مسيح البنتاغون عجّل بظهور المهدي!

بقلم: حمزة الحسن

(لنَسلك أعط هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الأكبر، نهر الفرات). سفر التكوين:15 ـ 18 في تاريخ الفكر الشيعي لا يظهر المسيح المنقذ بعد أن تمتلئ الأرض جورا وظلما إلا ومعه المهدي صاحب الزمان، فظهور الأول هو الذين يمهد لخروج الثاني مع أتباعه لكي تصبح الأرض أكثر عدلا وجمالا.
والمسيح لا يظهر، في العقيدة المسيحية، إلا على إثر معركة شرسة مع الأشرار يخوضها الأخيار، وبتعبير أدق أن وزارة الدفاع الأمريكية، وتحديدا البنتاغون، هو الذي سيمهد الأرض لظهور ابن الرب المنقذ والمخلص على ارض ( بابل الزانية) وهي بابل الحالية التي تقع ما بين النهرين.
يأتي ذكر بابل مقرونا بوصف زانية كثيرا في التوراة في النسخة التوراتية المنقحة بعد العودة من السبي البابلي بعد سقوط بابل على يد الملك كورش الفارسي، ويجري ذكر نبوءة "دانيال" الذي عمل في القصر البابلي كعراف لملوك بابل، وهي نبوءة تشير إلى سقوط بابل قريبا، لكن هذه النبوءة ليست إلا أسطورة أخرى، لأن دانيال نفسه لم يكن غير جاسوس الملك الفارسي على ملوك بابل، وكونه عرافا واعيا ودقيقا بحرفته فلقد وضع معلوماته الدقيقة في صيغة نبوءة قادمة.
والمسيحية الصهيوينة (وغالبية افراد الادارة الامريكية من أنصارها) تؤمن حرفيا بعودة المسيح الثانية إلى الأرض في صراع سيقع على أرض الأشرار وهي قطعا في الذهن العنصري الأسطوري المسيحي أرض بابل.
على هذا النحو اختلطت العقيدة الدينية بالسياسة، وتحول المسيح من نبي أو إنسان أو ملاك منقذ ومخلص أو نصير للحرية حسب ديستوفيسكي، إلى موظف في شركات النفط والسلاح. وخرج السفر التوراتي من حلم العثور على الوعد الرباني و"الأبوي" إلى الهجوم المسلح بقوات محمولة برا وجوا وبحرا في عودة أخرى من خلال (العبور نحو بحر القصب) كما جاء في سفر النزوح.
وبهذه الطريقة تقابلت الاصوليات الدينية المتقاطعة، الاسلام الشيعي القائم على فكرة الانتظار والمنقذ والمخلص، انتظار المهدي، والمسيحية الاصولية من خلال فكرة انتظار المسيح المخلّص للعبور إلى أرض القصب.
تقاطع أصوليات ولقاء أحلام وانبثاق الخرافة (أو أمل الخلاص وفكرة المنقذ) من الدم والموت والذاكرة.
بهذه الطريقة أحيت الادارة الأمريكية (التي ضج العالم من صراخها في حرب الإرهاب والاصوليات) الذاكرة الشيعية، وعجلت بدل ظهور المسيح بظهور المهدي وجيشه القادم كما يؤكد ذلك خطاب مقتدى الصدر في صلاة الجمعة في مسجد الكوفة البارحة 18 تموز/يوليو الذي يسجل تطورا نوعيا في حركة الأحداث في العراق هذه الأيام.
هل كان مخططو البنتاغون يعرفون، وقد حسبوا حساب الأسلحة، والمواقع، والجيوش، والطقس، وردود فعل الخصم، وطرق الامدادات، وقطع الغيار، والعتاد، والوقود، والأجواء المشرقة للطيران وغير ذلك، هل كانوا قد وضعوا في تفكيرهم احتمال أن تؤدي هذه الحرب إلى ولادة أصولية مضادة منبثقة من الدم والذاكرة والتاريخ والمسجد والشعور والعاطفة؟
أبدا.
لم يحضر ذلك في تفكيرهم. وقعوا في ذات الورطة التي عصفت بأسلافهم الإنكليز بما يسمى بـ«ثورة التنباك» بداية القرن الماضي حين خططت شركات النفط الإنكليزية لتصدير كميات هائلة من التبغ إلى العراق وإيران وفكروا بكل شيء، لكنهم، وعند التنفيذ، فوجئوا بفتوى المرجع السيد الشيرازي حين حرم التنباك!
