نحو وطن ديمقراطي

بقلم: أحمد شهاب

ثلاث معوقات أساسية تقف أمام إنجاز برلمان حضاري كما يأمله أبناء المجتمع:
العائق الأول : عدم إستقرار التجربة السياسية.. فمن المعلوم أن أي تجربة سياسية تحتاج إلى فترة من الإستقرار حتى تتحول إلى تقليد سياسي ثابت ينعكس على سلوك الناس وحياتهم اليومية. وهذا الثبات لم يتوفر للتجربة السياسية الكويتية، بل ظل التعثر في التجربة هو السمة الأبرز، الأمر الذي حرمها من النضج المنتظر، وهكذا بدأت الديمقراطية كتجربة حقيقية ولكنها ظلت في طور التجربة ولم تنتقل إلى حالة الإستقرار، وستظل كذلك طالما استمر الأداء السياسي ضعيفا ومرتبكا وهشا ولا يمكن أن تتحول إلى مرحلة الثبات ما لم تتوفر إرادة جدية لتحمل نتائج الديمقراطية مهما كانت قاسية على مصالح البعض، إذ هي في المحصلة العامة ستفد بالخير على الجميع.
لذلك فإن عدم إستقرار التجربة السياسية سيحرم الناس الحد الأدنى من الوعي بحقوقهم وبمدى ما يمتلكون من صلاحيات للمشاركة في صنع الواقع السياسي، فثمة خوف دائم من التوغل في النقد خشية تجاوز الخطوط الحمراء التي ليس لها نص في الدستور لكنها تخضع لمزاجية سياسية.
العائق الثاني : غياب الحركة الإصلاحية.. رغم مرور البلد بالعديد من الإخفاقات والإنسدادات السياسية ورغم مرورها بكارثة سياسية وأخرى، إلا إنا لا نزال نقنع أنفسنا بأننا شعب ملائكي نرجسي، وإنا نعيش في مدينة فاضلة، نعد الناس بالأفضل وبمستقبل أكثر إشراقا، ليصحون على واقع سيئ ومستقبل غامض، وأعباء حياتية ضاغطة سحقت الطبقة الوسطى وأصحاب الدخول المحدودة وأشغلتهم في تأمين حياتهم وحياة أبناءهم حتى غُيبوا عن المشاركة في الحياة السياسية وقبلها عن الحياة المحترمة، ورغم ذلك لم يبادر المعنيون حتى الآن إلى عقد مؤتمر وطني يعالج الإشكاليات السياسية في البلد، نعم هناك صراخ بصوت عال تستخدمه بعض القوى والشخصيات خلال فترة محددة تحقيقا لأهداف ومصالح انتخابية، وهناك أحاديث متفرقة في أماكن مغلقة ومحدودة، في وقت تحتاج البلد فيه إلى مؤتمر وطني يتدارس هذه الإشكالات بعيدا عن التحزب وبعيدا عن الجدل الأيدلوجي وبعيدا عن التجاذبات المذهبية والطائفية.
ننتظر مؤتمرا يخرج لنا بكفاءات ودماء جديدة تتعاطى السياسية بطريقة منتظمة، وتتجاوز مرحلة الهواية وتحقيق المكاسب الضيقة، ويعمل على إعادة تأهيل القوى السياسية لتتعاطى مع السياسة من منظور قيمي يعلي من شأن المصلحة العامة، ويعلي من شأن البناء الداخلي، ويجعل الجهد مبذولا في خلق بيئة سياسية تمنع نشوب صراعات على الأمور الشكلية والصغيرة والمسميات وتتوجه إلى الغايات الكبيرة والمستقبلية.
العائق الثالث : عزلة أهل الفكر.. الذين يتصدون للعمل السياسي في البلد هم ممن استغرقهم الجانب العملي، والتنافس الحركي، والدخول في صفقات وتحالفات وتحقيق مكاسب شخصية أو حزبية أو قبلية أو طائفية، وبغض النظر عن تقييمنا لهؤلاء ( فمنهم المحسن ومنهم المسيء ) فإن تطوير العمل السياسي في البلد ووضع أجنده وطنية يستلزم إنتاج مفاهيم سياسية جديدة وملائمة لزمن التطور، وهي المهمة التي يقوم بها أهل الفكر والمهتمين بالشأن الثقافي، والشأن الإجتماعي، فهم من يمتلك القدرة على قراءة الساحة وإفرازاتها بطريقة صحيحة، وهم الأقدر على تشريح الواقع السياسي والإجتماعي والمفاهيمي وبناء قواعد صلبة وخطاب ملائم للمرحلة.
على أن ثمة ما يحول دون فاعلية هذه الفئة، فمن جهة تشعر النخبة المثقفة بإنعزالها عن الجمهور، فلا تزال أحد الحقائق الثابتة في مجتمعاتنا أن أهل الفكر ليس لهم مكان بيننا، ولذلك إنزوى أغلبهم ليس فقط عن المشاركة العملية بل حتى عن المشاركة في الكتابة بالصحف اليومية أو ترشيد الحالة السياسية لقناعة تامة بأن القارئ يفضل الكتابة الساخرة، والهامشية ولا يعتني بالهموم الحقيقية، لاسيما تلك التي تتصل بنقد المجتمع، والواقع القائم الذي يعنيهم.
وبظني أن الكثير من الكفاءات وأصحاب الخبرة والرأي لن تعود فاعليتهم إلا عبر خلق مناخات سياسية واجتماعية ملائمة، يشعرون من خلالها برغبة المجتمع في تطوير ذاته، ورغبة القوى السياسية في النهوض بالمجتمع، وعدم إستهدافهم أو دفعهم للميل إلى هذه الكفة أو تلك من القوى المتصارعة المعلومة في المجتمع.
إن الرغبة في إنجاز برلمان حضاري يواكب المرحلة لن تتم دون توفير وطن ديمقراطي يتيح لأبناءه تأسيس تجربتهم وفق ما يتمنونه جميعا، وضمن مناخ عام يحث على البناء ويعتبره عملا وطنيا لا يقل أهمية ولا درجة عن مقاومة الاحتلال أو الاستشهاد في سبيل القضية، والقضية في هذه المرحلة هي بناء الوطن وترشيد مساره. * أحمد شهاب، كاتب كويتي AHMED_HJ@HOTMAIL.COM