الأدب بين الهوية والتحولات

كتب: أحمد فضل شبلول

تحت عنوان "الأدب بين الهوية والتحولات" عقد إقليم غرب ووسط الدلتا الثقافي مؤتمره الرابع بمدينة دمنهور، والذي رأسه أ.د. فوزي عيسي، وتقلد أمانته ا.د. عيد بلبع، وحضر افتتاحه الوزير المهندس أحمد الليثي ـ محافظ البحيرة، والكاتب محمد السيد عيد ـ وكيل وزارة الثقافة، نائبا عن السيد أنس الفقي رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة.
بدأ حفل الافتتاح ظهر السبت 31/5 بآيات من الذكر الحكيم، ثم تولى د. فوزي خضر تقديم فقرات الحفل، فتحدث أمين عام المؤتمر د. عيد بلبع قائلا: إن المؤتمر يتزامن مع لحظات حرجة من تاريخ أمتنا التي تتجاذبها قوتان، قوة الحداثة والعولمة، وقوة الهوية والخصوصية. وهو يأتي ممارسة فعلية للوعي بالأزمة وإرادة التغيير معا.
ثم تحدث أ. محمد مصطفى ـ مدير عام ثقافة البحيرة فقال: لم يشهد التاريخ الحديث مثيلا لما يحدث الآن في الأمة العربية، وأضاف إننا نواجه واقعا مليئا بالتحديات، وعلينا جميعا السعي للتغلب على تلك التحديات والانتصار عليها.
وفي كلمته تحدث رئيس المؤتمر ـ د. فوزي عيسى ـ عن العراق وعن ضرورة توحد الأمة لوقف الخطر المحدق بها، وأشار إلى أن الشاعر أحمد شوقي أرسى مبدءا مهما في مسألة الهوية من خلال تغنيه بحب الوطن. وأضاف عيسي أن الأدباء هم ضمير الأمة، وهم المدافعون عن هويتها وحضارتها، وأن عنوان المؤتمر ما هو إلا نوع من أنواع التمسك بالهوية، والوعي بقضيتنا والتزامنا بأداء رسالتنا للتصدي لمحاولات النيل منها.
وقال محمد السيد عيد: إننا أمام تحد جديد بعد غزو العراق، وأظن أننا نحاول أن نسأل أنفسنا: من نحن؟ والإجابات سوف تتعدد في كل بقاع الوطن العربي، فالتحدي كبير ويحتاج إلى تفكير عميق حتى نصل إلى شيء يمكن أن يكون قاعدة للانطلاق. والإجابة ضرورية جدا، ويحضرني هنا قول أرنولد توينبي أن الأمم والحضارات تصنعها التحديات، وعلينا من الآن أن نحاول وضع أيادينا على الثوابت في أمتنا حنى نواجه الخطر الداهم الذي نتعرض له.
وفي كلمته رحب المحافظ المهندس أحمد الليثي بانعقاد المؤتمر في مدينة دمنهور عاصمة محافظته "البحيرة"، ورحب بالأدباء والباحثين والإعلاميين المشاركين في المؤتمر.
ثم جاءت لحظات التكريم، فكُرِّم د. محمد زكريا عناني ـ الأستاذ بكلية الآداب ـ جامعة الإسكندرية، لجهوده المخلصة من أجل إثراء الحركة الأدبية والثقافية في مصر. أثر التحولات المجتمعية في الأدب في المساء عقدت الجلسة البحثية الأولى تحت عنوان "أثر التحولات المجتمعية في الأدب" ورأسها أ.د. سعد دعبيس، وفيها تحدثت د. هيام أبو الحسين عن الوطن بين الهوية والتحولات، فقالت: "إن الهوية من المفاهيم التي حيرت الفلاسفة والمفكرين منذ ما قبل التاريخ، نظرا لما تحتويه من أبعاد مادية ونفسية وروحية بل وميتافيزيقية، وقد نصح سقراط الإنسان أن يعرف نفسه أولا كي يعرف الآخرين". وتضيف الباحثة: إن التحولات من حولنا يعرفها الجميع، لكن ما يهمنا في هذا المجال هو تحديد ما نشترك فيه مع العالم وما نختلف فيه عنه بالنسبة لعملية تسلل متدرج استهدفت النفس قبل الأرض، وتوضيح مكونات الهوية، وتطور فهمها ومفهومها بتقديم العلوم، وتجليات ذلك تظهر في الأدب والحياة وما يجري على المستوى العالمي لمقاومة الآثار السلبية للتحولات بتدعيم الهوية.
