أوراق بغداد في سلسلة «الذخائر»

بقلم: أحمد فضل شبلول

أشارَ هلاكو نحوَ علجِ فتلَّهُ
فَخَرَّ صريعًا لليدينِ وللجنْبِ
فأدرجَ في لِبدٍ وديسَ بأرجلٍ
إلى أنْ قَضَى بالرفسِ ثمَّةَ والضرْبِ
وقَد أثخنتْ بَغْدَادَ مِنْ بعدِ قتلِهِ
جروحُ بوارٍ جاءَ بالحججِ الشُّهْبِ
وما اندملَتْ تلكَ الجروحُ وإنَّما
ببغْدادَ منها اليومَ ندبٌ على ندبِ
أبيات من قصيدة "اغتيال بغداد" للشاعر العراقي معروف الرصافي (1294 ـ 1364 هـ = 1877 ـ 1945م) وردت مع كامل القصيدة في كتاب جديد بعنوان "أوراق بغداد" صدر مؤخرا عن سلسلة الذخائر التي تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة بالقاهرة، ويرأس تحريرها أ.د. عبد الحكيم راضي الذي يطرح في تقديمه للكتاب تساؤلات عدة، منها: ما الذي جاء بالإسكندر المقدوني من بلاده ليغزو الشرق ويحارب في فارس والهند مكتسحا كل ما كان في طريقه، وما الذي جاء بالرومان كذلك ليحتلوا بلادا عديدة بالمشرق؟ ومن قبل ما الذي جاء من المشرق بالهكسوس ومن بعدهم المغول؟ ثم ما الذي جاء بعدد من دول أوربا الأقرب زمنا لتقوم في بلادنا بنفس الدور الاستيطاني القديم؟ ومن الذي جاء ليختطف المواطنين من أفريقيا ليتخذهم عبيدا يقومون له في مزارعه ومشروعاته بما يقوم به الحيوان من عمل شاق؟ ومن الذي جعل من اختطاف العبيد وبيعهم تجارة عالمية؟
والإجابة عن مثل هذه الأسئلة، تفجر أسئلة أخرى، حيث يقول راضي: أليس أولئك الذين يتشدقون اليوم رياء بمكافحة أسلحة الدمار الشامل هم أول من استخدمها؟ وكان استخدامهم لها مع سبق الإصرار والترصد ـ كما يقول أصحاب القانون ـ أليست هذه الدول ـ الكبرى ـ ذاتها هي التي سمحت لنفسها بتطوير أسلحة التدمير الشامل، ومواصلة التجارب عليها كلما شاءت دون اكتراث بكل البنود التي تتضمنها معاهدة منع انتشار أسلحة الدمار الشامل؟ ألسنا نرى كل يوم دولا عديدة تنفلت من هذه المعاهدة، أو ترفضها كلية، ثم تفاجئ العالم بامتلاك هذه الأسلحة دون أن يحاسبها، أو يتهمها أحد؟
وبعد حديث طويل عن معاني السلام والتحرير والإنقاذ والحرية والأخلاق، وبعد أن وجدنا أنفسنا أمام محنة وطننا العراق، رأت هيئة تحرير سلسلة الذخائر أن من واجبها، محاولة جمع أوراق بغداد، متساءلة في الوقت نفسه: هل سيتعين علينا في المستقبل أن نجمع أوراق عاصمة أو عواصم عربية أخرى؟
انقسمت أوراق بغداد (462 صفحة) إلى قسمين، الأول حديث الوثائق (التي شارك في جمعها جمال العسكري ـ سكرتير تحرير السلسلة)، والثاني ديوان بغداد جمعه وحققه د. محمود فؤاد.
في القسم الأول يحدثنا الكتاب عن ذكر تعريب اسم العراق ومعناه من خلال كتاب "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي، فضلا عن ذكر خبر غارة المسلمين على سوق بغداد، والمحفوظ من مناقب بغداد وفضلها وذكر المأثور من محاسن أخلاق أهلها، وذكر نهري دجلة والفرات وما جعل الله فيهما من المنافع والبركات، ثم حديث عن تعريب اسم بغداد، وذكر بعض أخبار أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور، وخبر بناء مدينة السلام (بغداد)، وخبر بناء الكرخ، والرصافة، وذكر عدد جسور مدينة السلام التي كانت بها على قديم الأيام، وما ذكر في مقابر بغداد المخصوصة بالعلماء والزهاد، وذكر خبر المدائن على الاختصار وتسمية من وردها من الصحابة الأبرار، وغير ذلك مما ورد ذكره في كتاب "تاريخ بعداد".
