منظومة القراءة وسلطة النص

بقلم: عزيز التميمي
القارئ، ام المقروء؟

لتحديد الملامح المنطقية لمنظومة القراءة من حيث الأداء المعرفي يتوجب الكشف عن أهم المركبات أو الإحداثيات التي تشكل سلطة القراءة، وسلطة النص تمثل المكمِّل الميكانيكي لآلية قراءة النص إذا ما اعتبرنا أن سلطة القراءة تمتد ضمن مؤثرين لغويين يشكلان البعد السيميائي لتلك السلطة هما الدال والمدلول، فالدال ضمن مساحة المفردة اللغوية يرتكز إلى المفهوم الإشاري أو السيميائي المؤدي إلى مساحة الكشف أو التاويل، أما المدول ضمن ذات المساحة فيرتكز إلى مفهوم المعنى الثيَمي أو الحقيقة التي تشكل مفهوم الفكرة، ومن هذا الفهم لثنائية الإشارة والثيمة نستنتج العلاقة بين القارىء والنص ضمن تداعيات عملية القراءة، فالقارىء ينتمي إلى المفهوم الإشاري أو السيميائي من حيث الوظيفة التي تكرس مفردة الكشف أو الدلالة بينما ينتمي النص إلى المفهوم الثيمي أو المدلولي من حيث الوظيفة أيضاً، وهكذا نجد أننا نخوض في تحديد جغرافيات لغوية تعرّف عن ثنائيات تعكس بعداً يتجاوز البعد اللغوي، فثنائية الرمز والمعنى لها أكثر من بعد ضمن إطار اللوحة الفنية وهيكلية التمثال، لها أكثر من معنى ضمن مساحات النص الأدبي و الطرح السايكولوجي، وعلى هذا الأساس يمكننا تشكيل سلطة النص التي تسهم في تشكيل الرؤية الفنية والجمالية المتوخاة من عملية الكتابة .
وضمن سلطة النص التي تتشكل من ثالوث المرجع والبنية والرؤية الفلسفية يمكننا تحديد مفهوم الدال والمدلول إذا اعتبرنا أن النص وحدة معرفية مستقلة قبل أن تتصل بالقارىء لتشكل مركبة لوحدة معرفية جديدة تسمى القراءة، فالكتابة من حيث الأداء المعرفي تمثل منظومة معرفية تحتوي كلا البعدين، البعد الإشاري والبعد الثيمي، ومن خلال مركبات النص نستطيع تشخيص المفاهيم الدلالية (الإشارية) والأخرى المدلولية (الثيمية)، الشكل الخارجي للنص المتمثل بنسيج لغوي مبني وفق رؤية تصورية خاصة للكاتب يشكل جزءاً من دلالة النص إضافة إلى الرموز والوقائع الاسطورية والإجتماعية، فسلطة النص الدلالية تؤدي وظيفتها بشكل فاعل من خلال إلتقائها بلسطة القارىء التي تمثل الدلالية الكلّية، أي دلالية النص تمثل نقطة الإلتقاء مع القارىء وبالتالي يجب أن تكون ضمن التصور الشكلي الخارجي للنص الذي يعكس آليته الأدائية بتشخيص المسالك والدروب المؤدية إلى منطقة الثيمة في النص مروراً ببنية النص من خلال المنظومة التحليلية في سلطة القارئ، أي يمثل إنعكاس داخلي لمركبة من مركبات النص التي لعبت دوراً إيحائياً في إجتذاب القارئ، ويسهم كل إحداثي من إحداثيات سلطة النص في عكس تصور معين ضمن عملية القراءة .