وفي بحثه عن الرواية العربية في مصر ـ حالة من التحولات، درس د. محمد زيدان واقع التحولات في رواية "الهماميل" لمصطفى نصر، واتحاد الذات بالفعل والعالم في رواية "أيام في الأعظمية" لفريد معوض، والنص حالة سردية من خلال قراءته لرواية "حجرة فوق سطح" لجار النبي الحلو، والكائن المتشظي في رواية "عزبة الجسر" لسعد الدين حسن، وأخيرا تحولات الواقع والرمز في رواية "أحلام العايشة" لخليل الجيزاوي.
ويختتم الباحث أحمد فراج أبحاث تلك الجلسة بحديث عن الثقافة والعولمة ـ صراع الهويات والتحول. فتناول ماهية العولمة، ونشأتها وتطورها، ومرحلة انطلاقها، وسياقها الفكري (الثقافي) والصناعي (الاقتصادي) والمالي (التكنولوجي) كما تحدث عن عولمة الثقافة وثقافة العولمة، والعولمة الثقافية والانتحار الثقافي.
ومع نهاية اليوم الأول للمؤتمر قدمت فرقة البحيرة للموسيقى العربية مجموعة من الأغنيات الأصيلة لكبار المطربين والمطربات، وقد صفق جمهور الحاضرين طويلا، في محاولة لاستعادة مجد الأغنية المصرية. ملامح الهوية في الأدب في صباح اليوم الثاني للمؤتمر، كانت الجلسة البحثية الثانية بعنوان "ملامح الهوية في الأدب" ورأسها محمد رجب عباس، وتحدث فيها محمود حمزة عن مسرح التراث مشكلة هوية أم أزمة مصير، فقال: "إن مسرح التراث هو وحده القادر على حل مشكلة تبعية المسرح للثقافة الغربية، ولا أقصد بالتبعية الانقطاع، وإنما أقصد أن تقوم معالجة هذا التراث بأسلوب عصري يستفيد من المسرح الغربي في منهجيته وآلياته، لكن هذه الاستفادة لا بد وأن تمر بعملية تنقيح وتعديل بما يتوافق ويتلاءم مع تراثنا وقيمنا النابعة من الأديان، خاصة ونحن في أمس الحاجة لخلق تضامن عربي ـ على الأقل فنيا ـ يكفل لنا مواجهة التكتلات الدولية والأطماع العالمية". من خلال هذا المفهوم يدرس الباحث المسرحية الشعرية "أرمانوسة" للشاعر أحمد شلبي التي تطرح كثيرا من القضايا التراثية التي تمس واقعنا المعاصر، متخذة من الشعر الراقي وسيلة ناجحة لتحقيق ذلك التواصل الفني والنفسي لدى المتلقي العربي المنجذب بفطرته للإيقاع. ثم يتناول الباحث مسرحية "المتنبي ملكا" لمحمد رجب عباس التي يسعى من خلالها إلى البحث عن عزلة المثقفين. كما يبحث في مسرحية "المخنثون" لمحمد عبد الحافظ ناصف، عن المزج بين الحدث الذاتي والحدث المعاصر ليعبر عن قدرة المسرح التراثي في الجمهور لإعادة غرس الشعور بالانتماء في نفس المواطن العربي.
ثم يتناول د. هيثم الحاج علي القصة القصيرة وأزمة الهوية في نموذج من قصص الإقليم، وهو يبدأ بحثه بحديث عن الأدب وسؤال الهوية، ثم يتناول موضوع القصة القصيرة بين الهوية والتقنية من خلال بنية التماسك، وبنية الاغتراب، متوقفا عند المجموعات القصصية "الحدود الخفية" لرضا إمام، و"الإرث" لإيهاب الورداني، و"ابتسامة الوجه الشاحب" لخالد السروجي، و"حكايات البيباني" لمنير عتيبة، و"حبات الفراولة" لميرفت العزوني، و"مازال" لحسين منصور، و"أحمد رجل عادي جدا" لعزة سلطان.
الجلسة الثالثة رأسها د. سعد مكاوي، وتحدث فيها د. أسامة موسى عن ملامح الهوية في شعر الفصحى، فتناول الاغتراب الشكلي، متسائلا عن مناط الشعرية في قصيدة النثر، متناولا ديوان الشاعر السيد ماضي "أنت تغادرني كل مساء"، وديوان "أغاني الخوف" للشاعر أحمد شلبي.
