شيوخ المَـنْصَر

بقلم: محمد الحمامصي

من النادر الآن أن ألتقي أحد أولئك الرجال الذين تربيت في كنفهم في صعيد مصر، هؤلاء الذين كانوا نماذج لما ينبغي أن يكون عليه المثقف والمفكر على الرغم من أنهم لم يدخلوا مدرسة أو جامعة أو يسافروا ليحصولوا على أعلى الدرجات العلمية من جامعات باريس أو لندن أو أمريكا، هؤلاء الذين قرءوا التاريخ وتابعوا مجرياته وأحداثه وحفظوا نوادره وطرائفه، هؤلاء الذين كانوا يحفظون عن ظهر قلب القرآن الكريم والكثير من الأحاديث النبوية الشريفة وأدبيات وأشعار في الجاهلية والإسلام وعصور الحضارة الإسلامية وما تلاها، كانوا يجسدون الانتماء للحضارة والدين والوطن إذا شئنا تجسيد هؤلاء باعتبارهم كل لا يتجزأ، ومع ذلك كانوا أبسط من البساطة، إذا أسعدك الحظ وجلست إلي أحدهم تمتعت بجلسة رائعة نادرة.
سبب هذا الكلام أنني إلتقيت بأحد فيه شيء منهم، ريفي أصيل، يفك الخط كما يقولون، أطال الله بقاءه لايزال يعيش في إحدى قرى محافظة الزقازيق، وهو لا يزال يتابع عن كثب مجريات الأحداث على الساحة سواء كانت هذه الساحة هي القرية التي يعيش فيها أو الساحة المدينة أو الدولة أو الوطن العربي أو العالم أجمع، وذلك على الرغم من تجاوز سنه السبعين، فبفضل القنوات الإذاعية والتليفزيونية ووصول الصحف والمجلات للأقاليم، لم يعد هناك شيء خافٍ، بدأ الحديث بتحليلات وتفسيرات للأوضاع المتردية للناس وأزماتهم الاقتصادية والضرائب الباهظة التي وصلت الى أن أحدهم قال لم يبق إلا أن يأخذوا منا رسوم لدخول لبيوتنا وثمن الهواء الذي نتنفسه، حيث يتم الآن تقنين ثمن الخطوات التي يمشيها الناس في الشوارع!
ثم تطرق الأمر لأولي الأمر وفساد الأغلبية منهم ،فإذا بالرجل يقول أن المسئول الفلاني رجل طيب وكلامه موزون وتحليلاته في محلها، ثم توجه إلي بالسؤال: أظن أنه رجل نظيف .. ولا إنت إيه رأيك؟ .. فرددت كلهم شيوخ منصر، فقال : حتى ده شيخ منصر؟ .. فقلت: هو كلامه حلو ومفيش حد يملك موهبته في التحليل .. هو مثقف وصاحب رأي ومحلل رائع وكلمته مسموعة عند الناس الكبيرة باعتباره واحد منهم .. بس برضه مراوغ ومخادع وفي النهاية برضه هو شيخ منصر .. فرد الرجل: اسمع هذه الحكاية حتبسطك جداً .. فقلت مبتسماً إحكي ..
