منْ المستفيد من نشر الصور؟

بقلم: محمد الحمامصي

إن حدثاً مثل هذا يؤكد كيف تمضي خلخلة القيم والمبادئ ثم اقتلاعها ودفنها في الصحاري المهجورة كالنفايات السامة.
إن قصي وعدي وأبوهما صدام حسين ثلاثتهم ارتكبوا في حق الشعب العراقي الكثير من الجرائم والأخطاء، وذلك على مرأى ومسمع وتواطؤ العالم أجمع، حيث كانوا جزءاً من نظام عربي ودولي لا يزال قائماً على تجاوزات بالجملة في حقوق الإنسان وغيرها، فهل مقتل عدي وقصي يمثل انتصاراً يشيد به بوش وعصابته و تفخر بإنجازه القوات المسلحة الأمريكية، وتهلل له وسائل الإعلام الأمريكية على اختلافها. أين الانتصار وأين البطولة والقتيلان لم يعودا يمثلان أو يشكلان أي اعتبار بالنسبة للعراق وقضية احتلاله واغتصاب حقوقه وثرواته؟
دعنا من بوش وعصابته وأجهزته المضللة بادعاءات البطولة والانتصار، فالأهداف واضحة بدءاً من إحباط وكسر شوكة الشعب العراقي ومروراً أيضاً بإحباط الشعب العربي وكسر شوكته وانتهاء بالتسويق للحملة الانتخابية لولاية جورج دبليو بوش الثانية، وتعالوا لنرى كيف حالنا نحن؟ حالنا أننا لم نتخلف عن الركب الأمريكي بدءاً من ردود أفعالنا التي حملت في أفقها الشماتة والفرحة، وانتهاء بنشر صور القتيلين عدي وقصي، حيث تصدرت صورتهما الصفحات الأولى والعناوين الرئيسية لأغلب الصحف العربية ونشرات الأخبار التليفزيونية الرسمية والخاصة، لم يخطر على فكر أحد أن ذلك قد يؤذي القراء والمشاهدين بغض النظر عن كون القتيلين لهما سجل من الجرائم، فالشارع العربي من قبل وبعد مضي ثلاثة أشهر على الاحتلال الانجلو أمريكي للعراق وظهور المقاومة وتصاعد وتيرتها وتكبيدها للقوات المحتلة خسائر ولو قليلة وبعد اتضاح الرؤية بشأن الخيانات التي أدت لسقوط بغداد، لا يتقبل مثل هذه الصور التي لم يطل منها أي انتصار أمريكي، وان كان هناك ثمة وهم بالانتصار تروج له وسائلهم، والتساؤل لمصلحة من نشر هذه الصور البشعة في صدر الصفحات الأولى لصحفنا العربية الرسمية والخاصة، ما هذه الروح الفخورة التي ننشر بها، ثم ما الأهمية، ما الدور الذي ينتظر أن يلعبه نشر مثل هذه الصور في نفسية القارئ أو المشاهد.
إن قيامنا بهذا لا يخرج عن أن يكون مساندة ودعماً لأمريكا في حربها ضدنا، ثم ألم تعترض أمريكا على مجرد نشر صور جنودها الأسرى وليس القتلى أثناء حربها لاحتلال العراق، وملأت الدنيا صياحاً أن نشر هذه الصور يمثل خرقاً للمعاهدات الدولية .. إن هذه ليس قصتنا إنها قصة محتل غاصب لأرض الغير بالقوة، أما قصتنا نحن فهي تناهض ذلك، قصة مقاومة وتصدي لرفع الاحتلال عن العراق وتأمين سلامة شعبه وكيانه الحضاري وثرواته الطبيعية والإنسانية، وليست قصة رضوخ لما يعتقده وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد من أن نشر جثتي عدي وقصي المشوهتين سينقذ أرواح أميركيين وأرواح جنود التحالف وستكون له فائدة كبيرة لحرية العراقيين، وأنه سيضعف المقاومة ضد الأميركيين، ما الذي تفعله وسائل إعلامنا، هل لم تعد تدرك انتماءاتها وولاءاتها وواجباتها، ما الذي يدفعها لأن تكون جزءاً من منظومة بوش وعصابته، ما الذي يدفعها لأن تكون جزءاً من حملته لترويعنا وصدمتنا، ما الذي يدفعها وهي تعلم تمام العلم أن ليس هناك سوى انتصار هلامي لبوش وعصابته فقط، ما الذي يدفعها لترسيخ الوجود الأمريكي والتصفيق لاختراقاته للشرعية والقانون الدوليين فضلاً عن اختراقه لقيم حضارتنا وتراثنا وخصوصيتنا العربية والإسلامية، هل هذا لمجرد كراهية صدام حسين ونظامه، أم أن المسألة تتعدى ذلك إلى خراب الذمم والضمائر، خاصة وأن الجميع يعلم أن نظام صدام حسين جزء لا يتجزأ ليس من النظام العربي فحسب بل والنظام العالمي، وأنه ليس وحده الذي أضر بحياة شعبه وأمته ومقدراتهما وأن هناك من أمثاله من لا يزالون يقبضون على زمام الحكم في كثير من بلدان العالم.
وفي المقابل أين كانت وسائل إعلامنا هذه عندما أذاع تليفزيون بي بي سي فيلماً وثائقياً كشفت فيه حقائق أسلحة الدمار الشامل التي تمتلكهما إسرائيل، لماذا لم تتصدر مادته صفحاتها الأولى وعناوينها الرئيسية، لماذا لم يعل صوتها مندداً أن ما تمتلكه اسرائيل من أسلحة الدمار الشامل يكفي لتدمير الحياة من المحيط للخليج، لماذا هل رأت أن الوقت ليس مناسباً؟ أم رأت أنه ليس من الصواب اغضاب إمبراطورية الشر الأمريكي التي تقودها اسرائيل؟ أم رأت في ذلك إغضاب للحلفاء والأصدقاء في أوطاننا العزيزة؟ أم أنها رأت أننا نرتعب خوفاً ففضلت تجاهل الأمر حفاظاً على سلامة نفسياتنا؟ أم أن الإمبراطور الأمريكي كشر عن أنيابه فكان تجاهل الأمر؟ أم أن إسرائيل لم تعد عدواً وأن صداقتنا لها غفرت لها ما تقدم من جرائمها وما تأخر؟ أم أننا كأمة وشعوب أصبحنا غير ذي كيان أو معنى أو اعتبار من أصله؟ أم .....
ما الذي نفعله؟ إذا كنا سلمنا الأمر وبتنا مجرد دمي يحركها آخرون وفق أهدافهم واستراتيجياتهم، فلتكن لدينا الجرأة ونعلن ذلك، على الأقل من يوخزه ضمير لن يوخزه، ونغلق الدفاتر ويا دار مادخلك شر بل أنت الشر نفسه! محمد الحمامصي
شاعر وصحفي مصري hamamsi@yahoo.com