ومن المختار من كتاب "صبح الأعشى" للقلقشندي نجد أحاديث عن معنى العراق ـ الذي يذكر ويؤنث ـ وإنه سُمي عراقا لأنه سَفَل عن نَجْدٍ ودَنَا من البحر، أخذا من عراق القربة، وهو الخرز الذي في أسفلها. ثم أحاديث عن بابل، والمدائن، وبغداد، وسُرَّ من رأى (من السرور والرؤية، ثم خففها الناس فقالوا سامرَّا).
ومن وثائق "معجم البلدان" لياقوت الحموي، نجد فصلا عن معنى اسم بغداد، وفصلا عن بدء عمارة بغداد، وذكر ما ورد في مدح بغداد.
ومن وثائق كتاب "آثار البلاد وأخبار العباد" للقزويني نجد أن بغداد: أم الدنيا، وسيدة البلاد، وجنة الأرض، ومدينة السلام، وقبة الإسلام، ومجمع الرافدين، ومعدن الظرائف، ومنشأ أرباب الغايات، هواؤها ألطف من كل هواء، وماؤها أعذب من كل ماء، وتربتها أطيب من كل تربة، ونسيمها أرقُّ من كل نسيم.
ومن المختار من "رحلة ابن بطوطة" نقرأ أن بغداد مدينة دار السلام، وحضرة الإسلام، ذات القدر الشريف، والفضل المنيف، مثوى الخلفاء، ومقر العلماء.
ثم يورد ابن بطوطة أبياتا كتبها أبو تمام في إحدى محن بغداد، قال فيها: لقد أقام على بغداد ناعيها
فليبكها لخراب الدهر باكيها
كانت على مائها والحرب موقدة
والنار تطفأ حسنا في نواحيها
ترجى لها عودة في الدهر صالحة
فالآن أضمر منها اليأس راجيها
مثل العجوز التي ولت شبيبتها
وبان عنها جمال كان يحظيها
ومن كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر لابن خلدون، نجد ذكرا لتاريخ التتار، وظهور الفتنة ووقوع الخلاف بين الدواتدار والوزير وابتداء نكبة الخليفة المستعصم بالله.
ومن المختار من كتاب "جامع التواريخ" للهمداني، نقرأ عن توجه هولاكوخان إلى بغداد، وتردد الرسل بينه وبين الخليفة، وعاقبة تلك الحال، وقصة اشتغال هولاكوخان بترتيب الجيش وتجهيزه لفتح بغداد وما حولها، وتصميم هولاكو وتحركه بعد ذلك إلى بغداد، وزحف الجيوش من كل ناحية وصوب إلى مدينة السلام، والاستيلاء عليها، وانتهاء الدولة العباسية.
ومن كتاب "الحوادث الجامعة والتجارب النافعة في المائة السابعة" لابن الفوطي، نقرأ: "وكان أهل الحلة والكوفة والسيب يجلبون إلى بغداد الأطعمة، فانتفع الناس بذلك، وكانوا يبتاعون بأثمانها الكتب النفيسة وصفر المطعم وغيره من الأثاث، بأوهى قيمة، فاستغنى بهذا الوجه خلق كثير منهم".
ومن كتاب "المختصر في أخبار البشر" لأبي الفداء إسماعيل، نجد ذكرا لاستيلاء التتر على بغداد.
كما نجد مختارات عن بغداد من كتاب "العبر في خبر من غبر" للذهبي، و"البداية والنهاية" لابن كثير، و"السلوك" للمقريزي، و"النجوم الزاهرة" لابن تغري بردي، و"عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان" لبدر الدين العيني، و"تاريخ الخلفاء" للسيوطي، وكل هذه المختارات تتحدث عن سقوط بغداد بأيدي المغول، وذكر ما وقع من الحوادث في سنة 656 هجرية التي يوافق أولها الثلاثاء 8 يناير 1258 ميلادية. ديوان بغداد أما القسم الثاني من "أوراق بغداد" فهو عبارة عن ديوان بغداد، جمع وتحقيق د. محمد فؤاد الذي يقول في مقدمة التحقيق: "تأثر الشاعر العربي بمدينته، ونظم فيها مادحا ومتشوقا ومعاتبا ومتذمرا، بل وهاجيا في بعض الأحايين، كما كان الشاعر يرثي مدينته إن ألمت بها نائبة تماما كما يرى بعض أهله وأصدقائه".