يمثل إحداثي المرجع أو المرجعية المعرفية لبنة أساسية في سلطة النص إذ يسهم في تدوين مجموعة المفاهيم والعلاقات الإجتماعية والسلوكية والنفسية وكل القيم والمفردات التي تشكّلت منها الخلفية المعرفية للنص، فالمرجع يمثل المرتكز الحيوي الذي من شأنه يدعم مفهوم القراءة التأويلية، أي يعمل بمثابة الدافع أو المحرض لتبني وجهة نظر محددة يقصدها القارىء الذي يأمل من وراء مغامرة القراءة إنتاج رؤية معينة، وبطبيعة الحال يستطيع القارىء أن يستثمر هذا الإحداثي (المرجع) في إنتاج قراءة نمطية تتصل بالرؤية التاريخية أو المثيولوجية للنص وحتى الرؤية الأسطورية، وكل هذه الأنماط تمثل مقتربات خارجية من حيث التناول التحليلي لهيكليات النص، مثلما تمثل القراءة للشكل اللغوي الخارجي للنص، والمرجع بمفهومه اللغوي يغطي مساحة واسعة لجملة مفردات ومفاهيم فكرية تشكل الهوية المعرفية للنص، بعض هذه المفاهيم أو المفردات يرتبط بالواقع الإجتماعي للكاتب وكيف ساهم هذا الواقع في صياغة وتدوير وجهة نظر أثّرت كأداة معرفية في تشكيل النص، المفاهيم المرتبطة بالأسطورة والخرافة والتي لعبت دوراً حيوياً وفاعلاً في تدوين حضارات الشعوب والمجتمعات الإنسانية، ومدى حضورها في رؤية الكاتب كأداة مثمرة في عملية الكتابة، المفاهيم النفسية والسلوكية وسطوتها في تشكيل الخلفية الذهنية، إضافة إلى الموروث الديني والتاريخي، كل هذه المرجعيات تعمل بشكل متجانس ضمن بيئة يقترحها الكاتب لتكون مسرحاً لنصه ومن خلال هذه البيئة يمكن توقع الرؤية الفلسفية الكامنة في نبض النص والتي تعمل دائماً على أساس الفعل التحريضي للقراءة، وتأتي هذه الرؤية من خلال طرح إشكالية أحد المرجعيات الآنفة الذكر تجاه الواقع الآخر، الواقع غير المحدد، قد يكون واقع النص والقارىء معاً، وأحياناً واقع إفتراضي تمليه ضروف آنية لها علاقة بعنصر الزمان أو المكان أو عملية الخلق او ثنائية الخير والشر، ويساهم المرجع إلى حد كبير في تأسيس سلطة النص التي تتناغم مع المنظومة الإرثية في سلطة القارئ، أي يمثل التقابل المنطقي في جغرافية كل من القارىء والنص، فالمرجع في سلطة النص يعكس التشكل المعرفي والذهني والسوسيولوجي لمجموعة مفاهيم وعلاقات ورؤى الكاتب الذي يمثل أداة إنتاج النص، بالمقابل فإن المنظومة الإرثية تعكس ذات المفاهيم في سلطة القارىء، أي هناك عملية تقابل مفاهيمي تمثل التلاقي الأول ما بين القارىء والنص، هذا التلاقي يتمحور حول كيفية تأسيس بيئة مشتركة تحتوي مفاهيم الطرفين من خلال تزاوج معرفي يستعيد مرجعية ممثلة بتصورات قد تكون مختلفة ويحاول أن يصل إلى المعنى الشمولي للمدلول عند الطرفين، أي الرمز المستخدم كوسيلة تعبيرية دلالية في النص يحاول أن يؤسس تناغم دلالي مناظر في مرجعية القارىء أو في منظومة القارئ الإرثية، هذه التناغم يؤدي إلى ربط المرجعيات ضمن أطر تتيح لإنتاج منظومة مرجعية للنص المنتَج، أو بعبارة أخرى القراءة تنتج نصوصاً ذات مرجعيات غنية تتداخل فيها مرجعيات القارىء ومرجعيات النص، ويحدث أحياناً أن تكون مرجعيات النص تنتمي لبيئات إرثية وإجتماعية تختلف عن بيئات ومرجعيات القارىء مما يؤدي إلى حدوث نوع من التقابل المفاهيمي الذي ينتج تزاوجاُ لغوياً ومعرفياً بين بيئات ومرجعيات مختلفة تنعكس ثراءاً وعمقاً في النص المنتَج، وعليه يمكن القول أن سلطة النص تشكل أحد الروافد الرئيسية لمنظومة القراءة، ولا يمكن بأي شكل من الأشكال تجاوز سلطة النص في تشكيل مفهوم القراءة، لأن ذلك من شأنه أن يؤدي إلى إنتاج رؤية غير متوازنة ونص مبني ضمن أحادية قطبية قد لا تعكس واقع النص المكتوب بقدر ما تعكس رؤية القارىء .
