قصة مازن، شهيد عراقي

بقلم: نرمين المفتي
رصاصة امريكية مزقت قلب مازن ودفتر يومياته.. وعائلته

مساء الجمعة 11 تموز/يوليو، حضرت حفل تأبين لجفرسون شاندلوك، الجندي الامريكي الذي قتل في بغداد وكان في الثانية والعشرين من عمره. كان شابا نشيطا وودودا وباسلا في مواجهته للعدو! كما اكد رفاق وحدته.
ولكن من يقيم حفل تأبين لألف العراقيين الذين قتلتهم القنابل والصواريخ الامريكية والبريطانية في الاسابيع الثلاثة الأولى للغزو؟ ومن يقيم حفل تأبين لعشرات العراقيين الذين مضوا ويمضون على ايدي قوات الاحتلال؟ وقطعا بينهم شباب نشطين وودودين وباسلين في مواجهة العدو.
سأقيم حفل تأبين خاص لشهيد عراقي قتلته ثمان رصاصات أمريكية في الثامنة والربع من صباح 28 حزيران/يونيو، اسمه مازن انطوان نور الدين من مواليد بغداد 1967، واب لابنتين: ملاك- اربع سنوات ومريم- سنتين.
غادر مازن منزله في منطقة السيدية في الثامنة وعشرة دقائق متوجها الى مكتب الحياة العلمي حيث يعمل. ودوت اصوات الرصاص. وقفزت الزوجة، بشرى، واضعة يديها على القلب وصاحت "مازن".
دق الباب وسُمع صراخ الجيران: الحقوا مازن لقد ضربوه الامريكان.. هرع شقيقه ماهر ليحضن جرح شقيقه الذي فارق الحياة فورا. لكن الجنود الاميركان قيدوا يديه وامروه بالانبطاح والسكون والاّ سيتم وضع رصاصة في رأسه! وقيل له بان شقيقه القتيل كان يحمل مسدسا وحاول سرقة سيارة حمل صغيرة.
واندهش ماهر، فشقيقه لم يستخدم السلاح طوال عمره لانه كان معفيا من الخدمة العسكرية بسبب اصابته بمرض التهاب القولون التقرحي الدائم، وكل ما كان يحمله هو رسالة يبعثها الى اقربائه في لندن ليرسلوا له الدواء الذي كان يستخدمه ودفتر يومياته.
تم اطلاق سراح ماهر. ونقل جثمان الشهيد مع الجرحى الى المطار ورافق الوالد(71 سنة) ابنه القتيل. وفي المطار توسل الاب بالاميركان ليساعده بنقل الجثمان لكبر سنه. ووافقوا على ان ينزلوهما ببداية الشارع الذي يسكنه..
دفن الشهيد وترك دفتر يومياته شاهدا على ما حدث، اذ اخترقته رصاصة مزقت غلافه وعدة صفحات فيه. وترك الرسالة التي يشكر فيها اقربائه على تحملهم سعر دوائه الباهض. ويقول فيها:
هذه اول رسالة رسالة اليكم بعد انتهاء عهد قديم وبدء عهد جديد في العراق، ان شاء الله يكون عهد خير وتقدم ورخاء وان يعوض العراقيين سنوات الحرمان والجوع والمرض، على الرغم من صعوبة ان نفتح اعيننا كل يوم لنجد جنود غرباء يصولون ويجولون في بغدادنا الحبيبة. وتطير طائراتهم ومروحياتهم ليل نهار فوق بيوتنا بضجيجها المزعج. على اية حال نتمنى ان ينتهي الاحتلال الامريكي البريطاني سريعا لتكون هناك حكومة وطنية ديمقراطية وعلمانية تشمل الكل وتعطي حقوق الجميع بعد ان عانى العراقيون الكثير من حكم مستبد (على الرغم من بعض منافع صدام).
اما في دفتر يومياته، فقد بدأ الشهيد في الثاني من كانون الثاني/يناير المنصرم بوفاة خالته كلير. ويكتب في كل يوم نشاطاته واعماله. في الثالث من الشهر نفسه عاد من الدوام الصباحي من مكتب الادوية الذي كان مدير العلاقات والتسويق فيه وقرر عدم الدوام مساء "لم اخرج لزيارة الصيدليات بسبب اصابتي ببعض التعب والارهاق". ويستمر عمله بنشاط وزيارة المستشفيات والصيدليات و "بسبب المطر الشديد اضطررنا الى العودة الى المنزل" في 15-1. وفي 20-1 ، يجتمع مع المدير للترتيب لمؤتمر اليوروميد ومؤتمر المستشفى الاولمبي. وفي 22-1 يجلب الفولدر من المطبعة وفي يوم 24 يحضر المؤتمر.