"كان فيه عابر سبيل، طيب على قد حاله، من اللي بيسرحوا في الموالد، دخل المركز (بلدة أكبر من القرية بعض الشيء) وكان تعبان والوقت متأخر فاضجع في مدخل دكان بقالة صاحبه طيب على بال ما قرب يقفل المحل كان الرجل نام، فقرر صاحب المحل أن يتركه نائماً، وأغلق دكانه ومضى إلى بيته، في الليل هجم الحارميه، فلقوا الراجل ده نايم في مدخل الدكان، فخافوا يصحى فيراهم، فقرروا التخلص منه، ونزلوا عليه بالشوم (عصا غليظة يبلغ طولها المتر وقطرها 12 سم)، ففزع وقبل أن يغيب عن الوعي رأى من بين الأيدي والشوم النازلة على رأسه وجسمه رجل ضخم الجثة يركب حمارا ويرتدي عباءة ويلتحف بمجموعة من الشيلان وحول رقبته سبحة حباتها تتناسب مع جثته وبإحدى يديه عصا رقيقة .. في الصباح فوجئ صاحب الدكان بالدم يملأ مدخل الدكان والرجل الطريح يتأوه، وتم إبلاغ قسم شرطة المركز الذي ألقي القبض على عابر السبيل وساقه متهماً بالسرقة، وأثناء ترحيله من قسم الشركة رأى الرجل ضخم الجثة يركب الحمار في موكب عظيم، كل المارين يقبلون يده، وهو يطوح برأسه ذات اليمين واليسار، وبعض الأفراد يكنسون من أمام أقدام حماره، خشية أن تدوس أحد أقدام الحمار نملة فيساءل عنها الشيخ يوم القيام، فغمغم في البداية ثم علا صوته هو ده الحرامي اللي سرق الدكان ورجالته ضربوني، فقال له حراسه من العسكر بعد عدة لكمات اخرس جاك قطع لسانك ده فضيلته شيخ كبير بيتبارك به المأمور وزوجته وولاده والبلد كلها، انت عميت مش شايف بركاته، ده خايف على النمل في الأرض تطأه أقدام حماره فيقع عليه وزر عظيم، ودفعه أحدهم حتى كاد يصطدم بالأرض، في هذا الوقت كان نائب المأمور وهو شاب في مقبل العمر يتقدم المتهم والعسكر، وهنا التفت إليه، وقال له: انت بتقول إيه وأخذ يسبه، فحلف الرجل بأيمانات الله، أن هذا الشيخ ورجاله هم الذين سرقوا دكان البقال ليلة الأمس، فرد نائب المأمور وإذا كان كلامك غلط نعمل فيك إيه؟ .. لففوني كعب داير (يعرض المتهم على كافة أقسام الشركة على مستوى الجمهورية شمالها وجنوبها) أو ادبحوني، وهنا خطرت لنائب المأمور فكرة صرخ في العسكر: رجعوا المتهم القسم، وقولوا للشيخ إن المأمور عايزه في القسم لأمر هام .. وبالفعل توجه موكب الشيخ إلي القسم، حيث أسرع ضابط النوبتجية لأستقباله برفقة عدد من العساكر، وصعد الشيخ مباشرة إلى مكتب المأمور الذي تلقاه ونائبه بحفاوة بالغة سألوه خلالها الدعاء، بعد ذلك بادر المأمور قائلاً أن حرم نائبه لم تنجب رغم مرور ثلاث سنوات أو أكثر على زواجها من نائبه، وهنا دخل نائب المأمور في الحديث راجياً ومتمنياً وطالباً في خشوع وانكسار من فضيلة الشيخ أن يعطيه عصاه و مسبحته لكي تتبرك بهما زوجته علهما يكونا فاتحة خير وتحمل وتنجب له ولي العهد، لم يمانع الشيخ وناول نائب المأمور عصاه ومسبحته، الذي أخذهما وطار بهما برفقة عدد من عسكره إلى بيت الشيخ بعد أن بدلوا ملابسهم بملابس تشبه ملابس أهل البلد، وفور أن طرق باب بيت الشيخ ظهرت امرأة يبدو على هيئة ثيابها الورع والتقوى، تتدلى من عنقها وإحدى يديها مسبحة عظيمة، بادرها نائب المأمور قائلاً أن الشيخ أرسله مع الرجالة اللي معها عشان يأخذوا الأمانة بتاعته ليلة امبارح، فصحبتهم بعد أن رأت الأمارة (العلامات المسبحة والعصا) إلى شونة كبيرة (مخزن) تمتلئ عن آخرها بكل أنواع المسروقات، ثم أخذت تشير بيدها: هذه أمانة أمس، وهذه أمانة أول من أمس، وهذه دكانة فلان، وهذه لعلان وهذه وهذه، وهنا انطلق أحدهم حيث أتي بعربة نقل كبيرة، وتم تحميل كل ما وجد في المخزن، وتمت مواجهة فضيلة شيخ المنصر."
وتوتة توتة لم تفرغ الحدوتة لأن شيوخ المنصر (المنصر بفتح الميم وتسكين النون وفتح الصاد وتسكين الراء: زعيم العصابة) لدينا لم يجدوا بعد من يقبض عليهم ويرد لنا حقوقنا، وإن وجدوا من يفضحهم ويفضح ألاعيبهم في نهب وسلب خيراتنا وحقوقنا، ولا تزال ثرواتنا التي نهبوها والتي سوف ينهبونها ملك يمينهم تحت حراسة مشددة في بنوك أوروبا وأمريكا.. * محمد الحمامصي
شاعر وصحفي مصري hamamsi@yahoo.com