تركيا وإيران: مصالح اقتصادية وتناقضات أيديولوجية

عبد الناصر فيصل نهار

لا تخلو العلاقات التركية/الإيرانية من التوترات، والحقيقة أنها كانت أقل مما كان يتكهن به عند نشوب الثورة الإسلامية في إيران، وهي توترات قابلة للتسوية دائماً، لكن العلاقات الثنائية تبقى مهددة بالتدهور رغم تلاقي المصالح الاقتصادية بين بلدين متناقضين إيديولوجياً، مع وجود كثير من المهاجرين الإيرانيين في تركيا، وتواجد عدد كبير من الأتراك في إيران.
وعند نشوب الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 بدت آفاق العلاقات الثنائية بين الجارتين تركيا وإيران شديدة البرودة، وفي أكثر من جانب كانت تركيا ترى إيران كأنها الدولة التي جاءت بالأفكار الإسلامية المهيمنة على الثورة للعمل ضدها، وبالنسبة للثوريين الإسلاميين بدت تركيا كأنها النموذج الذي حاول شاه إيران تقليده كدولة علمانية وثيقة التحالف مع الولايات المتحدة تتبنى القيم والثقافة الغربية بحماس، بالإضافة إلى تفاهم مشترك بأن الدين لا يتلاءم مع التقدم.
وخلال القرن الماضي دخلت إيران وتركيا في تحالفين رئيسيين (ميثاق سعد آباد، وميثاق بغداد)، وإذا كانت العلاقة بين تركيا وإيران أقل من ودية، فإن احتمال نشوب صراع حقيقي بين تركيا العلمانية وإيران الإسلامية لم يقع بسبب بعض التدابير الحكيمة من قبل تركيا، وهي:
- قبلت تركيا تغيير النظام الإيراني قبولاً تاماً ولم تحاول التدخل بل على العكس بادرت بسرعة للاعتراف بالنظام الجديد.
- رفضت تركيا محاولات الولايات المتحدة الأمريكية لفرض عقوبات اقتصادية ضد إيران الثورة.
- نشط التعاون الاقتصادي بين بلدين متناقضين إيديولوجياً.
- وهناك عامل هام أيضاً وهو نشوب الحرب العراقية/ الإيرانية.
وبالإضافة إلى ذلك كانت إيران تدرك أهمية قضية الحدود وأمنها بالنسبة لتركيا لا سيما بعد انتفاضة حزب العمال الكردي عام 1984، ففي أكتوبر 1984 عقدت أنقرة وبغداد اتفاقية شملت بند المطاردة الساخنة مما زاد صعوبة استخدام الأراضي العراقية كملاذ من قبل حزب العمال الكردي، وبالمقابل رغبت إيران بتلطيف المخاوف التركية فعقدت اتفاقية التزم بموجبها كل جانب، بمنع أي نشاط على أراضيه يهدد أمن الجانب الآخر.
وحسب ما ترى تركيا فإن البلقان والقوقاز بوابتان مفضيتان إلى كل من أوروبا وآسيا على التوالي، وتظن تركيا أنها قادرة على الإفادة من سائر الطاقات والإمكانيات التي تنطوي عليها مختلف العلاقات التجارية والاقتصادية مع جميع البلدان الموجودة في هذه المناطق. فلقد لعبت تركيا دوراً مهماً في إطلاق مشروعات هادفة إلى تعزيز الدعم المتبادل وتسهيله عن طريق التعاون الإقليمي اقتصادياً وتنموياً، وإن من شأن ذلك أن يفضي، آخر المطاف إلى تبديد أشكال التوتر مع توفير قدر أكبر من الاستقرار السياسي.
وفي هذا السياق نشطت تركيا على اتباع سياسة رامية إلى دفع عجلة التعاون في حوض البحر الأسود وإقامة منظمة البحر الأسود للتعاون الاقتصادي (BSEC) والتي تغطي مساحة اقتصادية واسعة مأهولة بـ 325 مليوناً من البشر، كذلك سارعت تركيا لإحياء منظمة التعاون الاقتصادي الأيكو، جنباً إلى جنب مع إيران وباكستان، بهدف التعاون مع هذه الدول.
وترى السياسة التركية أن علاقات تركيا الوثيقة مع هذه البلدان وهي علاقات قائمة على سلسلة طويلة من الروابط التاريخية والثقافية واللغوية، توفر قاعدة صلبة ومتينة للتعاون، ومن شأن مثل هذا التعاون أن يعزز استقلال هذه البلدان ويساعد على تمكينها من الاندماج بالأسرة الدولية.
لكن بالتأكيد فإن سياسة تركيا الشرق أوسطية، إنما تمليها الحسابات الأمريكية الدولية والتي تضطلع إسرائيل فيها بدور محوري، وتدل بعض الأحداث على صحة هذا الاتجاه وصواب رأي أصحابه، وقد حاول أوزال أن يطبق ذلك في إطار اتباع سياسة متوازنة إزاء إيران والعرب وإسرائيل. ويعتقد أن هذه السياسة تتكرر أمامنا الآن عبر السياسة الراهنة للحكومة التركية، التي عززت علاقاتها مع إيران وبعض الدول العربية واستمرت في تطبيق الاتفاق العسكري التركي/ الإسرائيلي، رغم سيطرة من يطلق عليهم بالإسلاميين على الحكومة التركية وفي مقدمتهم رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان.