في 15 شباط يشير الى المظاهرات التي طافت الشوارع منددة بالعدوان المقبل على العراق. ويستمر عمله كما اراده بنشاط ودأب ويومياته مثقلة بالمواعيد والمؤتمرات. في 18- اذار يكتب "انشغلنا اليوم بلملمة المكتب وتفكيك الحاسبات وحفظ الوثائق المهمة. واستلم كل فرد جزءا منها. واستلمت الحاسوب وبعض الملفات الخاصة بالتسويق والدعاية. وذهبت الى مكتب الاتقان العلمي (د.عبدالله) لتسليمه مبلغا من المال ولم يكن موجودا حيث كان ذاهبا الى وزارة الصحة. سلمت المبلغ الى المحاسب وكل ذلك تحسبا وتهيئا للحرب بعد يومين". وفي اليوم التالي "ذهبنا الى بيت اهل بشرى (الزوجة) ولكن في الطريق تعطلت السيارة. فارسلت بشرى وملاك ومريم بسيارة اجرة الى البيت وانا ذهبت الى المصلح وعدت بعد اصلاح السيارة". وفي 20- اذار كتب "اليوم اندلعت الحرب وبدأت اولى الغارات الجوية والقصف بالصواريخ والطائرات في الساعة السادسة الا ربع صباحا". وتستمر الحرب ويستمر الشهيد ذاهبا وقادما من بيت اهله حيث يسكن واسرته الى بيت اهل زوجته وزيارة الاقارب ودائما هناك "قصف شديد" في الرابع من نيسان كتب "شاهدت العوائل تهرب من بيوتها. وتم اخلاء منطقة البلديات (حيث منزل اهل زوجته) بطلب من الرفاق الحزبيين وذهبنا الى بيت شاكية في زيونة وتم المبيت عندهم ولم نتمكن من النوم لشدة القصف". في صباح اليوم التالي كان عليه الذهاب الى البلديات "لان بشرى نسيت حقيبتها اليدوية بما فيها هناك وحصلنا على سيارة اجرة بصعوبة وعدنا الى زيونة وذهبنا جميعا الى منزلنا في السيدية. شاهدنا في الطريق تحت الجسر، تقاطع بغداد-حلة، دبابة اميركية تحترق". وفي 6-نيسان "ذهبت بالسيارة الى بيت اهل بشرى لجلب التلفزيون والفيديو. واعطيت طعاما للكلب وللقطة فلّة وعدت الى السيدية". في 7- نيسان" تم قصف بيت قرب مطعم الساعة لاعتقادهم ان صدام حسين وابنيه عدي وقصي مع اعضاء القيادة كانوا مجتمعين فيه بعد ان التقطوا اشارة هاتف نقال من هناك". وفي 9- نيسان كتب "دخول القوات الامريكية الى بغداد واسقاط تمثال صدام حسين في ساحة الفردوس و………".
ويشير الشهيد الى انه عمل مترجما مع القوات الامريكية لايام معدودة و"كنا نفتش بيوت ومزارع افراد النظام السابق بحثا عنهم او عن أي دليل يقودنا اليهم. دخلت اماكن ام اكن احلم بدخولها في السابق. ولو اخبرني احد بانني سوف ازورها واتجول فيها بكل حرية، ربما كنت اقول عنه بانه مجنون او حالم". ويكتب قبل استشهاده بيوم "هنا الامن والامان غير متوفر حاليا.. حيث عمليات السرقة والتهب والقتل وخطف النساء والاميركان لا يفعلون شيئا سوى التفرج او التحرك ببطء". وفي اليوم نفسه يكتب "الذهاب الى السوق وشراء مسبح لملاك ومريم".
كان الشهيد الذي غاد الى عمله في المكتب العلمي يتهيأ للاحتفال بعيد ميلاد صغيرته مريم الثالث في 2 من تموز. ولكن الرصاصات الامريكية قضت على احلامه وخططه.
لقد تعرفت الى عائلة الشهيد من خلال رجل مسلم حاول انقاذه واصبح الشهيد قضيته يعرضها اينما ذهب وفي مؤتمرات الوفود الاجنبية التي تأتي الى بغداد للتقصي عن حقوق الانسان. رجل استطاع ان يبرهن ان الوطن واحد وانهم جميعا عراقيين دون الاشارة الى الدين والمذهب والقومية.
تُرى كم ترك ويترك الشهداء من اوراق خاصة ويوميات توثق ايام الغزو وقساوة الاحتلال؟ ومرة اخرى اسأل تُرى من يأبن لشهدائنا ومجلس الحكم المعين يتخذ دون أي شعور بالخجل يوم احتلال بغداد عيدا وطنيا؟ نرمين المفتي - بغداد