هناك جوانب في التفكير المحلي والتقليدي والتاريخي عند الشعوب غير الأوروبية يستعصي على الفهم والتحديد، وقد تكون ظاهرة الثورة الإيرانية آخر مفاجأة للعقل الغربي كما توقعوا، لكن يبدو أنهم لم يتعلموا الكثير، أو أن عقولنا زاخرة بكل ما هو مدهش حيث يختلط الأسطوري بالثوري، الماركسي والقومي، الخرافة مع التمرد، الحلم مع السحر، الرغبة في الموت مع الشهوة للحياة...الخ وغير ذلك الكثير من عناصر خاصة بالعقل المشرقي.
صحيح هناك إستراتيجيات لوضع الأسطورة الدينية في قالب عصري، والغرف من قاموس مكافحة الأرهاب الدولي، واسلحة الدمار الشامل، والفاشية، لكن الفكر العقيدي لفريق "المحافظين الجديد" الذين يشكلون أكثر من سبعين مليون أمريكي، حاضر حضورا قويا في تحويل الميثولوجيا العرقية القائمة على فكرة "التراب والدم" العنصرية، إلى حقيقة قائمة على الأرض.
المسلمون الشيعة ينتظرون منذ قرون عودة المهدي وهو انتظار قال عنه المفكر الإيراني المرحوم مطهري "إنه الانتظار الإيجابي" أي الانتظار القائم على الحركية الايجابية وليس السكون والقعود وانتظار الفرج.
علامات ظهور المسيح معروفة في الفكر المسيحي، وعلامات ظهور المهدي معروفة في الفكر الشيعي، وفي ذاكرة الفريقين، واهم هذه العلامات وشرطها امتلاء الأرض بالجور حتى يضج الناس بالصراخ من الألم والظلم.
كان مفروضا بالمسيح، حسب هؤلاء، أن يظهر على جبل في القدس في الأول من نهاية القرن العشرين، لكن شارون لم يصلح كممهد لهذا الظهور لأن خطاياه تجاوزت حدد الممكن، رغم أن الفقيه موشي ديان كان قد قال:
"بما أننا نملك كتاب التوراة، ونحن شعب التوراة، فإن علينا أن نمتلك جميع الأراضي التوراتية" ـ الجنرال موشي ديان، جيروزاليم بوست، 10 اب/أغسطس1967.
وتنفيذا لهذا الوعد قام الدكتور جولدشتاين في25 شباط/فبراير 1994 بتصفية العرب أثناء صلاتهم بالحرم الإبراهيمي، كما يذكر المفكر روجيه جارودي في كتابه القيم الأساطير التوراتية.
نبوءة العراف والساحر ميشيل دي نوستردام (ولد في الرابع عشر من كانون الأول/ديسمبر سنة 1503 في سان ريمي في ايطاليا) تعيش في المخيلة الغربية اليوم عن خراب بابل قادم وهو يتحدث عن ظهور"سافل" أسمر:
"سوف يدخل، شرير، بغيض، سيء الصيت، يستبد بأهل ما بين النهرين. كل الأصدقاء تصنعهم السيدة الزانية، الأرض توقع الرهبة، وسوداء المظهر."
هل كان "البغيض، وسيء الصيت" الذي استبد بأهل ما بين النهرين هو الدكتاتور العراقي الهارب اليوم؟ أم أن النبوءات التوراتية لا تتصور مخلوقا غير شرير يخرج من أرض بابل؟
سواء كانت نبوءة نوستر داموس، أو خطط رامسفيلد، وغونداليزا رايس أو شركات النفط والرأسمالية المتوحشة، فإن الشيء المؤكد اليوم أن المهدي "عجل الله فرجه" على وشك الخروج قبل ظهور المسيح وعلى مقربة من قوات المارينز.
هل هي نهاية أسطورة؟
أم ولادة وهم؟
أم موت إمبراطورية؟

هكذا أخرج الإرهاب الدولي المارد من القمقم ولم يعد قادرا على اعادته لا بجنود فرقة المشاة الثالثة ولا بقوات حفظ الأمن التابعة للأمم المتحدة، كخروج من هذه الورطة أو الوحل العراقي.
وبلغة البيان الشيوعي فإن هناك أقداما ضخمة تجول شوارع العراق اليوم هي أقدام المهدي رفيق المسيح في الخلاص (ومعه جيش من الجياع والمحرومين) الذين أخرجتهم القوات الأمريكية من مسجد الكوفة بعد قرون طويلة من الانتظار الممل! * حمزة الحسن، روائي عراقي مقيم في النرويج