ثم تحدث الشاعر عبد المنعم كامل عن جدل الهوية في شعر العامية، متتبعا مفهومات الوطن والهوية والانتماء، في تجلياتها لدى عدد من شعراء العامية في الإقليم، في هذه المرحلة الزمنية التي نعيش فيها، وخلال هذه الأحداث الجسيمة التي تمر بها المنطقة العربية بصفة عامة، ومن الشعراء الذين توقف عندهم الباحث: جابر سلطان، وصادق أمين، ووفاء بغدادي، وأحمد الصعيدي، ونجوى السيد، وعبد اللطيف محمد. القضايا العربية الراهنة في الأدب أما الجلسة البحثية الرابعة فقد عُقدت تحت عنوان "القضايا العربية الراهنة في الأدب" ورأسها الشاعر صلاح اللقاني، وفيها تحدث د. حلمي محمد القاعود عن رؤية الأدب للاستقلال القومي ـ قراءة في نماذج من روايات الإقليم، فتناول رواية "قالت الأعراب" لجميل متى، و"قفص الأحلام" لطاهر البربري، و"الكوميديا الشيطانية" لهاني قطب الرفاعي، حيث تطرح الروايات الثلاث قضية الوطن والأمة وتلح عليها، كل بطريقته الخاصة، وإن كانت تتفق معا في الرغبة الضمنية لبناء مجتمع قوي ونظيف، تسوده قيم العدل والحرية والحق، وترفرف عليه رايات العزة والكرامة والاستقلال.
ثم تحدث بعد ذلك الشاعر أحمد فضل شبلول عن الرواية العربية والأزمة العراقية، فتناول الروايات: "عزيزي طه" لرجب سعد السيد، و"يوميات عروبة 90" لهاني قطب الرفاعي، و"أيام في الأعظمية" لفريد معوض، و"بغداد لا أحد" لجمال عبد المعتمد، و"الفتيت المبعثر" لمحسن الرملي، ويذهب الباحث إلى أن هذه الروايات تابعت أجواء الحروب الخليجية، وانفعل كتابنا بها، وانطلقوا يكتبون ويبدعون، وفي مخيلتهم أجواء الحرب، وأزيز الطائرات، وانطلاق الصواريخ من قواعدها لتدك المدن العراقية، وانعكاس هذه كله على البشر الذين يعيشون في هذه المنطقة الملتهبة من العالم، ذلك أن الإنسان هو الشغل الشاغل لكتابنا ومبدعينا، فكان الهم الإنساني، أو المعاناة الإنسانية، وسط هذه الأجواء، هو ما يؤرقهم، ويقض مضاجعهم، ويجعلهم ينطلقون في التعبير المباشر وغير المباشر من خلال الأشكال الروائية التقليدية والحديثة.
ويختتم الباحث محمد الشافعي سلسلة أبحاث هذه الجلسة فيتحدث عن ثقافة المقاومة ـ حصن الهوية الأخير، فيقول: على النخب المثقفة أن تراجع مواقفها وأن تنحاز إلى خيارات الأمة، خاصة أن الثقافة كلمة تحمل العديد من الأوجه، فهي تعنى الحاذق الفطن، وتعني التهذيب وإصلاح المعوج، وتعني الملاعبة بالسيف، كما أن معناها العام هو المعارف والفنون، ومن هذا المنطلق يجب أن يتحول المثقف إلى بصر أمته وبصيرتها.
وأعقب الجلسة الأخيرة في هذا اليوم أمسيتان شعريتان، قدمهما الشاعر أحمد محمود مبارك، والشاعر أحمد شلبي، وأمسية قصصية قدمها القاص رضا إمام.
وفي صباح اليوم الأخير من أيام المؤتمر كانت الجلسة الأخيرة لشهادات قدمها بعض أدباء الإقليم، وأدارها د. فوزي خضر، فتحدث شوقي بدر يوسف عن تجربته مع الكتابة، وكانت شهادة إسماعيل عقاب بعنوان "شاعر بالصدفة"، وحكى جار النبي الحلو عن الحكايات، وتحدث بشير عياد عن التضحية بالشعر كي تنجح عملية الكتابة، وكتب شريف زرق شهادته تحت عنوان "كعاصفة متدحرجة في العراء".
ثم كانت جلسة التوصيات والختام التي رأسها د. عيد بلبع ـ أمين عام المؤتمر، ونوقشت فيها ورقة العمل التي ستقدم للمؤتمر العام لأدباء مصر في الأقاليم. أحمد فضل شبلول ـ دمنهور