وعلى هذا تتبع المحقق الأشعار التي قيلت في مدينة بغداد من خلال كتب التاريخ والجغرافيا والمعاجم وكتب الأدب والمجاميع الشعرية ودواوين الشعراء. ثم قام بتقسيم ديوان بغداد طبقا لترتيب حروف القافية: الهمزة ثم الباء فالتاء وهكذا.
ومن الشعراء الذين أورد لهم المحقق أشعارا في بغداد في هذا الديوان: السري الرفاء (أمواج دجلة، ونزهة على شاطئ دجلة)، وأبو نواس (ليالي بغداد، وليلة بالكرخن وغيرها) والباخزري (جمال بغداد) وسبط التعاويذي (الوزير الجائر) والسيد حيدر الحلي (جيرة الفرات) ومعروف الرصافي (اغتيال بغداد، وحكومة الانتداب، ونقص القادر على الكمال، ونواح دجلة، وسؤال إلى مياه دجلة، وغيرها) وعلي بن محمد الغزنوي (لنا عودة) والقاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز (ذكرى حبيب في بغداد، وبراحتِها جلبتْ ضرَّها) وعبد الحسين الحويزي (غربة عربي في وطنه) وابن عنين (حسرة على أيام ببغداد) وشمس الدين محمد بن عبيد الله الكوفي (عبرة) وعمر الوراق (أيها المقتول) وأبو علي محمد بن عمر البلخي (بكرهي فراق بغداد) وابن الرومي (دار الخلافة، وأفنان الشباب، وعودة إلى بغداد، وغيرها) والشريف الرضي (أندية الهوى في بغداد، وغارة الجليد على بغداد) ومحيي الدن بن عربي (قصر الخلافة، وحنين) وإبراهيم الزهاوي (لسنا أقل من الغرب) وإسحاق بن إبراهيم الموصلي (أسف لفراق بغداد) وأحمد الكاشف (ما أشبه الليلة بالبارحة) ومهيار (ريف العراق) وصفي الدين الحلي (ربيع العراق، وأتمنى العراق) وأحمد شوقي (تحية من القاهرة، غناها محمد عبد الوهاب) وعلي الجارم (منارة المجد) والتي يقول فيها: بغداد يا بلد الرشيد
ومنارة المجد التليد
يا بسمة لما تزل
زهراء في ثغر الخلود
والقاضي الجرجاني (دعاء بغداد) والخريمي (فاجعة بغداد) والأبيوردي (كلف ببغداد) وسعد الدين الشيرازي (دمعة حرى على بغداد) وخليل مردم بك (ليالي بغداد) والشريف المرتضى (ظبي ببغداد) وأبو العلاء المعري (بين الصراة والفرات، وإخواننا بين الفرات وجلق، وسؤالي عن أهل بغداد، وغيرها) وابن زريق (في بغداد لي قمر) والعباس بن الأحنف (شمس بغداد) وجميل صدقي الزهاوي (الشرق ينبض عرقه) وأبو العتاهية (محلة عبَّادان) وكشاجم (نخل دجلة) والبحتري (استغاثة البصرة) وأبو تمام (على أطلال بغداد)، وعشرات الشعراء الآخرين.
يقول دعبل الخزاعي في قصيدة ـ من مخلع البسيط ـ بعنوان "دار الملوك"، وكأنه يعيش معنا في عام 2003 م بعد الاحتلال الأمريكي البريطاني للعراق: بغدادُ دارَ الملوكِ كانتْ
حتَّى دَهاها الذي دَهاها
ما غابَ عنها سرورُ مُلكٍ
عادَ إلى بلدةٍ سواها
ليس سرورٌ بسُرَّ مَنْ رآ
بل هي بؤسٌ لِمن يَراها
عَجَّلَ ربِّي لها خرابًا
برغمِ أنفِ الذي ابتَناها
هكذا يأتي كتاب "أوراق بغداد" من خلال عدد خاص من "سلسلة الذخائر"، ليكون وثيقة تاريخية وشعرية على حال بغداد على مر العصور. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية