امل جمال و« حدث في مثل هذا البيت»

بقلم: حسن غريب أحمد

عندما تستقبل قراءة ديوان من الشعر، فإما أن تكون قرأت لمبدعه فأعجبك إبداعه، وإما ألا تكون قرأت له من قبل فتقبل عليه إقبال من يرتاد أرضاً لم تطرقها قدمه، أو روضاًً لم يتبين أصناف نبته وأزهاره..
والديوان الذي معنا اليوم لشاعرة مجيدة، قرأت لها قبل هذا ديواناً أعجبني ما فيه من رائق الإبداع وأريج الأصالة.
ولا أريد أن يذهب بنا الحديث عن ديوان فرغنا منه قراءة، وإن لم نفرغ منه إعجاباً.
لا أريد أن يأخذنا مثل هذا الحديث فيشغلنا عن هذا الديوان "حدث في مثل هذا البيت" التي نشرته مبدعته الأدبية الشاعرة أمل جمال سنة 2000 عن دار الإسلام للطباعة – المنصورة – في أربعة وثمانين صفحة من القطع المتوسط ويشتمل على عشرة قصائد يتفرع منها عدة أجزاء من كل قصيدة لبضعة صفحات.
والأدبية الشاعرة أمل جمال ليست غريبة عن الساحة الأدبية ولا الوسط الثقافي في مصر والوطن العربي فهي درست في قسم البيولوجي بكلية التربية جامعة المنصورة وتخرجت عام 1990 وحصلت على دبلوم النقد الفني قسم التذوق الفني بالمعهد العالي للنقد الفني بأكاديمية الفنون بالقاهرة 1996 وكذلك هي عضوة باتحاد كتاب مصر وعضوه بأتيلييه القاهرة للفنانين والكتاب.
و قد صدر لها ديوانان شعريان من قبل هما :
1- لا أسميك فبراير 1995 - هيئة الكتاب.
2- من أجل سحابة سبتمبر 1998 - هيئة قصور الثقافة.
كما أن لها دراسات نقدية حول الشعر والرواية ولها مجموعة من قصص الأطفال. وقد سبق لها – أن حازت على جائزة المجلس الأعلى للثقافة في النقد 1995.. إلى جانب مشاركتها في العديد من المؤتمرات الأدبية والأمسيات الثقافية الكبرى داخل مصر وخارجها. إصدار و أول ما صدر به هذا الديوان قطعة أدبية رائعة أهدت بها هذا الديوان إلى أبنها "رامي" وهى وإن كانت صورة ممزوجة بالحس المعتمد بالشعور المرير التي رسمتها الكاتبة فهى بالرغم من ذلك لوحة أدبية رائعة إلا أن لا نريد إطالة الوقوف معها فشوقنا إلى الإدلاج في دروب الشعر حثيث. رحما نينوف وضوء أحمر
نبيذ أحمر
قميص نوم أحمر
رجل ينفخ في الجمرات
و سيدة تشعلها
ماذا يعنى العالم ؟!! ص5
يبدو أن الشاعرة في هذه المقطوعة النثرية قد أستكملت عدتها الشعرية الفنية وتعمقت تجربتها الشخصية، فلم يعد انفعالها يطفر طفرة، ويقتصر على السرد والوصف بل بدا ذلك الانفعال وفياً لروح الشاعرية الحقة، التي تعبر قدر ما تعانى، من حياة قاسية مريرة مع من كانت تحب فتحول لها فجأة إلى وحش كاسر.
و هنا جاءت الشاعرة في هذا الديوان بمرور وصفى مقتدر بكل ما تشعر في حياتها الخاصة.
و بدت في باقي النصوص – التي سنقدمها لكم – مستكملة أدوات فنها مالكة لها تصرفاتها كما تشاء لا تصرفها عنها صارف ولا يغلبها عليها غروب. ** التصور التحيزى للنص ونعود الى النص أنظف وجهي من سحب
النوم العابر
أتحسسه
ينفتح التعب على شارع
يحمل اسمك
أنظف جسدي من أتربة اليوم
و أتحسسه
تفر التواريخ في مراياك
تراوغ، فتشوهني
كيف إذن
سأنظف روحي من
أحراش غيابك ؟ !
إن النظر إلى هذه الفقرة الشعرية دون التنبه إلى الوحدات الفرعية المشكلة لها، يسوق إلى سوء فهم الفقرة كاملة. كما أن عدم التنبيه إلى الوحدة الفاعلة من بين هذه الوحدات الفرعية،
وبالتالى عدم التنبه إلى العلاقات الدلالية بين الوحدة الفاعلة وبقية الوحدات، يسوق بدوره إلى سوء فهم الفقرة كاملة، وإلى سوء فهم الديوان كله أيضاً، أو على الأقل يسوق إلى قراءة من نوع ما لا أدرى ماهيته
ومن وجهة نظري، إن هذه الفقرة تتألف من أربع وحدات، الأولى وتتشكل من الجملة الفعلية التالية : أنظف وجهي، من سحب النوم العابر، أتحسسه. والثانية وتتشكل من الجملتين التاليتين : ينفتح التعب على شارع
يحمل أسمك. أنظف جسدي من أتربة اليوم، والثالثة تتشكل من الجمل التالية : تفر التواريخ في مراياك تراوغ، فتشوهنى، والوحدة الرابعة تتشكل من جمل بقية الفقرة : كيف إذن، سأنظف روحي من أحراش غيابك؟!. أما بالنسبة لمبرر تقسيم هذه الفقرة إلى هذه الوحدات الفرعية المشار إليها، أو بالنسبة لتحديد الوحدة الفاعلة، أو بالنسبة لعلاقة الفاعلة ببقية الوحدات الأخرى فأمور سيأتى بيانها بعد الوقوف على طبيعة الوحدة الفرعية الأولى، التي اعتبرها الوحدة الفاعلة في بقية الوحدات الأخرى.
أن الوحدة الفرعية الأولى المتمثلة في الجملة الفعلية الأولى تضع القارىء إزاء تساؤل رئيسي، والإجابة عليه تشكل مدخلاً لفهم الفقرة الأولى، ومن ثم مجموع فقرات القصيدة كلها والسؤال هو: لماذا تكون السحب نقطة بداية النوم العابر؟ وهذا السؤال يسوق إلى آخر وهو :ما السحب هنا ؟ ومن هذا التساؤل يبدأ فعل القراءة.
فالشاعرة أمل جمال التي اختارت جملتها :أنظف وجهي، من سحب النوم العابر، أتحسسه، لم يكن اختيارها عشوائياً، لقد كانت حقيقة تقصد هذا التعبير مدخلاً لقصيدتها، ولعلها قبل أن تنجز ذلك كله كانت إزاء خيارات أخرى، وجاءت الجملة التي ابتدأت بها بعد تمحيص بغض النظر عن نوعها : عقلياً صرفاً أو حدساً مدرباً.
و بالتأكيد إن اختيارات الشاعرة كانت وفق حساسية خاصة في حياتها الشخصية إزاء عرف أدبي أو شعري متفق عليه ضمناً أو استعمالاً في إطار اللغة الأدبية التي تستخدمها.
و مادام الأمر كذلك فإنها لابد أن تكون في اختيارها قد استقرت على قاعدة في إنشاء الدلالة، قاعدة كفيلة بان تجعلها هي مدركة لما تقول، إذا أرادت أن يقرأ شعرها وكفيلة أيضاً بأن تجعلها مطمئنة إلى أن ما تقوله مستند إلى أصول عرفية مماثلة تبنى عليها قارئه المتوقع. وهكذا، ومن خلال هذا العرف المشترك بين الشاعرة وقارئها، ينشأ فعل القراءة ومسئولية القارئ تبدأ من حيث تنتهي الشاعرة.
من هذا التصور أعود لطرح السؤالين الخاصين بالجملة الأولى التي افتتحت بها أمل جمال نصها الشعري، وهى الجملة التي اعتبرتها الوحدة الفاعلة في الفقرة الأولى من هذا النص : لماذا السحب نقطة لبداية النوم العابر ؟ وما السحب ؟ لابد من الإشارة هنا إلى أن المفردة في العمل الشعرى، وفي القصيدة الحديثة بشكل خاص، ليست وثيقة الصلة بدلالتها المعجمية، أنها تراوغ محاولات التقييد لتشكل لنفسها مجالاً من الدلالات، ومهمة القارئ أن يعي ذلك.
فالسحب في نطاق خبرتنا مرتبطة بالمكان العالى، وهى بناء ولكنها ليست بيتاً، إنها عالية ومعزولة ومشرفة وملفعة بالغموض ومسورة بالقوة وهو حية بالغياب والبعد.
ومن هذه السحب بهذه المواصفات المشكلة مجالاً دلالياً لها، أنظف وجهى، من سحب النوم العابر، ولا أظن أن هناك صعوبة في تحديد دلالة "سحب النوم" وذلك لارتباط هذا التعبير بقرينة دالة في قولها: "من أحراش غيابك" فالسحب ( ولون السحب مألوف في هذا السياق ) ليس إلا المطر، وهذه الدلالة قائمة على عرف أدبى معروف له مصطلحه الخاص، واعنى هنا المجاز المرسل، وإذا تركت الجملة الأولى مقيدة بدلالة أولية ومفتوحة في الوقت نفسه على احتمالات دلالية أخرى فإنى أطرح السؤال التالي حول الجملتين التاليتين المشكلتين للوحدة الفرعية الثانية : ينفتح التعب على
شارع يحمل اسمك
أنظف جسدى من
أتربة اليوم
وسؤالي هو: ما الصلة بين هاتين الجملتين والجملة الأولى؟ أو ما العلاقة بين دلالة هاتين الجملتين والدلالة الأولية للجملة؟ سحب النوم العابر؟
إن هاتين الجملتين، موضعياً، واضحتا الدلالة لو أخذتا منفصلتين عن السياق الذي ورد فيه، لكن المشكلة هنا تكمن فيما نفترضه نحن القراء من تواصل السياق الدلالي في نص الخطاب الشعري أو أي خطاب آخر، وهو الأمر الذي نفتقده للوهلة الأولى في وضع هاتين الجملتين بالنظر للجملة السابقة. إن الرابط بين هاتين الجملتين وسابقتهما ليس رابطاً بالمعنى المفهوم للنحو، وهنا لا استثنى النحو التحويلي أو التوليدي إن هاتين الجملتين المرتبطتين معاً بالعطف مستقلتان نحوياً عن الجملة الأولى، كما أنهما ظاهرياً غريبان في دلالتهما عن دلالة الجملة الأولى. وإزاء هذه الوضعية لهاتين الجملتين لابد أن يتدخل القارئ ليمارس فعل القراءة، سواء كان تدخله مدفوعاً لضرورة وجود صلة ما في سياق النص الشعري وفق أعراف الشعر المعهودة، وهذا هو افتراضي الأول أو كان مدفوعاً بدواعي مخيلتها الخاصة التي تقتضى ضرورة إضفاء معنى على، أو إيجاد علاقات بين – جمل نص الخطاب الشعري، وهذا هو افتراضي الثاني، أو كانت مدفوعة بدواعي تعاطفها مع نص لم تنجح صاحبته في إيجاد لحمة بين أجزائه، وهذا هو افتراضى الثالث، وإذا كنت استبعد الافتراض الأول والثاني يكملان ويسوقان إلى نتيجة واحدة. فإذا كان أسلوب الشعر وأعرافه تقتضى ضرورة وجود الصلة بين هاتين الجملتين وسابقتهما، فإن هذا يعزز تصورات القارئ الذي تأبى مخيلته إلا أن ترى مثل هذه الصلة. ** مطمح الشاعرة الجمالي نأتي إلى قصيدة أخرى للشاعرة أمل جمال وهى تحمل عنوان " ثرثرة الغرفة الباردة " وهنا يطرح السؤال نفسه في بعض الجهات من العالم البارد يتحدثون عن القطة الصغيرة والزهرة الجافة أو عن ساحات السرير الفارغ، ولعل لهذه الغرفة الباردة الأملية صلة قربى خفية تشدها إلى تلك الروح المعذبة الغريبة، غير أنها غرفة بها زهرة لا تنبت إلا في ساعات النهار المتوترة بين لهاث الأيدي الظمأى إلى النبع الالهى الأبدى.
** لماذا لا يربت كفك الآن فو ق روحى المعذبة ؟ !
تستخدم الشاعرة هنا لغة القصر والتساؤل، بمعنى أنها تتكئ على فعل أو حدث وتبنى عليه عموم الأشياء فساعات النهار المتوترة والروح المعذبة فهو مجمع لكل الآلام وخيانه المحبوب بعده تهون الآلام كلها وحدث الروح المعذبة هو الحدث الذي ليس بعده حدث، أى أنه عموم كل الأحزان وأى حدث آخر يهون أمام جلل خيانة المحبوب.
** البوح بما خفى !!
** سقط القناع :
قصيدة لافتة في الديوان، حيث يظهر فيها – بجلاء - صورة الغائب الذي تبحث عنه بين ثنايا الحكاية، فمن الموصوف في قصيدة ( سقط القناع ) وعلى من تعود هاء الغائب ؟ سيدة في مقتبل العمر تثبت عينها على الحذاء تحرك خاتم الزواج بأصبعها، إن السيدة التي ترمز لها شاعرتنا لابد لها من مسمى، أى أن الأسماء – في أعتيادها – لأشياء أو لشخوص، لكن مخيلة الشاعرة أطلقتها على الصفات التي تمتلك هذا الغائب الذي تعود عليه الهاء المضافة إلى العينين + هاء الغائب لتصبح صفاتها العائدة على هى مجهولة، فلا يمكن أن يسمى شخص بالكذب أو الخائن، ثم معنى الفعل الماضى (تنهدت) السابق على صفة الغدر ليدل على أن حدث هذه الصفة ماضياً، فهو خائناً وكاذباً وهو ما يجعل العقل يتساءل والآن كيف هو؟
من ملامح غافية وهذيان الروح وهذا الجرح والتفكير في إنقاذ الجنين وإذا كانت تصعب بها فما هى ماهية هذا الخائن ؟ إن القوة التي تكتسبه. تجعله فوق كل الأشياء أما هى فإنها في الأحزان والترح لارتباطها بوليدها الصغير.
فالرؤية التي تقدمها الشاعرة للصرخة الحمى / الذهول / المولود.
صور مسرفة لا تضم أفقاً واحداً، بل آفاق عدة وهو ما يدل على كثرة الآلام والحزن.
وفى قصيدة "مفردات الحمى " ص34 ـ تقول الشاعرة : **اجهضى
**مثلث فوق الخصوبة
وكلمة لا
وفى مقطع آخر ص 37. أريد طفلاً يذكرنى
بك أثناء الغربة
لا أريد طفلاً يذكرنى
بك أثناء الغربة
أثناء اللاغربة، توجد
امرأة، يتذكرها
و هو معي.. دونما أطفال
هنا نلاحظ صفة الشخص الذي لا يبالى بهذه الآفاق من الرجاء والتمنى فضلاً عن عدم وجود رد فعل لديه تجاه ألم وحزن المرتبط بها على الورق فحسب فكلمة " لا " تكررت عدة مرات.. النفى بــ ( لا ) في الجملتين المعطوفتين لا يسقمه الحزن الذي من المفترض أن يؤدى لأشياء أخرى كثيرة كالانتحار أو الجنون.. وهذا يدل على قدرة تحمل تلك المرأة من أجل البقاء عليه لسببين أولهما الرباط المقدس الذي تعاهدا عليه – ثانيهما الجنين الذي تحمله بين حشاياها وهى زيادة في الدلالة على كثرة الحزن الدفين الذي بداخلها ولا تجعل حزناً آخر يؤثر فيها وكذلك الجملة الثانية المؤكدة للأمر نفسه. أجهضنى
فى نصف الكرة الآخر
امرآة تسكن بيتى
إنها إبغال للحزن الدفين في الأعماق، وكلها تعبيرات لغوية تؤدى إلى الحالة نفسها من الشجن والحزن التي يعيشها طقس الديوان والتي أبرزتها براعة الشاعرة. ** انصهار الرؤية وامتزاج اللغة إن الأساس في ديوان حدث في مثل هذا البيت " للشاعرة المتميزة أمل جمال " : - هو أننا نعيش فيه تجربة " الذات " بالدرجة الأولى ولكن هذا لا يمنع محايثة الواقع والاحتكاك بظروف شخصية بحته مع طبيعية الحياة وظروف الواقع، إنها الذاتية الممزوجة بالرؤية اللتان انصهرتا في الواقع مع الحلم، وتمتزج فيهما اللغة بالفكر ولا ندرك فيهما حدوداً بين الشكل والمضمون، ومن هنا فالشاعرة أمل جمال لا تروى حقائق بل تعيد خلقها وخلق الحالات التي تكون عليها. وقصائد الديوان تدور في هذا المفهوم هى تجسيد الذات بصورة جمالية تطرح قضية التعبير عن الحياة الخاصة بل تطرح كيفية رؤيتها من خلال الكشف والتحول والتجاوز والأختراق والتنبؤ والجرأة والقدرة على طرح الصورة الجنسية والإباحية بشكل نسيجى معقد ومتداخل مما يجعلنا نشعر بتطلع الشاعرة إلى الآتي من بنات جنسها وكذا شغفها بالممكن بكل ممكن يرحل دائماً نحو آفاق النسيان كى تولد وتبعث بشكل جديد صوراً مظلله للماضى الأليم.
تظل الشاعرة تنتقل بنا على امتداد تجربتها بين مستويات رؤيوية متعددة، وتطرح كلها ذاتية خطابية، أى لغة حية مملوسة تكشف الفراغ والرؤية التي تقدمها التجربة ذات طابع وسطى لأنها مهما كانت درجة مجازية هذه القصائد فهى قابلة للقراءة الحرفية، ومهما كانت المقاطع الأخرى واقعية فهى توحى بالمجازية وبتعدد الدلالة في الوقت ذاته. ** جدلية الصمت والبوح تقول الشاعرة ترحل لبلاد، تمزج
بالجنس
و تتركنى ببلاد تحرم اللمس
بين المخطوبين المال
و تغرب
تغرب
ماذا أفعل لأطياف
الخوف والشهوة
التى تدق بابي كل ليلة ؟
مقطع من قصيدة (( رسائل لم تصل إليه ))
إن العتاب الثائر من الحبيبية والممزوجة بالتوسل والرجاء يقابل بالصمت واللامبالاة والهدوء الرزين.. إن شدة الرجاء جعلت الآخر يتراجع عن موقفه غوصاً في الأعماق في بئر الخيانة والكذب عن حبه الصادق الذي جعله جليلاً يثير الدهشة ويطرح علاقة استفهام أكثر إثارة مع علامة التعجب حين تقول الشاعرة ! ماذا أفعل لأطياف الخوف والشهوة التي تدق بابي كل ليلة ؟ إن التجاهل عنده هو القيد على الصمت المانع لتحقيق الحرية وهذا الإحساس بالحاجة له جعلتها تقوم بدور المتوسل والذي يصل إلى درجة الجنون والتمزق بين الرغبة والذات وهو مصدر كل شئ، ولكن هل يمكن أن تضعنا الشاعرة بهذا التبرير ؟ ألا يقتضى هذا أن يكون لها موقف حازم يفاجئ صمته أو انتهاء الحب المتأزم ؟ وهذا ما نبهنا إليه الفيلسوف الفرنسى جان بول سارتر في مقاله الشهير (جمهورية الصمت).