تشكل البنية في مفهوم سلطة النص المحور الأكثر ديناميكية من حيث أدائها في عكس مفاهيم المرجعية المعرفية للنص، أي تعمل على تجسيد الرؤية الفنية والجمالية للنص من خلال تشكيل نسقي تنظيمي لكل العلاقات والتأسيسات الفكرية المستوحاة من بيئات وعوالم ذهنية وأسطورية وإجتماعية ساهمت في تدوين المناخ الفكري للكاتب الذي انعكس في منتَج النص، وتمثل حلقة الربط بين المرجعية والرؤية الفلسفية للنص، أي يمكن تصورها بالهيكل التنظيمي للنص، من خلالها تعمل اللغة التي تشكل الإطار العام لهذه البنية في تسمية وتحديد العلاقات المفاهيمية التي تسمح لوحدات المعنى أن تؤدي وظيفتها المعرفية، ويتم إكتشاف بنية النص من خلال إستنطاق الشكل الخارجي أو ما يسمى بالنسيج اللغوي المتضمن مجموعة من الرموز والإشارات ذات الوظيفة الدلالية، ويمكن إعادة صياغة هذه العبارة بشكل آخر: يتم تحديد بنية النص من خلال القراءة العكسية لمستويين بنائيين، مستوى أفقي لكشف شبكة الرموز والإشارات ومستوى عمودي لتتبع إمتداد هذه الرموز والإشارات نحو عمق النص، حيث تجسيد المرجعية المعرفية ضمن جغرافية البنية، لأن الإسقاطات الفكرية التي يمارسها الكاتب لمنظومة مفاهيمة المعرفية ورؤاه لا يمكن الإستدلال عليها إلا من خلال تحليل الوحدات البنيوية للنص وهذا ما يسمى بالقراءة الإستنطاقية أو البنيوية في مرحلة معينة من مراحل القراءة، وتلعب البنية دوراً هاماً في تطويع الأشكال المعرفية لتتخلى عن مخططاتها الهيكلية وتخضع لترتيب لغوي يؤسس لمناخ بيئي جديد، هذا المناخ البيئي يتشكل من تداخل مجموعة إحداثيات سايكولوجية وفلسفية لتدوين الأبعاد الفنية والجمالية التي تضمنها المرجع وكيفية تفاعلها في حاضرة الذاكرة الكتابية، أي محاولة لتخصيب بيئات ومفاهيم مرجعية لتأسيس بيئة تساهم في إطلاق التأويل والتبني، التأويل الذي يعرّف النص ويستند إلى مرجعياته، وفي هذه النقطة بالذات يلتقي المفهوم الدلالي الذي يمثله القارىء بالمفهوم الدلالي الذي يمثله النص، وتحدث حالة من التفاوض المفاهيمي تؤكد على النزوع لأطلاق رؤية فنية يؤسس لها كل من القارىء والنص، ويمكن ملاحظة العلاقة الديناميكية بين رؤية القارىء لمفاهيم النص من خلال تراكيبه البنائية وحالة التأويل التي تعبر عن تفاعل إرادتين ضمن بيئة مشتركة، إرادة تحاول أن تعكس لتأسيس جديد وإرادة تحاول أن تعكس لمؤسس مسبق وفي كلا الحالتين تكون البنية الفنية للنص هي البيئة التي تسمح لتعميع أو تسطيح هذا التفاعل، والقراءة التي تتجنب الخوض في بنية النص وتعمل على تدوين التشاكل والفهم الخاص بالمرجع من خلال إتصال دلالي خارجي تكون قراءة نمطية تميل إلى إملاء رؤية القارىء من خلال مرجعية النص، أو عملية إنعكاس مباشر لمؤثرات بيئية في بيئات مناظرة تبدي إستجابات تناغمية وفق رؤية تصورية تقليدية، إنما القراءة التي تنزع إلى خلق رؤية فنية وجمالية تنشأ ضمن بيئة مستحدثة أنتجتها إرادات مشتركة ما بين النص والقارىء هي التي تعمل من نقطة متوثبة على إنتاج قراءة بمفاهيم لا تخضع للتقليدي والنمطي، قراءة تحتمل التأويل الحداثي الذي يعمل على إستثمار الطاقات الفنية في التراكيب والبنى اللغوية للبيئة المستحدثة، وينطلق بالقراءة نحو آفاق واسعة تعتمد في فلسفتها على حاضر ة مجموعة مفاهيم تمس النص وسلطته المعرفية والقارىء وسلطته المعرفية، أي تجسيد مباشر لمقولة موت المؤلف لـ (بارت) من خلال تفعيل حضور النص ومفاهيمة ضمن بيئة مستحدثة تضم القراءة ومفاهيمها، ولهذا لا يمكن تجاهل بنية النص إذا ما أراد القارىء أن يحاور لتفعيل رؤية مستحدثة تعكسها رؤية النص المنتَج، وطبقاً لمفاهيم تحليل الخطاب تعمل سلطة النص من خلال مفهوم البنية على تفكيك الرؤية المرجعية والبيئية للنص وتحليل مفاهيمها السلوكية والفلسفية وتدوين كل هذه المفردات ضمن بيئة مؤسس لها، بيئة تعمل على إحتواء هذا التنويع المعرفي وعرضه وفق رؤية تسمح للآخر أن يتحاور معه، يستنطق أو يؤسس لتأويل يعمل على خلق توافق دلالي من شأنه أن يستثمر الإرثي والإجتماعي المتراكم لبيئة معينة في خلق رؤية مغايرة في تدوين الفني واللغوي، البدهي والمعاصر، العقلاني واللاّاشعوري، الواقعي غير المؤسس له، أو لنقل الواقعي غير المقروء أو المرئي، المتخيل المفاهيمي ضمن رؤية الآن أو المتخيل ضمن رؤية الغد، أو الغد الواقعي برؤية المتخيل الآني.
