس النووية، بل حتى أن هذه التجارب تجريها بمساعدة الولايات المتحدة الأمريكية، ألم تطلق إسرائيل أقماراً اصطناعية للتجسس على الدول العربية والإسلامية، لماذا لم نسمع أي احتاج أو اعتراض أو حتى عتب نتيجة لذلك.
إن الصاروخ الإيراني بِعُرف الصهاينة خطرٌ على إسرائيل والمنطقة بل وعلى أوروبا وعلى الولايات المتحدة، أما الترسانة العسكرية الإسرائيلية بصواريخها وقنابلها ومفاعلاتها النووية فلا تشكل أي خطرٌ على المنطقة، إن لدى إسرائيل المئات بل الآلاف من الصواريخ والقواعد والمفاعلات النووية في تل نوف، وزخريا، وديمونا، وتؤكد كل التقارير وكل الجهات المختصة بأن هذه المراكز مخصصة لإنتاج الأسلحة النووية والكيماوية، وغيرها، هذه المفاعلات بِعُرف الصهاينة ومن يدعمهم لا تشكل خطراً على أمن المنطقة ودولها، بينما المفاعل النووي الإيراني والذي يؤكد الجميع أنه للأغراض السلمية، فهو بِعُرفهم خطرٌ على المنطقة بل وعلى العالم أجمع، وتسعى إسرائيل ومن ورائها الولايات المتحدة إلى عرقلة إتمام هذا الشروع بل وتدميره، وتستنفر واشنطن وعلى كل المستويات وتطلق التهديدات والتحذيرات لإيران، ولا يُستبعد أن تتطور الأمور لتصل لدرجة الهجوم العسكري على إيران إذا فشلت واشنطن بالوصول إلى أهدافها بإحداث التغيير الذي تنشده، وذلك من خلال تحريك الشارع الإيراني أو تحريك أنصارها داخل إيران، وغير ذلك من الأساليب، ففي النهاية المطلوب هو القضاء على أي قوة تظهر في الشرق الأوسط، ماعدا القوة الإسرائيلية، والهدف الدائم هو تدمير أي قوة يمكن أن تشكل خطراً على إسرائيل أو تقلق الكيان الصهيوني حتى ينام شارون وعصابته بأمن وسلام دون أن ينغص نومهم أي طارئ.
بالطبع لسنا من أنصار التسلح وانتشار الأسلحة التقليدية منها وغير التقليدية لكن القضية في ازدواجية المعايير والكيل بمكيالين، فالدول العربية والدول المحبة للسلام طالما رفعت صوتها ونادت بضرورة إخلاء منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل، لكن لا مجيب، ونرى ونسمع الصيحات تتعالى لنزع سلاح العرب والمسلمين فقط، ولا نرى أو نسمع من ينادي بنزع سلاح إسرائيل أو حتى إرسال فريق تفتيش دولي للتفتيش على أسلحتها.
حسني محمد ذياب gazehosny@hotmail.com