ديمقراطية صم بكم عمي

بقلم: محمد الحمامصي

لماذا تصرخ الشعوب رافضة ولا أحد يبالي بصراخها؟ لماذا تكتب الأقلام كاشفة للسوءات ولا أحد يصحح أو يعتذر أو يتخذ أي نوع من أنواع رد الفعل التي تنبئ عن وجود من يهتم بالأمر؟ لماذا نرى الأخطاء تتراكم وتنفضح ونغمض العيون فلا نراها؟ ما هذه اللامبالاة المفضوحة؟ هل هذه أول علامات الديمقراطية التي نسعى إلى تبنيها؟ هل الديمقراطية أن تصبح الأنظمة والإدارات الحاكمة صم بكم عمي أمام مطالب وحقوق شعوبها ومجتمعاتها الأساسية؟ هل الديمقراطية تنهب حق الشعوب في الحفاظ على هويته الحضارية والتعبير عن رأيها و تدعو الحكومة أو الإدارة الحاكمة إلى مناهضة قراءة أو سماع أو احترام هذا الرأي أو ذاك والتحقيق في مطالبه وتنفيذ ما يتفق منها مع كرامة وأمن هذه الشعوب واستقرارها إذا كانت الدولة المثل والقدوة والتي تحمل سلاحها الاقتصادي والعسكري شرقاً وغرباً لتحقيق حلم الديمقراطية للكون كله صماء بكماء عمياء كاذبة خادعة؟ خرجت الشعوب في كل الدنيا تطالبها بعدم الحرب واحتلال أراضي الغير بالقوة، فصمت آذانها ولفقت الأكاذيب والادعاءات وخاضت الحرب وانتهكت وقتلت ودمرت ونهبت وأصبحت دولة محتلة غاصبة، فهل هذه هي الديمقراطية التي نهرول للحاق بركبها ونتمنى أن تقلب مجتمعاتنا رأساً على عقب استقبالاً لها، ديمقراطية سلب الحريات والقمع وممارسة القوة إرهاباً وتعتيماً وتكميماً واستيلاء على ثروات ومقدرات الآخرين.. إذا كانت هذه هي الديمقراطية الأمريكية فنحن لنا فضل السبق في اكتشافها وتطبيق أصولها وقواعدها القائمة على الغش والخداع والكذب وسرقة مقدرات الشعوب (وبيدي لا بيد عمرو).
هذه ما يطرح نفسه في ظل تفاقم الأوضاع الداخلية سياسياً واقتصادياً واجتماعياً في العديد من البلدان العربية، هذه البلدان التي تتجاهل أبسط حقوق مواطنيها من الحاجات الأساسية مثل التعليم والعمل والسكن في ظل سوء تنظيم وإدارة وعمليات سلب ونهب منظمة بين كبار المسئولين، هذا فضلاً عن تردي مستوى السياسات الخارجية في معظم ردود فعلها على الأحداث التي تمس أمن واستقرار الوطن والمواطن، ورضوخ هذه السياسات لتوجهات تسيء إلى استقلالهما، ولنأخذ مثلاً قضية كقضية الفساد التي لم تعد حكراً على دولة عربية دون الأخرى، لا تكاد تخلو مطبوعة رسمية أو خاصة، يومية أو أسبوعية، على اختلاف طبيعتها على مدار الربع قرن الأخير من تحليل إخباري أو عمود رأي أو حادثة تنذر وتهدد بتفاقم هذه القضية، ومع ذلك تصر الحكومات أو الإدارات الحاكمة على تجاهل ذلك، بل إنها تعمد نكاية في الرأي العام أن تجيء اختياراتها لكبار المسئولين الجدد أو أولئك الذين يجدد لهم كاشفة عن دعم مفضوح لاستشراء الفساد وعملائه، الأمر الذي خلق الكثير من المواضعات الخاطئة وضرب الكثير من القيم والمبادئ الرئيسة في المجتمعات العربية، فإذا كان ما يمكن أن نوصفه بالفساد العائلي الحاكم يحرس كل منافذ الدخول والخروج في قلاع السلطة، بحيث يتم التخلص من الشرفاء والوطنيين أولاً بأول ويتم استقطاب كل الراغبين في الانحلال والفساد، ماذا يمكن أن يحدث، إن أبناء المسئولين من الوزراء والحكام يقبضون على زمام رأس المال والاقتصاد والأعمال والمناصب لبطانتهم، حتى ليشكلون فيما بينهم القوة الحاكمة الفعلية لمراكز صنع القرار السياسي الداخلي والخارجي، بل هناك تواطأ مفضوح بين هؤلاء وسياسات خارجية ترمي إلى سلب وتغييب الإرادة والهوية الوطنية.. هذا على سبيل المثال حيث يمتد سيل الأمثلة إلى قاعدة كبيرة تدير من منازلهم وعلى طاولات مكاتبهم الخاصة شئون الأمة العربية ربما تبدو من بعيد غير منظورة بسبب ضروب التعتيم والتكتم الشديد الذي تعمل فيه هذه النخب الفاسدة وبطانتها، وربما نتيجة الحماية التي تعمل تحت مظلتها، لكن سرعان ما يتكشف ذلك حين نتساءل عن انهيار أي بوادر نهضة مجتمعية عربية حقيقية على كافة المستويات.
لا يظن القارئ أنني ابتعدت عما طرحته بشأن أسبقيتنا لأمريكا في مشروعها الديمقراطي القائم على تشريع وتقنين وتشييع الفساد، فمعظم الأنظمة والحكومات العربية منذ منتصف القرن العشرين تتخذ من النظام الأمريكي والحياة الأمريكية والإرادة الأمريكية طريقاً ونموذجاً تهتدي به في حكمها لشعوبها بل وتسعى إلى فرضه على غيرها من الدول العربية، دون أي اعتبار لخصوصيات هذه الشعوب الحضارية والدينية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، الأمر الذي تصاعد مده حتى أصبحت الأمة العربية وشعوبها أسواق مفتوحة للمتاجرة بكل ما لم يكن يتخيله العقل والوجدان، ويكفي أن طالت المتاجرة الدين حضارة وتاريخاً.
إن الأمل في نهضة عربية أمر غير وارد في ظل إرادات حاكمة غير واعية بتاريخ وحضارة أمتها حاضراً ومستقبلاً، ونخب سياسية وفكرية منساقة وهشة ومستسلمة، ومن ثم فإن هذه الديمقراطية التي لا تلقى بالاً للكيانات الإنسانية المحكومة بها ولا تحقق لها الحد الأدنى من الحياة الكريمة ولا تحافظ لها على خصوصياتها، وبغض النظر عن التنظيرات التي تسود آلاف الكتب، تظل هنا أو هناك مقصلة لقتل كل ما هو جميل مخالف لقبحها. * محمد الحمامصي، شاعر وصحفي مصري hamamsi@yahoo.com