وتركيا اليوم، تعتبر الحليف الإقليمي الوحيد لاسرائيل منذ عام 1996، تاريخ التوقيع على الاتفاق المذكور الذي أثار غضب معظم الدول العربية وإيران، ومنذ عام 1996 نظمت تركيا وإسرائيل والولايات المتحدة عدة تدريبات عسكرية مشتركة.
والواضح منذ ظهور العالم التركي الجديد، أن نظام العلاقات الدولية لتركيا يتبدل بصورة متعاكسة.. بمعنى أنه يشهد مزيداً من التباعد عن أوروبا، في مقابل المزيد من التقارب في محيطها الآسيوي والبلقاني. ولا يخفي المسؤولون الأتراك رغبتهم في إيجاد موطئ قدم راسخ لهم في هذا المحيط، ولا سيما منه آسيا الوسطى، بدعم أكيد من الولايات المتحدة الأمريكية لمواجهة النفوذ الإيراني هناك.
وقد سعت تركيا لتوثيق علاقاتها الاقتصادية بالعديد من الدول الإسلامية في إطار منظمة المؤتمر الإسلامي ومجموعة الثمانية، وخاصة إيران التي تم التوقيع معها على اتفاقية لتوريد الغاز، إلا أن تلك السياسة أثارت ردود فعل عدائية في الأوساط الغربية، حيث قرر البرلمان الأوروبي وقف المعونات المالية لتركيا حتى عام 2000 متعللاً بمشاكل حقوق الإنسان والديمقراطية والأكراد وتهريب المخدرات وغسيل الأموال. وكذلك فقد هددت الولايات المتحدة الأمريكية بفرض عقوبات على تركيا بسبب اتفاق الغاز، رغم أن الصفقة تجارية فقط ولا تتعارض مع قانون العقوبات الأمريكي المفروض على إيران.
وعسكرياً فإن الجيش التركي هو ثاني أكبر الجيوش من حيث العدد في حلف الناتو بعد الولايات المتحدة، وهو أيضاً من أضخم الجيوش في منطقة الشرق الأوسط، بل إنه يعد أضخمها بالفعل بعد أن انهارت القوة العسكرية العراقية، وبالنظر إلى أوضاع القوة العسكرية الإيرانية التي لا تزال تمر بمرحلة إعادة البناء، إضافة إلى ذلك الأوضاع الاستراتيجية المحيطة بالقوة العسكرية السورية التي تواجه أكثر من اتجاه تهديدي ضدها.
إن جميع هذه المتغيرات إضافة إلى استمرار تركيا في تعزيز قوتها العسكرية وتحديثها، ترشح تركيا لتؤدي دوراً نشطاً ومؤثراً في الشرق الأوسط سياسياً وأمنياً، ومما يوضح هذا الدور أن إسرائيل ترى في تركيا ثقلاً مضاداً لإيران وفي حال الضرورة ثقلاً مضاداً لحليفها السوري.
ومنذ الثمانينات ازداد القلق التركي من التوجهات الإيرانية بالدعوة إلى تصدير الثورة، ومن ثم انتشار النفوذ الإيراني إلى جمهوريات آسيا الوسطى، والهواجس من سوريا بسبب مشكلة المياه ولواء إسكندرونة، لذلك فالتوازن الإقليمي يرجح الاتكاء على إسرائيل بصورة مباشرة لكونها خياراً في عالم تفضي فيه تطورات الناتو وتردد الأسرة الأوروبية في مسألة عضوية تركيا إلى خيارات محدودة أمامها.
أما الهدف الأهم فهو زعزعة التحالف الإيراني– السوري الذي تعتبره أنقرة وتل أبيب خطراً عليهما، عقب تدمير قوة العراق العسكرية نهائياً واحتلال العراق أمريكياً، بينما ترى تركيا في ذلك التحالف الوثيق والصامد الحاجز الذي يحول دون توزيع نفوذها في العالم العربي.
ولا بد من التذكير هنا بمقولتين لوزيري دفاع تركيا وإسرائيل، فقد صرح وزير الدفاع الإسرائيلي في 27 إبريل 1997 أن الاتفاقية مع تركيا تمثل قوة ردع لمواجهة أي هجوم قد تفكر به دولة مثل إيران أو العراق أو سوريا. وإن هدفه ليس استخدام القوة بل إيجاد قوة ردع موحدة، ويجب أن نعلم أن ما هو بين أيدينا من نصوص للاتفاق وهو القسم العلني، وحتماً هناك ملاحق سرية غير منشورة. وهناك تصريح آخر لوزير الدفاع التركي يقول فيه إن سوريا هي المقر العام للإرهاب الذي يهدد تركيا وإسرائيل في وقت واحد، وهذا يؤكد أن ما بين الدولتين مستوى من التعاون الاستراتيجي المتنامي.
ولعل الزيارة الأخيرة لرئيس الدولة العبرية إلى تركيا، قد أكدت على لسانه أن تعاوناً بين إسرائيل والدولة الفلسطينية وتركيا والأردن ومصر يوفر إمكانيات ضخمة شرط وضع المسائل السياسية جانباً. كما أعرب موشي كاتساف عن ارتياحه للتعاون الوثيق بين بلاده وتركيا معتبراً بأن البلدين متشابهان ومتكاملان، وذلك على الرغم من التحسن الملحوظ أخيراً في العلاقات السورية- التركية، وخاصة في ظل رجب طيب أردوغان زعيم حزب العدالة الحاكم.

ADD EMAIL nahar@meo.tv