لقد احتل الألمان فرنسا إبان الحرب العالمية الثانية – اللقطة الأولى هى أن الفرنسيين سيجبنون ويلوذون باللامبالاة.. لكن هذا اللامبالاة في وجه الخائن له دلالة أخرى بالمعنى الذي جاء في المثل الشعبى : ( كبر دماغك وطنش وابتسم ). وسارتر ببراعة الفكر الجدلى يصل إلى موقف عكسى يقول : " مادامت تلك الشرطة الفائقة القوة تسعى إلى إرغامنا على الصمت، فقد كان كل صباح يصبح ثميناً كإعلان عن مبدأ سن المبادئ وما دمنا طريدين فقد كان لكل حركة من حركتنا ثقل الالتزام وكانت ظروف معركتنا القاسية في غالب الأحيان تجعلنا قادرين على أن نعيش بلا بهرجة ولا أقنعة، ذلك الموقف المحزن الذي لا يطاق الذي يسمى الظرف الإنسانى، ويستطرد سارتر ببراعة شديدة في الرصد : " كفا نتخذ من النفى، من الأسر، وبخاصة من الموت الذي يحجبه الناس عن انفسهم ببراعة في الأيام البعيدة الموضوع الدائم لمشاغلنا فكيف واجهت الشاعرة جمهورية الصمت هذه حتى جعلتها تزغرد، تلك الجمهورية التي وصفها سارتر بقوله :
" هذه الجمهورية التي كانت بلا مؤسسات، بلا عيش، بلا بوليس، كان واجباً على كل فرنسى أن يفوز بها فوزاً، وأن يؤكدها في كل لحظة ضد النازية، وها نحن عن الآن على أعتاب جمهورية أخرى ! أفلا نستطيع أن نتمنى أن نحافظ في وضح النهار على الفضائل المتزمتة لجمهورية الصمت والليل ؟ "
فإذا كانت الشاعرة قد أتت إلى الدنيا من ليل الخطايا فليس لها إلا نور الله يهديها :
فقيرة
و بلا أحد
و تحبنى
و زوجتى
لماذا لا أهينها - لأتفه الأسباب – وأربيها على ذلك ؟
ولكي تفرد اللامبالاة الذي في داخله فإن الشاعرة تعرف أن المكان ليس هو المكان المادى المعتاد، بل هو حيث المهانة والغدر والخيانة : أعلم أنك ترحل
من أجل المال
ومن أجل طعام وكساء ودواء
إن الشاعرة ( قاسم مشترك ) لكنها تعرف أنها أكثر وفاء ووداً له كما يقول أرسطو وذلك عند تصنيف: أعلم إنك مرتحل بالخوف والحذر تماماً
أعرف
لكنى أعرف أيضاً انك مرتحل لبلاد أخرى.. لأمراة أخرى، كم تكسرت بيننا زجاجات
عشق
من أجلها
لن تنتهي القصيدة بهذا المعنى الكابوس ولكنها تستطرد الشاعرة قائلة : زجاجات عشق
تدمى شظاياها قدمى الحافيتين
كلما اقتربت من بابك
فقط
كان يمكن ألا تقتلني بامرأة
أخرى وتقتل نفسك
باختراع الأكاذيب
فقط
كان يجب أن تخبرني! عن هذه القيمة الكابوسية تعبر عن واحدة من متكآت الشاعرة التي تحاول من خلالها أن تؤثر على متقلبة انفعالياً ومأساوياً. وقد تأخذ القضية الكابوسية شكل الصدام الحاد بين الزوجة الحنونة الطيبة وامرأة مال وليل هذه الرقة الإنسانية من ناحية والبطش الهمجى من ناحية أخرى ففى القصيدة.. تظهر مدى الرجاء بالجملة الإخبارية بخيانته حتى لا تحمل داخلها كينونة الحب الصادق والوفاء النادر.