ويبقى السؤال الذي يحدده مفهوم القراءة، ما هو دور الرؤية الفلسفية للنص في تشكيل رؤية النص المنتَج؟ وهل يعكس النص المنتَج رؤية النص المقروء أم رؤية القارىء أم يعكس رؤية فلسفية ترتبط بظروف القراءة وتساهم مجموعة مفرادات مثل (النص، القارىء، زمن القراءة، يوتيبيات المكان) في صياغة مفهومها؟ في الواقع أن الرؤية الفلسفية للنص تساهم في تشكيل الرؤية الفلسفية لنص القراءة المنتَج، وهذا شيء جوهري وأساسي في عملية القراءة، إنما السؤال المطروح هو : وفق أي وجهة نظر يتم تدوين هذا التأثير ؟ سلطة النص المتمثلة بالبنية تعمل أحياناً على تذويب مجموعة خطابات وأفكار تتصل بمرجعية النص لتؤسس مفهوماً تحديثياً، مفهوماً تفاوضياً يعمل على محاورة فعل القراءة المتمثل بسلطات القارىء التحليلية، وبنفس الوقت يحاول أن يتجنّب الإنخراط كلياً ضمن مفاهيمية القارىء، أي يعمل على تشكيل سلطة تحاورية تعكس أدواتها التأثيرية في البيئة المؤسس لها أن تستقبل كلا التأثيرين تأثير سلطة القارىء وتأثير سلطة النص، والإبتعاد عن مفهوم المصادرة، وهذا يتوقف على القدرة التأثيرية أو الفعل السحري في سلوكية النص، وكيف استطاع هذا النص إختزان مقومات تميزه التي تلفت إنتباه آليات التحليل في سلطة القارىء، وأستطيع القول أن الفعل التأويلي للقراءة المستند إلى آليات التحليل والتفكيك لبنيات النص يستند إلى مدى إمكانية تحييد المفاهيم التي تمثل إنزياحاً لأحد الجانبين بحيث يخلق رؤية مشتركة تحددها ظروف آنية غيرة مرتبطة أو تابعة لسلطة، فالرؤية الفلسفية للنص تعمل بالدرجة الأساس على خلق رؤية فلسفية ضمن البيئة الجديدة، رؤية تعد بالتحول وإطلاق المعنى خارج أسوار البنى التقليدية للنص، لأن بنية النص وإن كانت تحمل تطوراً وتصوراً حداثياً في مفهومها تصبح خارج هذا التصور حينما يتم تفكيكها وتأسيس بنية جديدة ضمن بيئة جديدة أثناء عملية القراءة، وعلية فالبنية الجديدة تمثل إنفتاحاً يحتمل الكثير من التاويل الذي سوف يأتي لاحقاً ضمن عملية القراءة، إذن تأسيس رؤية فلسفية توافق النزعة التأويلية ضمن بيئة النص المنتَج وهذا ما يسمى بتطويع رؤية النص نحو تشكيل رؤية أخرى يمثل أحد المتطلبات الحيوية لتأثير الرؤية الفلسفية للنص، وكلما كان النص قابلاً للتحول في تشكيلاته المفاهيمية وبناه فإنه يعكس مستوىً متطوراً في حداثته الفنية والبنيوية، وأقصد بالحداثة الفنية والبنيوية: تلك القدرة على إستلهام الروح التجديدية وتجلياتها في مرجعية النص، إضافة إلى تأسيس رؤية فلسفية قادرة على محاكاة رؤية القارىء الفلسفية ضمن تشكيلات البيئة الجديدة، رؤية فلسفية حيوية تنفتح على الرؤى الأخرى، الرؤى المغايرة، رؤية فلسفية تشتبك مع آليات التأويل وتساهم في بث بوادر رؤى جديدة تساند توجهات المفاهيم المعرفية المطروحة ضمن مساحة البيئة الجديدة، أي بناء شبكة من العلاقات المفاهيمية التي تسمح بإعادة بناء وتشكيل رؤية فلسفية جديدة للنص المقروء ضمن إمتدادات ورؤى أخرى أكثر إنفتاحاً على مرجعيات أكثر ثراءاً ضمن البيئة الجديدة التي تمازج بين جملة مرجعيات تنتمي لكل من القارىء والنص، وبالتالي تسهم الرؤية الفلسفية كأداة فاعلة ضمن سلطة النص، أداة مؤثرة، ناشطة، تعمل على توظيف الرؤى الفلسفية الأخرى في تحديث مفهوم الرؤية المؤدية إلى رؤية أخرى مستثمرة إنفتاح اللغة نحو تبني مفاهيم أكثر شمولية في تدوين المعنى . عزيز التميمي