إن الشاعرة تعمد في الإطار نفسه إلى قلب القيمة الوقائية فتجعل الجسد الإنساني تابعاً وتجعل ظله هو الفاعل بكل ما يمكن أن يثيره هذا الانقلاب والغدر من إعادة النظر في معنى الفاعلية وتدفع بنا – أى الشاعرة – إلى تأمل معايير نص القصيدة الأساسية التي سيطرت على عقل المتلقى فيصبح أساس التأثر الحركى والفاعلى بكل وعى وإدراك
0إن كل ما يؤدى إليه هذا التعبير الشفرى من دلالات، استطاعت الشاعرة "" أمل جمال " أن تشير إليها في سياق الديوان أكثر من مرة وبصورة شعرية راقية. ** قبل النهاية لاشك أن الإقدام على تناول شاعرة في قامة " أمل جمال " الإبداعية أمر لا يخلو من مخاطر وصعوبات تتمثل في اتساع الأفق المعرفى لعالمها الشعرى ذلك الأفق الذي ينتظم في أبعاده ثقافات متعددة ومعارف متنوعة أهمها المعرفة بكثير من الفنون الإبداعية مثل فن البيولوجيا والنقد الفنى والدراسات النقدية في الشعر والراوية والمسرح والفن التشكيلى والاطلاع على الشعر الحديث وكذلك القراءات الفلسفية المتنوعة وأيضاً مغامرتها الإبداعية الجسورة في التعامل مع اللغة لأكتشاف علاقات جديدة والبحث عن رموز خاصة.
و استخدام التقنيات الحديثة المستعارة في الشعر والنقد وكذلك الاستفادة من التوزيع البصرى للكلمات على فراغ الصفحات والاعتماد على الأشكال الكتابية المختلفة والاستعانة بدلالات الحذف والفراغ بنوعية الفراغ المنقوط وفراغ البياض.
و لا أزعم بهذه الدراسة أنها أحاطت بجملة العناصر المعقدة المكونة لعالم " أمل جمال " الشعرى من جماليات وقيم وانفعالات أو أنها قد قامت بالتحليل المستقصى لكل الظواهر الإبداعية والقصائد الشعرية في الديوان، لكن يكفى أن أشارك الشاعرة تساؤلاتها وإعادة طرح نظرية للوجود ومن ثم فإن قصائد "" أمل جمال "" ليست انعكاساً لحالات وجدانية بسيطة وإنما هى صدى لحالات شعورية ونفسية وذهنية معقدة تغدو معها القصيدة معادلاً لحساسية الشاعرة ورؤيتها لهذا الواقع الذاتى. المصادر والهوامش 1- دكتور صلاح فضل – كتاب شفرات النص (بحوث سيميولوجية في شعرية القص والقصيدة) دار الفكر، القاهرة، باريس 1990 م
2- عبد السلام المسدى – قضية البنيوية، دار أمية تونس 1991 م
3- وليم راى – المعنى الأدبى، من الظاهراتية إلى التفكيكية تأليف يؤئيل يوسف عزيز – دار المأمون بغداد 1987 م
4- انظر تحليلى لهذه الأموال في : قصيدتان في زمن الحصار، محمود درويش : قصيدة لبيروت، أدونيس : الوقت، مجلة أبحاث اليرموك، المجلد العاشر، العدد الأول 1992 م ص 154، 155
5- انظر
Catherine kerbrat – orecchionl : L’enonciation : De la Sybjectivite dans Le Langage.
Eds. Armand Colin – paris , 1983. La pragmatique du Langage , PP. 183 – 223

حسن غريب أحمد
عضو اتحاد كتاب مصر hassan9851@hotamil.com